العبادة الموجبة للضرر فعل الواجب أنفع منها

1 paragraph · vol. 26, p. 272

  1. فَأَجَابَ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ مُفْتِي الْأَنَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة بِخَطِّهِ:

    الْحَمْدُ لِلَّهِ، جَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُوجَبُ الشَّرْعِ. وَالثَّانِي: مُقْتَضَى الْعَهْدِ وَالنُّذُرِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الِاقْتِصَادُ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا} وَقَالَ: " {إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ فَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا} وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ. وَقَالَ أبي بْنُ كَعْبٍ: " اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ " . فَمَتَى كانت الْعِبَادَةُ تُوجِبُ لَهُ ضَرَرًا يَمْنَعُهُ عَنْ فِعْلِ وَاجِبٍ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً مِثْلُ أَنْ يَصُومَ صَوْمًا يُضْعِفُهُ عَنْ الْكَسْبِ الْوَاجِبِ أَوْ يَمْنَعُهُ عَنْ الْعَقْلِ أَوْ الْفَهْمِ الْوَاجِبِ. أَوْ يَمْنَعُهُ عَنْ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ

    vol. 26, p. 273وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ تُوقِعُهُ فِي مَحَلٍّ مُحَرَّمٍ لَا يُقَاوِمُ مَفْسَدَتَهُ مُصْلِحَتُهَا مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ مَالَهُ كُلَّهُ ثُمَّ يَسْتَشْرِفُ إلَى أَمْوَالِ النَّاسِ وَيَسْأَلُهُمْ. وَأَمَّا إنْ أَضْعَفَتْهُ عَمَّا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا وَأَوْقَعَتْهُ فِي مَكْرُوهَاتٍ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ. وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا قَدْ اجْتَمَعُوا وَعَزَمُوا عَلَى التَّبَتُّلِ لِلْعِبَادَةِ: هَذَا يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَهَذَا يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ وَهَذَا يَجْتَنِبُ أَكْلَ اللَّحْمِ وَهَذَا يَجْتَنِبُ النِّسَاءَ. فَنَهَاهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ مَنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ وَعَنْ الِاعْتِدَاءِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الدِّينِ الْمَشْرُوعِ فِي الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالزِّيَادَةُ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى مَا حُرِّمَ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمُبَاحِ عَلَى مَا أُبِيحُ. ثُمَّ إنَّهُ أَمَرَهُمْ بَعْدَ هَذَا بِكَفَّارَةِ مَا عَقَدُوهُ مِنْ الْيَمِينِ عَلَى هَذَا التَّحْرِيمِ وَالْعُدْوَانِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ {أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ لَا أُفْطِرُ وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَقْوَمُ لَا أَنَامُ وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ: وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا

    vol. 26, p. 274فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ: كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَآكُلُ اللَّحْمَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي} . وَفِي الصِّحَاحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ {عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص أَنَّهُ كَانَ قَدْ جَعَلَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ} أَيْ غَارَتْ الْعَيْنُ؛ وَمَلَّتْ النَّفْسُ وَسَئِمَتْ. وَقَالَ لَهُ: " {إنَّ لِنَفْسِك عَلَيْك حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِك عَلَيْك حَقًّا فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ} . فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَيْك أُمُورًا وَاجِبَةً مِنْ حَقِّ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالزَّائِرِينَ فَلَيْسَ لَك أَنْ تَفْعَلَ مَا يَشْغَلُك عَنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بَلْ آتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. ثُمَّ {أَمَرَهُ. النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقَالَ: إنَّهُ يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ وَأَمَرَهُ. أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَقَالَ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ يُزَايِدُهُ حَتَّى قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. قَالَ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ

    vol. 26, p. 272