زعمهم بأن لهم أحوالا يدخلون بها النار
4 paragraphs · vol. 12, p. 459
- vol. 12, p. 459
فَذَكَرْت لِلْأَمِيرِ هَذَا؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِي إنَّهُ لَمَّا انْقَضَى الْمَجْلِسُ وَانْكَشَفَ حَالُهُمْ لِلنَّاسِ كَتَبَ أَصْحَابُ قفجق إلَيْهِ كِتَابًا وَهُوَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِحُمَّاهُ يُخْبِرُهُ بِصُورَةِ مَا جَرَى. وَذَكَرْت لِلْأَمِيرِ أَنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ بِأَنْوَاعِ مِنْ الْبِدَعِ مِثْلِ الْأَغْلَالِ وَنَحْوِهَا وَأَنَّا نَهَيْنَاهُمْ عَنْ الْبِدَعِ الْخَارِجَةِ عَنْ الشَّرِيعَةِ فَذَكَرَ الْأَمِيرُ حَدِيثَ الْبِدْعَةِ وَسَأَلَنِي عَنْهُ فَذَكَرْت حَدِيثَ العرباض بْنِ سَارِيَةَ وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ ذَكَرْتهمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ الْعَامِّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. قُلْت لِلْأَمِيرِ: أَنَا مَا امْتَحَنْت هَؤُلَاءِ لَكِنْ هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ أَحْوَالًا يَدْخُلُونَ بِهَا النَّارَ وَأَنَّ أَهْلَ الشَّرِيعَةِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُونَ لَنَا هَذِهِ الْأَحْوَالُ الَّتِي يَعْجَزُ عَنْهَا أَهْلُ الشَّرْعِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْنَا بَلْ يُسَلَّمُ إلَيْنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ - سَوَاءٌ وَافَقَ الشَّرْعَ أَوْ خَالَفَهُ - وَأَنَا قَدْ اسْتَخَرْت اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ إنْ دَخَلُوا النَّارَ أَدْخُلُ أَنَا وَهُمْ وَمَنْ احْتَرَقَ مِنَّا وَمِنْهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَكَانَ مَغْلُوبًا وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نَغْسِلَ جُسُومَنَا بِالْخَلِّ وَالْمَاءِ الْحَارِّ. فَقَالَ الْأَمِيرُ وَلِمَ ذَاكَ؟ قُلْت: لِأَنَّهُمْ يَطْلُونَ جُسُومَهُمْ بِأَدْوِيَةِ يَصْنَعُونَهَا مِنْ دُهْنِ الضَّفَادِعِ وَبَاطِنِ قِشْرِ النَّارِنْجِ وَحَجَرِ الطَّلْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
vol. 12, p. 460مِنْ الْحِيَلِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ وَأَنَا لَا أَطْلِي جِلْدِي بِشَيْءِ فَإِذَا اغْتَسَلْت أَنَا وَهُمْ بِالْخَلِّ وَالْمَاءِ الْحَارِّ بَطَلَتْ الْحِيلَةُ وَظَهَرَ الْحَقُّ فَاسْتَعْظَمَ الْأَمِيرُ هُجُومِي عَلَى النَّارِ وَقَالَ: أَتَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقُلْت لَهُ: نَعَمْ قَدْ اسْتَخَرْت اللَّهَ فِي ذَلِكَ وَأَلْقَى فِي قَلْبِي أَنْ أَفْعَلَهُ وَنَحْنُ لَا نَرَى هَذَا وَأَمْثَالَهُ ابْتِدَاءً؛ فَإِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ إنَّمَا تَكُونُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا لِحُجَّةِ أَوْ حَاجَةٍ فَالْحُجَّةُ لِإِقَامَةِ دِينِ اللَّهِ وَالْحَاجَةُ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ النَّصْرِ وَالرِّزْقِ الَّذِي بِهِ يَقُومُ دِينُ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ إذَا أَظْهَرُوا مَا يُسَمُّونَهُ إشَارَاتِهِمْ وَبَرَاهِينَهُمْ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُبْطِلُ دِينَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْصُرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقُومَ فِي نَصْرِ دِينِ اللَّهِ وَشَرِيعَتِهِ بِمَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَرْوَاحِنَا وَجُسُومِنَا وَأَمْوَالِنَا فَلَنَا حِينَئِذٍ أَنْ نُعَارِضَ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ هَذِهِ المخاريق بِمَا يُؤَيِّدُنَا اللَّهُ بِهِ مِنْ الْآيَاتِ. وَلِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا مِثْلُ مُعَارَضَةِ مُوسَى لِلسَّحَرَةِ لَمَّا أَظْهَرُوا سِحْرَهُمْ أَيَّدَ اللَّهُ مُوسَى بِالْعَصَا الَّتِي ابْتَلَعَتْ سِحْرَهُمْ. فَجَعَلَ الْأَمِيرُ يُخَاطِبُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ عَلَى السِّمَاطِ بِذَلِكَ وَفَرِحَ بِذَلِكَ وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَوْهَمُوهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ حَالٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَدِّهِ وَسَمِعْته يُخَاطِبُ الْأَمِيرَ الْكَبِيرَ الَّذِي قَدِمَ مِنْ مِصْرَ الْحَاجَّ بِهَادِرِ وَأَنَا جَالِسٌ بَيْنَهَا عَلَى رَأْسِ السِّمَاطِ بِالتُّرْكِيِّ مَا فَهِمْته مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْيَوْمَ تَرَى حَرْبًا عَظِيمًا وَلَعَلَّ ذَاكَ كَانَ
vol. 12, p. 461جَوَابًا لِمَنْ كَانَ خَاطَبَهُ فِيهِمْ عَلَى مَا قِيلَ. وَحَضَرَ شُيُوخُهُمْ الْأَكَابِرُ فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَ مِنْ الْأَمِيرِ الْإِصْلَاحَ وَإِطْفَاءَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَيَتَرَفَّقُونَ فَقَالَ الْأَمِيرُ إنَّمَا يَكُونُ الصُّلْحُ بَعْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ وَقُمْنَا إلَى مَقْعَدِ الْأَمِيرِ بِزَاوِيَةِ الْقَصْرِ أَنَا وَهُوَ وَبِهَا دُرٌّ فَسَمِعْته يَذْكُرُ لَهُ أَيُّوبٌ الْحَمَّالُ بِمِصْرِ وَالْمُوَلَّهِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ لَهُمْ صُورَةٌ مُعَظَّمَةٌ وَأَنَّ لَهُمْ فِيهِمْ ظَنًّا حَسَنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ؛ فَإِنَّهُ ذُكِرَ لِي ذَلِكَ. وَكَانَ الْأَمِيرُ أَحَبَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا دُرَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَإِنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَأَقْدَمِهِمْ وَأَعْظَمِهِمْ حُرْمَةً عِنْدِهِ وَقَدْ قَدِمَ الْآنَ وَهُوَ يُحِبُّ تَأْلِيفَهُ وَإِكْرَامَهُ فَأَمَرَ بِبِسَاطِ يُبْسَطُ فِي الْمَيْدَانِ. وَقَدْ قَدِمَ البطائحية وَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ وَقَدْ أَظْهَرُوا أَحْوَالَهُمْ الشَّيْطَانِيَّةَ مِنْ الْإِزْبَادِ وَالْإِرْغَاءِ وَحَرَكَةِ الرُّءُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالطَّفْرِ وَالْحَبْوِ وَالتَّقَلُّبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْوَاتِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا أَمَرَ بِهِ لُقْمَانُ لِابْنِهِ فِي قَوْلِهِ {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} . فَلَمَّا جَلَسْنَا وَقَدْ حَضَرَ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَحَضَرَ شَيْخُهُمْ الْأَوَّلُ الْمُشْتَكِي وَشَيْخٌ آخَرُ
- vol. 12, p. 462
