رأي السلف في الكلام
2 paragraphs · vol. 13, p. 372
- vol. 13, p. 372
مِمَّنْ يُوَافِقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ: قَالُوا هُوَ قَدِيمٌ فَوَافَقُوا عَلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ وَلَمْ يَتَصَوَّرُوا مَا يَقُولُونَهُ. كَمَا أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْذُوبٍ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَتَنَازَعْ فِيهِ النَّاسُ كَمَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّهُ قَدِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى غَيْرِهِ. وَ " الْقَوْلُ الثَّانِي " قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنَّظَرِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَكِنْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْأَزَلِ بِمَشِيئَتِهِ كَمَا لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَفْعَلَ فِي الْأَزَلِ شَيْئًا فَالْتَزَمُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا كَمَا أَنَّهُ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ قَدِيمَ النَّوْعِ - بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَنْ لَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلَامُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا مِنْهُ أَوْ قَدِّرْ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَكَيْفَ إذَا
vol. 13, p. 373كَانَ مُمْتَنِعًا؟ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَصِيرَ الرَّبُّ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنْ يَكُونَ التَّكَلُّمُ وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ غَيْرَ مُمْكِنٍ؟ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
-
وَكَانَتْ " اللَّفْظِيَّةُ الخلقية " مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: نَقُولُ: إنَّ أَلْفَاظَنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ وَإِنَّ التِّلَاوَةَ غَيْرُ الْمَتْلُوِّ. وَالْقِرَاءَةُ غَيْرُ الْمَقْرُوءِ. وَ " اللَّفْظِيَّةُ الْمُثْبِتَةُ " يَقُولُونَ: نَقُولُ: إنَّ أَلْفَاظَنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَالتِّلَاوَةُ هِيَ الْمَتْلُوُّ وَالْقِرَاءَةُ هِيَ الْمَقْرُوءُ. وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَأَعْيَانِ أَصْحَابِهِ وَسَائِر أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فَلَا يَقُولُونَ مَخْلُوقَةً وَلَا غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ وَلَا يَقُولُونَ التِّلَاوَةُ هِيَ الْمَتْلُوُّ مُطْلَقًا وَلَا غَيْرُ الْمَتْلُوِّ مُطْلَقًا كَمَا لَا يَقُولُونَ: الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَلَا غَيْرُ الْمُسَمَّى. وَذَلِكَ أَنَّ " التِّلَاوَةَ وَالْقِرَاءَةَ " كَاللَّفْظِ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ تَلَا يَتْلُو تِلَاوَةً وَقَرَأَ يَقْرَأُ قِرَاءَةً وَلَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا وَمُسَمَّى الْمَصْدَرِ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَحَرَكَاتُهُ وَهَذَا الْمُرَادُ بِاسْمِ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَاللَّفْظِ مَخْلُوقٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْقَوْلُ الْمَسْمُوعُ: الَّذِي هُوَ الْمَتْلُوُّ. وَقَدْ يُرَادُ بِاللَّفْظِ الْمَلْفُوظُ وَبِالتِّلَاوَةِ الْمَتْلُوُّ وَبِالْقِرَاءَةِ الْمَقْرُوءُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَسْمُوعُ وَذَلِكَ هُوَ الْمَتْلُوُّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ: الَّذِي يَتْلُوهُ الْعَبْدُ وَيَلْفِظُ
vol. 13, p. 374بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَدْ يُرَادُ بِذَلِكَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْخَلْقِ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَا نَفْيُ الْخَلْقِ عَنْ الْجَمِيعِ. وَصَارَ " ابْنُ كُلَّابٍ " يُرِيدُ بِالتِّلَاوَةِ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ وَبِالْمَتْلُوِّ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَهَؤُلَاءِ إذَا قَالُوا: التِّلَاوَةُ غَيْرُ الْمَتْلُوِّ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ: كَأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مَخْلُوقٌ. وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَيَظُنُّ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْبُخَارِيَّ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ قَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَمِنْ الْآخَرِينَ مَنْ يَقُولُ: " التِّلَاوَةُ " هِيَ الْمَتْلُوُّ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ مَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ هُوَ الْأَصْوَاتُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْقُرَّاءِ حَتَّى يَجْعَلَ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْعَبْدِ هُوَ صَوْتَ الرَّبِّ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: نَفْسُ صَوْتِ الْمَخْلُوقِ وَصِفَتُهُ هِيَ عَيْنُ صِفَةِ الْخَالِقِ وَهَؤُلَاءِ " اتِّحَادِيَّةٌ حُلُولِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ " يُشْبِهُونَ النَّصَارَى مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. وَيَظُنُّ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ يُنْكِرُ عَلَى " اللَّفْظِيَّةِ " وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: أَلْفَاظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ وَلَا غَيْرُ
vol. 13, p. 375مَخْلُوقَةٍ. وَلَا أَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ الْمَتْلُوُّ مُطْلَقًا وَلَا غَيْرُ الْمَتْلُوِّ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ اسْمَ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ قَدْ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا؛ وَلِهَذَا يُجْعَلُ الْكَلَامُ قَسِيمًا لِلْعَمَلِ لَيْسَ قِسْمًا مِنْهُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} . وَقَدْ يُجْعَلُ قِسْمًا مِنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَقَالَ رَجُلٌ لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ} وَلِهَذَا تَنَازَعَ أَصْحَابُ أَحْمَد فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَعْمَلُ الْيَوْمَ عَمَلًا هَلْ يَحْنَثُ بِالْكَلَامِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ. وَلَمْ تَكُنْ " اللَّفْظِيَّةُ الخلقية " يُنْكِرُونَ كَوْنَ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ حُرُوفَهُ وَمَعَانِيَهُ وَأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ؛ بَلْ قَدْ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ؛ وَلَكِنْ يَقُولُونَ الْمُنَزَّلُ إلَى الْأَرْضِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي لَيْسَ هُوَ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقِ؛ بَلْ رُبَّمَا سَمَّوْهَا حِكَايَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ كُلَّابٍ أَوْ عِبَارَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ وَرُبَّمَا سَمَّوْهَا كَلَامَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ عِنْدِهِمْ.