فصل: في أن سماع المكاء والتصدية لم يفعله أحد من الصحابة والتابعين

3 paragraphs · vol. 12, p. 57

  1. وَقَدْ ثَبَتَ فِي فَضْلِ الْبَدْرِيِّينَ مَا تَمَيَّزُوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَضَّلَهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَالْعَشْرَةُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ إلَّا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أَقَامَ بِالصُّفَّةِ مَرَّةً وَأَمَّا أَكَابِرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِثْلُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَمِثْلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وأسيد بْنِ الحضير وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وأبي بْنِ كَعْبٍ وَنَحْوِهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا مِنْ " أَهْلِ الصُّفَّةِ " بَلْ عَامَّةُ أَهْلِ الصُّفَّةِ إنَّمَا كَانُوا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُنْذِرُ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ.

    vol. 12, p. 57
  2. فَصْلٌ:
  3. وَأَمَّا سَمَاعُ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ: وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ لِسَمَاعِ الْقَصَائِدِ الرَّبَّانِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ بِكَفِّ أَوْ بِقَضِيبِ أَوْ بِدُفِّ أَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ شَبَّابَةٌ فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ؛ بَلْ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ بَلْ الْقُرُونُ الْمُفَضَّلَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خَيْرُ الْقُرُونِ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ يَجْتَمِعُ عَلَى هَذَا السَّمَاعِ لَا فِي الْحِجَازِ وَلَا فِي الشَّامِ

    vol. 12, p. 58وَلَا فِي الْيَمَنِ وَلَا الْعِرَاقِ وَلَا مِصْرَ وَلَا خُرَاسَانَ وَلَا الْمَغْرِبِ. وَإِنَّمَا كَانَ السَّمَاعُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْقُرْآنِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ الصَّحَابَةُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَكَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اجْتَمَعُوا أَمَرُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ وَالْبَاقِي يَسْتَمِعُونَ وَقَدْ رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ وَفِيهِمْ قَارِئٌ يَقْرَأُ فَجَلَسَ مَعَهُمْ} وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِأَبِي مُوسَى: يَا أَبَا مُوسَى ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأُ وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ. وَكَانَ وَجْدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إرَادَةُ قُلُوبِهِمْ وَكُلُّ مَنْ نَقَلَ أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ حَادٍ يُنْشِدُ الْقَصَائِدَ الرَّبَّانِيَّةَ بِصَلَاحِ الْقُلُوبِ أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْشَدَ بَعْضَ الْقَصَائِدِ تَوَاجَدُوا عَلَى ذَلِكَ. أَوْ أَنَّهُمْ مَزَّقُوا ثِيَابَهُمْ أَوْ أَنَّ قَائِلًا أَنْشَدَهُمْ:

    قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى كَبِدِي … فَلَا طَبِيبَ لَهَا وَلَا رَاقِي

    إلَّا الطَّبِيبُ الَّذِي شُغِفْت بِهِ … فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وَتِرْيَاقِي

    أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ: {إنَّ الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