اليمين في الدعوى
2 paragraphs · vol. 36, p. 391
- vol. 36, p. 391
لِلْأَنْصَارِ لَمَّا اشْتَكَوْا إلَيْهِ لِأَجْلِ قَتِيلِهِمْ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخُوهُ عَبْدُ الْرَّحْمَنِ وَأَبْنَاءُ عَمِّهِ حويصة وَمَحِيصَة وَكَانَ محيصة مَعَهُ بِخَيْبَرِ وَقَالَ: أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: فتبريكم يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا قَالُوا: وَكَيْفَ نَأْخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ } أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ جَمِيعُهُمْ مِثْلُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِي وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ: {يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَابْنُ عَبَّاسٍ الَّذِي يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ} وَأَنَّ هَذَا قَضَى بِهِ فِي دَعَاوَى وَقَضَى بِهَذَا فِي دَعَاوَى. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ {الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ} فَهَذَا قَدْ رُوِيَ أَيْضًا؛ لَكِنْ لَيْسَ إسْنَادُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ مِثْلَ غَيْرِهِ وَلَا رَوَاهُ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا قَالَ بِعُمُومِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمِلَّةِ؛ إلَّا طَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُمْ
vol. 36, p. 392يَرَوْنَ الْيَمِينَ دَائِمًا فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ حَتَّى فِي الْقَسَامَةِ يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَقْضُونَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَلَا يَردُونَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ النُّكُولِ وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَمَّا سَائِرُ عُلَمَاءِ الْمِلَّةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ: مِثْلَ ابْنِ جريح وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَغَيْرِهِمْ: فَتَارَةً يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعِي وَتَارَةً يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْأَصْلُ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ أَنَّ الْيَمِينَ مَشْرُوعَةٌ فِي أَقْوَى الْجَانِبَيْنِ. " وَالْبَيِّنَةُ " عِنْدَهُمْ اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ. وَبَيْنَهُمْ نِزَاعٌ فِي تَفَارِيعِ ذَلِكَ؛ فَتَارَةً يَكُونُ لَوْثًا مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ. وَتَارَةً يَكُونُ شَاهِدًا وَيَمِينًا. وَتَارَةً يَكُونُ دَلَائِلَ غَيْرِ الشُّهُودِ كَالصِّفَةِ لِلْقِطَّةِ. وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ: تَارَةً بِالتَّضْعِيفِ. وَتَارَةً بِأَنَّهُ عَامٌّ وَأَحَادِيثُهُمْ خَاصَّةٌ. وَتَارَةً بِأَنَّ أَحَادِيثَهُمْ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ وَأَشْهَرُ؛ فَالْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ طَلَبَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ مِنْ الْمُنْكِرِ فِي حُكُومَاتٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ دَعَاوَى التُّهَمِ؛
- vol. 36, p. 393
مِثْلَ مَا خَرَّجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ حُكُومَةٌ فِي بِئْرٍ؛ فَاخْتَصَمْنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ فَقُلْت: إذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي فَقَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْطَعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غضبان وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ بَيِّنَتُك أَنَّهَا بِئْرُك؛ وَإِلَّا فَيَمِينُهُ} وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حجر قَالَ: {جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي وَبِيَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَك بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَك يَمِينُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا الْيَمِينَ مَعَ ذِكْرِ الْمُدَّعِي لِفُجُورِهِ وَقَالَ " لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ " وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَانَ خَصْمُ الْأَشْعَثِ يَهُودِيًّا هَكَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمَعَ هَذَا لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينَ وَفِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ أَنَّ الْأَنْصَارَ لَمَّا قَالُوا: