هل صلاة العيد فرض عين أم كفاية؟

2 paragraphs · vol. 25, p. 182

  1. يَوْمَ الْعِيدِ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَعَادَتُهُ يُصَلِّي الْعِيدَ فَهَذَا لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ فَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ اسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ فَيُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَفُرَادَى وَيُصَلُّونَ أَرْبَعًا كَمَا يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِلَا تَكْبِيرٍ وَلَا جَهْرٍ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِأَنَّ الْعِيدَ لَيْسَ لَهُ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ فَلَا يَكُونُ فِي الْمُبْدَلِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ فِيهَا وَفِي الظُّهْرِ أَذَانًا وَإِقَامَةً وَالْجُمُعَةُ كُلُّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَّى الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ وَاجِبَةٌ فَلَا تَسْقُطُ إلَّا عَمَّنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فَلَا بُدَّ لِكُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إمَّا الْجُمُعَةَ وَإِمَّا الظُّهْرَ وَلِهَذَا كَانَ النِّسَاءُ وَالْمُسَافِرُونَ وَغَيْرُهُمْ إذَا لَمْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ صَلَّوْا ظُهْرًا. وَأَمَّا يَوْمُ الْعِيدِ فَلَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ مَشْرُوعَةٌ غَيْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَإِنَّمَا تُشْرَعُ مَعَ الْإِمَامِ فَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى صَلَاتِهَا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْمُسَافِرِينَ فَعَلُوهَا مَعَهُ وَهُمْ مَشْرُوعٌ لَهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمْ إنْ شَاءُوا صَلَّوْهَا مَعَ الْإِمَامِ وَإِنْ شَاءُوا صَلَّوْهَا ظُهْرًا؛ بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّهُمْ إذَا فَوَّتُوهُ فَوَّتُوهُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ فَكَانَ صَلَاةُ الْعِيدِ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ أَوْكَدَ مِنْ صَلَاةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةُ لَهَا بَدَلٌ بِخِلَافِ الْعِيدِ. وَكُلٌّ مِنْ الْعِيدَيْنِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَامِ مَرَّةً وَالْجُمُعَةُ تَتَكَرَّرُ فِي الْعَامِ خَمْسِينَ جُمُعَةً وَأَكْثَرَ فَلَمْ يَكُنْ تَفْوِيتُ بَعْضِ الْجُمَعِ كَتَفْوِيتِ الْعِيدِ. وَمَنْ يَجْعَلُ الْعِيدَ وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَانِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى مَنْ

    vol. 25, p. 183كَانَ فِي الْبَلَدِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ كَمَا كَانَ فَإِنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَانُوا يَشْهَدُونَ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ تَطَوُّعٌ فَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ وَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ دَارُ إسْلَامٍ يُتْرَكُ فِيهَا صَلَاةُ الْعِيدِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ. وقَوْله تَعَالَى {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ أَمْرٌ بِالصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّكْبِيرِ الرَّاتِبِ وَالزَّائِدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَإِذَا لَمْ يُرَخِّصْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِهِ لِلنِّسَاءِ فَكَيْفَ لِلرِّجَالِ. وَمَنْ قَالَ: هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَحْصُلُ مَصْلَحَتُهُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ كَدَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَهْرِ الْعَدُوِّ وَلَيْسَ يَوْمُ الْعِيدِ مَصْلَحَةً مُعَيَّنَةً يَقُومُ بِهَا الْبَعْضُ بَلْ صَلَاةُ يَوْمِ الْعِيدِ شَرَعَ لَهَا الِاجْتِمَاعَ أَعْظَمَ مِنْ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ أَمَرَ النِّسَاءَ بِشُهُودِهَا وَلَمْ يُؤْمَرْنَ بِالْجُمُعَةِ بَلْ أَذِنَ لَهُنَّ فِيهَا وَقَالَ: {صَلَاتُكُنَّ فِي بُيُوتِكُنَّ خَيْرٌ لَكُنَّ} . ثُمَّ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بِأَيِّ عَدَدٍ تَحْصُلُ؟ فَمَهْمَا قَدَّرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ تَحَكُّمًا سَوَاءٌ قِيلَ بِوَاحِدِ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَإِذَا قِيلَ بِأَرْبَعِينَ فَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى الْجُمُعَةِ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْعِيدِ

