تعريف الترجيح وأقوال العلماء فيه
157 paragraphs · vol. 2, p. 175
Page 1 of 4
- vol. 2, p. 175
...
-
الكتاب الخامس: كتاب الترجيح.
-
١١٦٧- الترجيح تغليب بعض الأمارات على بعض في سبيل الظن ولا ينكر القول به على الجملة مذكور وقبله منكرو القياس واستعملوه في الظواهر والأخبار وحكى القاضي عن [الملقب بالبصري وهو جعل] ١ أنه أنكر القول بالترجيح٢ ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها وسأذكر شيئا ينبه على إمكان ذلك في النقل.
-
١١٦٨- والدليل القاطع في الترجيح إطباق الأولين ومن تبعهم على ترجيح مسلك في الاجتهاد على مسلك هذا ما درج عليه الأولون قبل اختلاف الآراء وكانوا رضي الله عنهم إذا جلسوا يشتورون تعلق معظم كلامهم في وجوه الرأي بالترجيح وما كانوا يشتغلون بالاعتراضات والقوادح [وتوجيه النقوض] .
-
وهذا أثبت بتواتر النقل في الأخبار والظواهر وجميع مسالك الأحكام فوضح أن الترجيح مفطوع به٣.
-
١١٦٩- واستدل القاضي رحمه الله لمن حكى الخلاف عنه في نفي الترجيح بالبينات في الحكومات فإنه لا يترجح بينة على بينة بعد استقلال كل واحدة لو انفردت.
-
وهذا مردود فإن العلماء من يرى ترجيح البينة على البينة وهو مالك رضي الله عنه وطوائف من علماء السلف وليس من الإنصاف إلزام مجتهد فيه على القول في مسألة مسلكها القطع.
- vol. 2, p. 176
ثم إن ظن ظان أن لا ترجيح في البينة ورآها مستندة إلى توقيفات تعبدية فهذا لا يعارض ما ثبت قطعا تواترا في الترجيح والعمل به وليس متعلق مثبتي الترجيح تجويزا ظنيا فينتقض بشيء أو يقاس على شيء.
-
١١٧٠- فإذا ثبت أصل الترجيح فلا سبيل إلى استعماله في مسالك القطع.
-
فإذا أجرى المتكلم في مسلك قطعي صيغة ترجيح أشعرت بذهوله أو غباوته وما يفضى إلى القطع لا ترجيح فيه فإنه ليس بعد العلم بيان ولا ترجيح وإنما الترجيحات تغليبات لطرق الظنون ولا معنى لجريانها في القطعيات فإن المرجح أغلب في الترجيح وهو مظنون [والمظنون] غير جار في مسلك القطع فكيف يجرى في القطعيات ترجيح ما لا يجرى أصله فيها؟
- مسألة:
-
١١٧١- أطلق الأئمة القول بأن المعقولات لا ترجيح فيها وهذا سديد لا ننكره ولكنا أوضحنا في الديانات أن العوام لا يكلفون بلوغ الغايات ودرك حقائق العلوم في المعتقدات وإنما يكلفون تحصيل عقد متعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم ثم عقدهم لا يحصل في مطرد العادة هجوما وافتتاحا من غير استناد إلى مسلك من مسالك النظر وإن كان غير تام وإذا كان كذلك فالترجيحات عندهم في قواعد العقائد قد تجرى فإن عقودهم ليست علوما ومأخذها كمأخذ الظنون في حق من يعلم أنه ظان وهذا الذي ذكرناه لا يناقض ما ذكره الأئمة فإنهم زعموا أن الترجيحات لا وقع لها في مدارك العلوم وما ذكروه حق لا نزاع فيه وإنما يكتفى من العوام بعقود سليمة ليست علوما فتجرى عقائدهم مجرى الظنون في المظنونات.
- مسألة:
-
١١٧٢- قال الأئمة رضي الله عنهم: الترجيحات لا تستعمل في المذاهب من غير نصب أمارات فإن كل ذي مذهب مدع قبل أن يدل والدعاوى لا تقبل الترجيح إذ الترجيح في نفسه لا يستقل دليلا والمذهب لو كفى ترجيحه لكان الترجيح مستقلا لإثبات المذهب وما كان كذلك كان دليلا مستقلا بنفسه.
-
وهذا يتطرق إليه استثناء عندنا على تفصيل نشير إليه الآن ثم نقرره في كتاب الفتاوى إن شاء الله تعالى.