يُسَمِّي نَفْسَهُ خَلِيفَةَ سَيِّدِهِ أَحْمَد وَيَرْكَبُ بِعَلَمَيْنِ وَهُمْ يُسَمُّونَهُ: عَبْدَ اللَّهِ الْكَذَّابَ وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ذَلِكَ. وَكَانَ مِنْ مُدَّةٍ قَدْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْهُمْ شَيْخٌ بِصُورَةِ لَطِيفَةٍ وَأَظْهَرَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَأَعْطَيْته طُلْبَتَهُ وَلَمْ أَتَفَطَّنْ لِكَذِبِهِ حَتَّى فَارَقَنِي فَبَقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ هَذَا خَفِيَ عَلَيَّ تَلْبِيسُهُ إلَى أَنْ غَابَ وَمَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيَّ تَلْبِيسُ أَحَدٍ بَلْ أُدْرِكُهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَبَقِيَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي وَلَمْ أَرَهُ قَطُّ إلَى حِينِ نَاظَرْته ذَكَرَ لِي أَنَّهُ ذَاكَ الَّذِي كَانَ اجْتَمَعَ بِي قَدِيمًا فَتَعَجَّبْت مِنْ حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ أَنَّهُ هَتَكَهُ فِي أَعْظَمِ مَشْهَدٍ يَكُونُ حَيْثُ كَتَمَ تَلْبِيسَهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. فَلَمَّا حَضَرُوا تَكَلَّمَ مِنْهُمْ شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ حَاتِمٌ بِكَلَامِ مَضْمُونُهُ طَلَبُ الصُّلْحِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْمَاضِي وَالتَّوْبَةُ وَإِنَّا مُجِيبُونَ إلَى مَا طَلَبَ مِنْ تَرْكِ هَذِهِ الْأَغْلَالِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِدَعِ وَمُتَّبِعُونَ لِلشَّرِيعَةِ. (فَقُلْت أَمَّا التَّوْبَةُ فَمَقْبُولَةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} هَذِهِ إلَى جَنْبِ هَذِهِ. وَقَالَ تَعَالَى {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} . فَأَخَذَ شَيْخُهُمْ الْمُشْتَكِي يَنْتَصِرُ لِلُبْسِهِمْ الْأَطْوَاقَ وَذَكَرَ أَنَّ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ رَوَى أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ عَابِدٌ وَأَنَّهُ جَعَلَ فِي عُنُقِهِ طَوْقًا فِي حِكَايَةٍ مِنْ حِكَايَاتِ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا تَثْبُتُ.
vol. 12, p. 463فَقُلْت لَهُمْ: لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَبَّدَ فِي دِينِنَا بِشَيْءِ مِنْ الإسرائيليات الْمُخَالِفَةِ لِشَرْعِنَا قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ {عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَرَقَةً مِنْ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ} وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ كَفَى بِقَوْمِ ضَلَالَةٌ أَنْ يَتَّبِعُوا كِتَابًا غَيْرَ كِتَابِهِمْ أُنْزِلَ إلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ} وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} فَنَحْنُ لَا يَجُوزُ لَنَا اتِّبَاعُ مُوسَى وَلَا عِيسَى فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إذَا خَالَفَ شَرْعَنَا وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَنَتَّبِعَ الشِّرْعَةَ وَالْمِنْهَاجَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ إلَيْنَا رَسُولَنَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} . فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَّبِعَ عُبَّادَ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي حِكَايَةٍ لَا تُعْلَمُ صِحَّتُهَا وَمَا عَلَيْنَا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إسْرَائِيلَ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هَاتِ مَا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَذَكَرْت هَذَا وَشَبَهَهُ بِكَيْفِيَّةٍ قَوِيَّةٍ.
vol. 12, p. 464فَقَالَ هَذَا الشَّيْخُ مِنْهُمْ يُخَاطِبُ الْأَمِيرَ: نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ تَجْمَعَ لَنَا الْقُضَاةَ الْأَرْبَعَةَ وَالْفُقَهَاءَ وَنَحْنُ قَوْمٌ شَافِعِيَّةٌ.