    vol. 25, p. 184إلَّا لِعَجْزِهِ عَنْهُ وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ لِسَفَرٍ أَوْ أُنُوثَةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الْإِتْمَامُ كَمَا لَوْ صَلَّوْا خَلْفَ مَنْ يُتِمُّ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ الْإِتْمَامَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ كَذَلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ تَبَعًا لِلْمُقِيمِينَ كَمَا أَوْجَبَهَا عَلَى الْمُقِيمِ غَيْرِ الْمُسْتَوْطِنِ تَبَعًا مَنْ أَثْبَتَ نَوْعًا ثَالِثًا بَيْنَ الْمُقِيمِ الْمُسْتَوْطِنِ وَبَيْنَ الْمُسَافِرِ وَهُوَ الْمُقِيمُ غَيْرُ الْمُسْتَوْطِنِ فَقَالَ: تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ إلَّا مُقِيمٌ وَمُسَافِرٌ. وَالْمُقِيمُ هُوَ الْمُسْتَوْطِنُ وَمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ فَهُوَ مُسَافِرٌ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَهَؤُلَاءِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ قَوْلَهُ {إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} وَنَحْوِهَا يَتَنَاوَلُهُمْ وَلَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مِصْرِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إلَّا مَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْهَا كَالْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ وَهَؤُلَاءِ قَادِرُونَ عَلَيْهَا؛ لَكِنْ الْمُسَافِرُونَ لَا يَعْقِدُونَ جُمُعَةً لَكِنْ إذَا عَقَدَهَا أَهْلُ الْمِصْرِ صَلَّوْا مَعَهُمْ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ. وَكَذَلِكَ وُجُوبُهَا عَلَى الْعَبْدِ قَوِيٌّ: إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ وَالْمُسَافِرُ فِي الْمِصْرِ لَا يُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَإِنْ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَكَذَلِكَ الْجُمُعَةُ وَأَمَّا إفْطَارُهُ: فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مُفْطِرِينَ وَمَا نُقِلَ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِابْتِدَاءِ

    vol. 25, p. 182
  2. الصَّوْمِ فَالْفِطْرُ كَالْقَصْرِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ مَشْرُوعٌ لِلْمُسَافِرِ فِي الْإِقَامَاتِ الَّتِي تَتَخَلَّلُ السَّفَرَ كَالْقَصْرِ؛ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ إلَّا فِي حَالِ السَّيْرِ وَلِأَنَّ اللَّهَ عَلَّقَ الْفِطْرَ وَالْقَصْرَ بِمُسَمَّى السَّفَرِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ إتْمَامٍ بَلْ فِيهِ الْفِعْلُ الَّذِي لَا عُمُومَ لَهُ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الَّذِي يُبَاحُ لِلْعُذْرِ مُطْلَقًا كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ تُبَاحُ لِلْعُذْرِ فِي السَّفَرِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْعُذْرِ الْمَانِعِ مِنْ النُّزُولِ وَالْمُتَطَوِّعُ مُحْتَاجٌ إلَى دَوَامِ التَّطَوُّعِ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَ النُّزُولِ وَالسَّفَرِ وَإِذَا جَازَ التَّطَوُّعُ قَاعِدًا مَعَ إمْكَانِ الْقِيَامِ فَعَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ أجوز. وَكَانُوا فِي الْعِيدِ يَأْخُذُونَ مِنْ الصِّبْيَانِ مَنْ يَأْخُذُوهُ كَمَا شَهِدَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ احْتَلَمَ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ شُهُودِهَا مَعَ الْإِمَامِ فَهَذَا أَهْلٌ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ فَرَّقَتْ فِي الْمَأْمُورَاتِ كُلِّهَا بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ فَالْقَادِرُ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَأْتِ بِشُرُوطِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهَا وَالْعَاجِزُ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الشُّرُوطِ سَقَطَ عَنْهُ فَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ قَائِمًا بِطِهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِدُونِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِحَسَبِ حَالِهِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ فَيُصَلِّي عريانا وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَبِالتَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا ذَلِكَ فَهَكَذَا يَوْمُ الْعِيدِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مَعَ الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ

    vol. 25, p. 186يَفْعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِيَحْصُلَ لَهُ مِنْ الْعِبَادَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا وَتَكُونُ الرَّكْعَتَانِ بَدَلَ الْخُطْبَةِ الَّتِي لَمْ يُصَلِّ بِهَا كَمَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمَةً مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ وَالتَّكْبِيرُ إنَّمَا شُرِعَ فِي الصَّلَاةِ الثُّنَائِيَّةِ الَّتِي تَكُونُ مَعَهَا خُطْبَةٌ وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ كَمَا أَنَّهُ فِي الْجُمُعَةِ يَجْهَرُ الْإِمَامُ فِي الثُّنَائِيَّةِ وَلَا يَجْهَرُ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ كَذَلِكَ يَوْمُ الْعِيدِ لَا يَجْهَرُ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ فَالْمَحْبُوسُ وَالْمَرِيضُ وَاَلَّذِي خَرَجَ لِيُصَلِّيَ فَفَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْعِيدِ بِخِلَافِ مَنْ تَعَمَّدَ التَّرْكَ. فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَد فِيمَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ هَلْ يُصَلِّي أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ.

    vol. 25, p. 185