- vol. 2, p. 177
فليعلم الناظر أن المستفتى لا يتخير في تقليد من شاء من المفتين ولكن عليه ضرب من النظر في تخير واحد منهم لمزية يتخيلها أو يظنها لمن يختاره وسيأتي ذلك مشروحا في موضعه إن شاء الله تعالى.
-
وإن كان كذلك فمتعلق المستفتى ترجيح مجرد وقد ينقدح أن يقال: ما يغلب على ظنه تخصيص واحد من العلماء فهو دليل مثله فالقول في هذا يئول إلى عبارة ونحن الآن نرسم ما يترجح به مذهب الإمام المطلبي الشافعي رضي الله عنه.
- مسألة:
-
١١٧٣- أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل وتعرضوا للكلام على مذاهب الأولين.
-
والسبب فيه أن الذين درجوا وإن كانوا قدوة في الدين وأسوة للمسلمين فإنهم لم يفتنوا بتهذيب مسالك الاجتهاد وإيضاح طرق النظر والجدال وضبط المقال ومن خلفهم من أئمة الفقه كفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة فكان العامي مأمورا باتباع مذاهب السابرين.
-
١١٧٤- ثم نحن نوضح وراء ذلك ما يتعلق به منتحل المذهب على الجملة في اختيار مذهب الشافعي ومجامع الكلام في ذلك يحصرها طرق.
-
أحدها: أن السابق وإن كان له حق الوضع والتأسيس والتأصيل فللمتأخر الناقد حق التتميم والتكميل وكل موضوع على الافتتاح قد يتطرق إلى مبادئه بعض التثبيج ثم يتدرج المتأخر إلى التهذيب والتكميل فيكون المتأخر أحق أن يتبع لجمعه المذاهب إلى ما حصل السابق تأصيله وهذا واضح في الحرف والصناعات فضلا عن العلوم ومسالك الظنون وهذه الطريقة يقبلها كل منصف وليس فيها تعرض لنقض مرتبة إمام.
-
١١٧٥- فإذا حصلنا المقصود مع الاعتراف للمتقدمين بفضل السبق فالذي يتم به الغرض أن الصديق أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبي عليه السلام ثم اشتغال من بعده بالسبر أوجب على العوام ألا يبتدروا مذهب الصديق رضي الله عنه مع علو منصبه وارتفاع قدره.
- vol. 2, p. 178
فإن قيل: يلزمكم على هذا أن توجبوا الاقتداء بمن بعد الشافعي من الأئمة على ما ذكرتموه.
-
قلنا: إن ثبت لأحد بعده من الأئمة من المزية والفضل وتهذيب ما لم ينتظم وكشف ما لم يتبين فلا يناقض مسلك الطريقة ولكنا لسنا نرى أحدا بلغ هذا المحل وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى.
- ١١٧٦- طريقة أخرى:
-
وهي أن نقول: المذاهب [تمتحن] بأصولها فإن الفروع تستد باستدادها وتعوج باعوجاجها وهذا النوع [من النظر] هو الذي يليق بالمستفتين ومنتحلي المذاهب وسبيل محنة الأصول معرفتها أفرادا في قواعد ثم معرفة ترتيبها وتنزيل كل أصل منها منزلته.
-
فإذا تبين ذلك فأصول الشريعة الكتاب والسنة والإجماع ثم الأقيسة الظنية علامات انتصبت على الأحكام [أعلاما] بأصل من الأصول الثلاثة مقطوع به كما سبق شرح ذلك.
-
ثم لها مراتب ودرجات ومناصب فإذا نظر الناظر إلى منصب الشافعي عرف أنه أعرف الأئمة بكتاب الله تعالى فإنه عربي مبين والشافعي تفقأت عنه بيضة قريش.
-
ولا يخفى تميزه عن غيره فيما نحاوله ثم يتعلق معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول بمعرفة الروايات ومقامه لا يخفى في الأخبار ومعرفة الرجال وفقه الحديث والإجماع يتلقى من معرفة الآثار وما يصح نقله من الوفاق والخلاف وهذا بيان الأصول.
-
١١٧٧- وأما تنزيلها منازلها [فإنه شوف] الشافعي فإنه قدم كتاب الله تعالى ثم أتبعه بسنة رسوله عليه السلام ثم إذا لم يجدها تأسى بالصحابة رضي الله عنهم في التعلق بالرأي الناشئ من قواعد الشريعة المنضبطة أصولها ولم ير التعلق بكل استصواب لما فيه من الانحلال والانسلال عن ضبط الشريعة ثم رأى قواعد الشريعة منقسمة إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فاستحث على الاتباع فيما لا يعقل معناه وقد يقيس إذا لاحت الأشباه وأما ما يعقل معناه فمغزاه فيه المعنى [المخيل]
- vol. 2, p. 179
المناسب وهو في ذلك يلتفت إلى قواعد الشرع ويدور عليها.