-
فَقُلْت لَهُ هَذَا غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَلَا مَشْرُوعٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ كُلُّهُمْ يَنْهَى عَنْ التَّعَبُّدِ بِهِ وَيَعُدُّهُ بِدْعَةً وَهَذَا الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الزملكاني مُفْتِي الشَّافِعِيَّةِ وَدَعَوْته وَقُلْت: يَا كَمَالَ الدِّينِ مَا تَقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالَ هَذَا بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ بَلْ مَكْرُوهَةٌ أَوْ كَمَا قَالَ. وَكَانَ مَعَ بَعْضِ الْجَمَاعَةِ فَتْوَى فِيهَا خُطُوطُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ.
-
وَقُلْت لَيْسَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُرُوجُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشُكُّ هَلْ تَكَلَّمْت هُنَا فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ؛ فَإِنِّي تَكَلَّمْت بِكَلَامِ بَعْدَ عَهْدِي بِهِ. فَانْتَدَبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ " عَبْدَ اللَّهِ " وَرَفَعَ صَوْتَهُ. وَقَالَ: نَحْنُ لَنَا أَحْوَالٌ وَأُمُورٌ بَاطِنَةٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ كَلَامًا لَمْ أَضْبِطْ لَفْظَهُ: مِثْلَ الْمَجَالِسِ وَالْمَدَارِسِ وَالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ؛ وَمَضْمُونُهُ أَنَّ لَنَا الْبَاطِنَ وَلِغَيْرِنَا الظَّاهِرَ وَأَنَّ لَنَا أَمْرًا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَلَا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا (فَقُلْت لَهُ - وَرَفَعْت صَوْتِي
vol. 12, p. 465وَغَضِبْت: الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ وَالْمَجَالِسُ وَالْمَدَارِسُ وَالشَّرِيعَةُ وَالْحَقَائِقُ كُلُّ هَذَا مَرْدُودٌ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْفُقَرَاءِ وَلَا مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَلَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ؛ بَلْ جَمِيعُ الْخَلْقِ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرْت هَذَا وَنَحْوَهُ. فَقَالَ - وَرَفَعَ صَوْتَهُ -: نَحْنُ لَنَا الْأَحْوَالُ وَكَذَا وَكَذَا. وَادَّعَى الْأَحْوَالَ الْخَارِقَةَ كَالنَّارِ وَغَيْرِهَا وَاخْتِصَاصَهُمْ بِهَا وَأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ تَسْلِيمَ الْحَالِ إلَيْهِمْ لِأَجْلِهَا. فَقُلْت - وَرَفَعْت صَوْتِي وَغَضِبْت - أَنَا أُخَاطِبُ كُلَّ أَحْمَدِيٍّ مِنْ مَشْرِقِ الْأَرْضِ إلَى مَغْرِبِهَا أَيُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي النَّارِ فَأَنَا أَصْنَعُ مِثْلَ مَا تَصْنَعُونَ وَمَنْ احْتَرَقَ فَهُوَ مَغْلُوبٌ؛ وَرُبَّمَا قُلْت فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ نَغْسِلَ جُسُومَنَا بِالْخَلِّ وَالْمَاءِ الْحَارِّ؛ فَسَأَلَنِي الْأُمَرَاءُ وَالنَّاسُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْت: لِأَنَّ لَهُمْ حِيَلًا فِي الِاتِّصَالِ بِالنَّارِ يَصْنَعُونَهَا مِنْ أَشْيَاءَ: مِنْ دُهْنِ الضَّفَادِعِ. وَقِشْرِ النَّارِنْجِ. وَحَجَرِ الطَّلَقِ. فَضَجَّ النَّاسُ بِذَلِكَ فَأَخَذَ يُظْهِرُ الْقُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: أَنَا وَأَنْتَ نُلَفُّ فِي بَارِيَةٍ بَعْدَ أَنْ تُطْلَى جُسُومُنَا بِالْكِبْرِيتِ. (فَقُلْت فَقُمْ؛