تعريف الترجيح وأقوال العلماء فيه

157 paragraphs · vol. 2, p. 175

Page 2 of 4

  1. ونقل عنه مشاطرة خالد وعمرو بن العاص١ على أموالهما فاتخذ ذلك أصلا فرأى إراقة الدم وأخذ أموال بتهم من غير استحقاق لمصالح إيالية حتى انتهى إلى أن قال: أقتل ثلث الخلق في استبقاء ثلثيهم.

    vol. 2, p. 180
  2. وكان من الممكن أن يحمل قول عمر رضي الله عنه٢ على التغليظ بالقول

    vol. 2, p. 181وكانوا يعتادون ذلك وكذلك من بعدهم.

  3. وأخذه الأموال محمول على علمه بانبساط خالد وعمرو فيما لا يستحقان من مال الخمس وأموال المسلمين ولا يبلغ من حزم عمر درك مبلغ ذلك فإذا أمكن هذا فلا وجه لإطلاق أيدي الولاة في الدماء والأموال.

  4. ١١٨٢- وأما الشافعي١ فإنه أعرف خلق الله بأصول الشريعة وأضبطهم لها وأشدهم كيسا [واتقادا] في مآخذها وتنزيلها منازلها [وترتيبها على مراتبها ويشهد ذلك بالثقة فيها سابقا إليه] ولكن لم تتنفس مدته ولم تتسع مهلته فلم يتشوف إلى وضع مسائل بديعة وكان متصديا للإجابة عن كل ما يسأل عنه واخترم وقد نيف على الخمسين وكان ذلك الأمد لا يتسع لأكثر من ضبط الأصول فيها فهان على أصحابه البناء عليها.

  5. ١١٨٣- وهذا بيان منازلهم وسنذكر في كتاب الفتوى أنه يتعين على المستفتى نظر كلي في [تخير] قدوته وسنصف ذلك النظر وحده.

  6. ثم نقول: ليس على المستفتى تعلق بمبادئ النظر في كل مسألة يأخذ فيها جواب قدوته وهذا متفق عليه في المظنونات.

  7. ١١٨٤- ونقل عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال: إذا اشتملت المسألة على مدرك قطعي وجب على العامي الاحتواء عليه فإن كانت المسألة عملية فتلتحق بالعقائد التي لا يسوغ العقل التقليد فيها.

  8. ١١٨٥- وهذا عندنا سرف ومجاوزة حد فإنا لا نرى أولا في العقائد ما يراه وقد ظهر اختيارنا فيما عليهم من عقائدهم وأما إلحاق قطعيات الشرع بالعقائد فعظيم فإن الشريعة تحتوي على مائة ألف مسألة وأكثر مستندها القطع وتكليف العامي الإحاطة بها في معاملاته التي يمارسها ظاهر الفساد وهو اقتحام خرق الإجماع.

  9. مسألة:
  10. ١١٨٦- ذهب معظم الأصوليين إلى أن المجتهد لا يجوز له الاقتصار على ترجيح مذهب على مذهب من غير تمسك بما يستقل دليلا.

  11. وحكى صاحب المغنى وهو عبد الجبار في كتابه المترجم بالعمد عن بعض أصحابه جواز الاكتفاء بالترجيح وسقوط هذا المذهب واضح فإن الترجيح الحقيقي ينشأ من منتهى الدليل فإذا لم يكن دليل لم يثبت الترجيح تصورا وإن فرض تمسك بمبادئ نظر وسمى ذلك ترجيحا فهو نظر فاسد لقصوره ولا ترجيح بالفاسد والنظر يفسد بقصوره تارة وبحيد عن المدرك المطلوب أخرى.

    vol. 2, p. 182
  12. ١١٨٧- فإن قيل: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفاوضهم يكتفون بمسالك الترجيحات وما كانوا يمهدون أدلة مستقلة ثم يبنون عليها ترجيحات وهم الأسوة.

  13. قلنا: هذه دعوى عرية لا أصل لها فإنهم كانوا يبنون أحكاما على معان سديدة وعلى تقريبات شبهية وهذا مدرك الشرع وكانوا لا يعتنون برد المعاني إلى الأصول لا عن جهل بها ولكنهم علموا أن معتمد الأحكام المعاني.

  14. فأما الاقتصار على الترجيحات فادعاؤه عليهم تخرص [بين] [نعم] قد نقول: إذا عريت واقعة عن نظر قويم ولاحت فيه مخيلة على بعد ولا يكون مثلها دليلا فقد يجوز التمسك بها تجويزا للمجتهد استصحاب الحال وإن رأينا أن نذكر في آخر هذا المجموع طرفا صالحا من حكم شغور الزمان عن المفتين وحملة الشريعة ذكرنا طرفا صالحا في ذلك إن شاء الله تعالى.

  15. القول في ترجيحات الأدلة.

  16. ١١٨٨- إنما مظنة الترجيحات تعارض صور الأدلة وهي في غرضنا ألفاظ منقولة ومعان مستنبطة.

  17. فأما الألفاظ فتنقسم إلى النصوص التي لا تقبل التأويل وإلى الظواهر.

  18. فأما النصوص فتنقسم إلى ما ينقل قطعا واستوت في النقل ويلتحق بهذا القسم ما ينقل من غير قطع ولكن تستوي النصوص في [طريق] النقل من غير ترجيح آيل إلى الثقة والتغليب فيها ونحن نرسم ما يتعلق بهذا القسم.

  19. مسألة:
  20. ١١٨٩- إذا تعارض نصان على الشرط الذي ذكرناه وتأرخا فالمتأخر ينسخ المتقدم١ وليس ذلك من مواقع الترجيح.

