نهي عثمان عن التمتع وحكمه

2 paragraphs · vol. 27, p. 278

  1. تَحْصُلُ لَهُ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّةٍ أَفْضَلِ مِمَّنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ وَعُمْرَةُ تَمَتُّعٍ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ مَكِّيَّةٍ عَقِيبَ الْحَجِّ. فَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ عُمَرُ لِلنَّاسِ هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَلَا يُعْرَفُ فِي اخْتِيَارِ ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلَ الْأَرْجَحَ وَكَانَ إنْ لَمْ يُؤْمَرْ النَّاسُ بِهِ زَهِدُوا فِيهِ وَأَعْرَضُوا عَمَّا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ كَانَ مِنْ اجْتِهَادِ عُمَرُ وَنَظَرِهِ لِرَعِيَّتِهِ أَنَّهُ أَلْزَمَهُمْ بِذَلِكَ كَمَا يُلْزِمُ الْأَبُ الشَّفِيقُ وَلَدَهُ مَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَهَذَا كَانَ مَوْضِعَ اجْتِهَادٍ خَالَفَهُ فِيهِ عَلِيٌّ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ أَمْرًا بَلْ يُتْرَكُونَ مَنْ أَحَبَّ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمَنْ أَحَبَّ اعْتَمَرَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ.

    vol. 27, p. 278
  2. وَقَوِيَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ فِي " خِلَافَةِ عُثْمَانُ " حَتَّى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُثْمَانُ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ فَلَمَّا رَآهُ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا وَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ أَحَدٍ وَنَهْيُ عُثْمَانُ كَانَ لِاخْتِيَارِ الْأَفْضَلِ لَا نَهْيَ كَرَاهَةٍ. فَلَمَّا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ بِمَقْتَلِ عُثْمَانَ وَمَصِيرِ النَّاسِ

    vol. 27, p. 279شِيعَتَيْنِ: قَوْمًا يَمِيلُونَ إلَى عُثْمَانَ وَشِيعَتِهِ وَقَوْمًا يَمِيلُونَ إلَى عَلِيٍّ وَشِيعَتِهِ صَارَ قَوْمٌ مِنْ وُلَاةِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُتْعَةِ وَيُعَاقِبُونَ مَنْ يَتَمَتَّعُ وَلَا يُمَكِّنُونَ أَحَدًا مِنْ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانَ فِي ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا جَعَلُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْمُتْعَةِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُخْبِرُونَ النَّاسَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَرَ بِهَا أَصْحَابَهُ فِي " حَجَّةِ الْوَدَاعِ " فَصَارَ بَعْضُ النَّاسِ يُنَاظِرُهُمْ بِمَا تَوَهَّمَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَيَقُولُونَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إنَّ أَبَاك كَانَ يَنْهَى عَنْهَا فَيَقُولُ: إنَّ أَبِي لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ وَلَا كَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ عُمَرُ قَصَدَ أَمْرَ النَّاسِ بِالْأَفْضَلِ لَا تَحْرِيمَ الْمَفْضُولِ وَعُمَرَ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالِاعْتِمَارِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ اخْتَارَ لِلنَّاسِ أَنْ يُفْرِدُوا الْحَجَّ فِي أَشْهُرِهِ وَيَعْتَمِرُوا فِيهِ عُمْرَةً مَكِّيَّةً فَهَذَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَمْ يَخْتَرْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعًا وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ. وَقَدْ حَمَلَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ نَهْيَ عُمَرُ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُتْعَةِ الْفَسْخِ