-
١١٧٨- ومن بديع نظره أنه قد يعن له معنى مخيل ولكن يراه منقوضا [بما لا يعلل] فيلحقه بما لا يعلل وهذا مسلكه في منع القيم في الزكوات فإن غرض الزكاة سد الخلة والحاجة وهو وإن كان معقولا فلا جريان له فرأى الأتباع فيه معنى السد مع الخلاص [من] غرر المخالفة ثم جعل كون الزكاة عبادة عضدا لذلك كالمرجح به ولا حاجة إلى ذكر [مذهب] غيره فإن في هذا تنبيها على مقتضاه.
-
١١٧٩- طريقة أخرى: وهي تشتمل على نظر كلي إلى الفروع وهذا يتأتى بضبط ورد نظر إلى الكليات فالشريعة متضمنها مأمور به ومنهي عنه ومباح.
-
فأما المأمور به: فمعظمه العبادات فلينظر الناظر فيها وأما المنهيات فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر ولا يكاد يخفى احتياط كثير من الناس فيها وبالجملة الدم معصوم بالقصاص ومسألة المثقل يهدم حكمة الشرع فيه والفروج معصومة بالحدود ولا يخفى ما فيها من الاضطراب والأموال معصومة عن السراق بالقطع وقد أثبت من [نعنيه] ذرائع إلى إسقاطه سهلة المدارك وأعيان الأموال مستردة من الغصاب.
-
وقد بان للفقيه مسالك الناس الذين خالفوا مذهب الشافعي١ فمن نظر إلى الأصول ثم نظر نظرا كليا إلى الفروع لم يخف عليه من يكون أولى بالاتباع وإن قصر [نظر] بعض المستفتين عن فهم ما ذكرناه فلا عليه لو [احتذى] بقول النبي عليه السلام: "الأئمة من قريش" ٢ ولم أجد أحدا من أصحاب المذاهب معتزيا إلى طينة قريش بالمسلك الواضح إلا الشافعي ولا خلاف في اختصاصه بذاك وأبو حنيفة من الموالى ومالك كذلك [على ما حكى بعض الناس] فهذه مرامز كافية فيما نحاوله وإذا أردنا أن نعبر عن الأئمة الثلاثة الناخلين المرموقين الذين طبقت مذاهبهم طبق الأرض مالك والشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهم قلنا:
١١٨٠ - أما أبو حنيفة فلا ننكر [اتقاد] فطنته وجودة قريحته في درك عرف المعاملات ومراتب الحكومات فهو في هذا الفن واستمكانه من وضع المسائل بحسنه
vol. 2, p. 180على النهاية ولكنه غير خبير بأصول الشريعة وهي في حقه منقسمة إلى أصل جهله [أو] أغفله وذهل عنه وإلى آخر تمسك به وما رعاه وما [عقله] وانتهض لتبويب الأبواب انتهاض من لم يستمد من القواعد ومن عجيب أمره أنه لم يعتن بجمع الأخبار والآثار ليبني عليها مسائله ولكنه يوصل الفروع بناء على ما يراه ثم يستأنس بما يبلغه وفاقا.
-
١١٨١- وأما الإمام مالك فلا يشق غباره في ضبط ما يصح من الأخبار والآثار والأقضية ووقائع الصحابة ولا يدرك آثاره في درك سبل الصحابة والطرق التي منها يتطرق الخلل وإمكان الزلل إلى النقلة فقد كان يقول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت بعدد أساطين هذا المسجد من يقول: حدثني أبي فلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أستجز أن أروى عنهم حديثا.
-
فقيل له أكنت لا تثق بهم فقال كنت [لا] أتهم صدقهم ولو نشروا بالمناشير ما كذبوا على رسول الله عليه السلام ولكن لم يكونوا من أهل [هذا] الشأن.
-
ولكنه ينحل بعض الانحلال في الأمور الكلية حتى يكاد أن يثبت في الإيالات والسياسات أمورا لا تناظر قواعد الشريعة وكان يأخذها من وقائع وأقضية لها محامل على موافقة الأصول بضرب من التأويل فكان يتمسك بها ويتخذها أصولا ويبنى عليها أمورا عظيمة.
-
كما روى أن عمر رضي الله عنه قال للمغيرة: وكان قد أخذ قذاة من لحيته فظن عمر [به] استهانة فقال: أبن ما أبنت وإلا أبنت يدك.