  21. ١١٩٠- فإن تطرق إلى أحد النصين ظن النسخ من غير قطع فهذا نصفه ونصوره ثم نذكر المذاهب فيه.

    قال الشافعي في مسألة المس: قيس بن طلق٢ راوي حديث الخصم وهو ممن تقدم إسلامه٣ وأبو هريرة٤ ممن روى [أحاديثنا] وكان إسلامه بعد الهجرة بست سنين فرأينا إمكان النسخ تطرق إلى ما رواه قيس.

  22. وكذلك صح عن النبي عليه السلام [في مرض موته] أنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون" ٥.

  23. ولكن الشافعي تعلق بجلوس النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته والمقتدون به قيام وراءه فكان هذا من أواخر أفعاله والحديث الذي رويناه مطلق فيغلب على الظن أنه كان في صحته.

  24. ومن هذا القبيل أخبار الدباغ مع ما رواه عبد الله بن عكيم٦ الجهني قال: ورد علينا كتاب النبي عليه السلام قبل موته بشهر "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٧.

  25. فأحاديث الدباغ كانت مطلقة غير مقيدة بتاريخ فالغالب على الظن جريانها قبل هذا التاريخ ولكن الشافعي رد حديث عبد الله لأنه كان محالا على الكتاب وناقل الكتاب مجهول ليس بمذكور فالتحق الحديث بالمرسلات فهذا تصوير ما أردناه.

    vol. 2, p. 184
  26. ١١٩١- قال الشافعي: إن تجرد نص ولم يعارضه آخر فإمكان النسخ مردود ومدعيه مطالب بنقل النسخ ولا يكتفى في هذا المقام بغلبة الظن فإن تعارض نصان وتطرق إلى أحدهما مسلك من المسالك التي صورناها فعند ذلك يرى الشافعي ترجيح النص الذي لا يتطرق إليه ظن النسخ على الآخر [ورأيه أولى] من الحكم بتساقط النصين عند تعارضهما.

  27. ١١٩٢- وقال قائلون: النصان متعارضان فإن الذي اتجه فيه إمكان النسخ ظنا لا يخفى سقوطه والنص الآخر يهى به ويحط عن منزلته والتمسك بمرتبة أخرى دون النصوص أولى ولا يبقى مع تعارض النصين إلا ظن ترجيح ومجرد الترجيح لا يجوز التمسك به.

  28. ١١٩٣- ووجه الحق في ذلك: أن الحادثة إذا عريت عن مسلك [يعد] من سبل مسالك الأحكام وتعارض خبران نصان وتطرق إلى أحدهما إمكان النسخ وعدم المجتهد متعلقا سواهما فالوجه التمسك بالخبر الذي لا يتطرق إليه ظن النسخ وهذا أولى من تعطيل الحكم وتعرية الواقعة عن موجب الشرع وهذا يناسب القول في مآخذ الأحكام عند عرو الزمان عن المفتين ولعلنا نختتم هذا المجموع بطرف صالح منه يقع به الاستقلال.

  29. فإن وجد المتناظران مسلكا من مآخذ [الأحكام] سوى الخبرين مثل أن يجد للقياس مضطربا فالوجه النزول عن الخبرين جميعا والتمسك بالقياس ثم الخبر الذي بعد عن ظن النسخ يستعمل ترجيحا لأحد القياسين [على الآخر] .

  30. فهذا وجه مدرك الحق في ذلك وهو أصل في كتاب الترجيح وسنسند إليه أمثاله.

  31. مسألة:
  32. ١١٩٤- إذا تعارض خبران نصان نقلهما الآحاد واستوى الرواة في الصفات المرعية في حصول الثقة ولكن كان أحدهما أكثر رواة.

  33. فالذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد [وهو مذهب الفقهاء] وذهب بعض المعتزلة إلى منع الترجيح بكثرة العدد واحتجوا في ذلك بالشهادة فإنه لا ترجح بينة على بينة بكثرة العدد.

  34. وهذا الذي ذكروه مما اختلف الفقهاء فيه:

    ١١٩٥- فذهب معظم أصحاب مالك وشرذمة من أصحاب الشافعي إلى أن البينة المختصة بمزيد العدد في الشهود مقدمة على البينة التي تعارضها.

  35. والمسألة على الجملة مظنونة وللاجتهاد فيها مجال ثم معظم قواعد الشهادات منوطة بالتعبدات والروايات مدار أصولها وتفاصيلها على الثقة المحضة ولهذا لا تعتبر فيها الحرية والعدد في [أصل القبول] وكثرة الروايات توجب مزيدا في غلبة الظن.

  36. وقد قال القاضي رحمه الله تعالى: تقديم الخبر على الخبر بكثرة الرواة لا أراه قاطعا وإنما أراه من مسالك الاجتهاد.

  37. ١١٩٦- والوجه في هذا عندنا: أن المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكا إلا الخبر وتعارض في الواقعة خبران واستوى الرواة في العدالة والثقة وانفرد بنقل أحدهما واحد وروى الآخر جمع فيجب العمل بالخبر الذي رواه الجمع.

  38. وهذا مقطوع به فإنا على قطع نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تعارض لهما خبران كما وصفنا والواقعة في محل لا تقدير للقياس فيه ولا مضطرب للرأي لما كانوا يعطلون الواقعة بل كانوا يرون التعلق بما رواه الجمع.

  39. ١١٩٧- فأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة الآن ظنية فإن الخبر الذي نقله الواحد يضعف بالخبر الذي يعارضه فيبعد أن يستقل دليلا.

  40. والذي يقتضيه هذا المسلك النزول عنهما والتمسك بالقياس وترجيح القياس الذي يعضده الخبر الذي يرويه الجمع ولو تجرد القياس في الجانب الآخر [فهو]