تعريف الترجيح وأقوال العلماء فيه
157 paragraphs · vol. 2, p. 175
Page 4 of 4
- vol. 2, p. 191
فالذي أراه تقديم عمل المخالفين فإنه لا يحمل أمرهم إلا على ثبت وتحقيق وعمل العاملين يحمل على التمسك بظاهر الخبر.
-
١٢١٤- وليعلم الناظر إذا انتهى إلى هذا المقام أن الكلام في هذه المضايق ينتهي إلى حال يعسر التصوير فيها فلا ينبغي للإنسان أن يسترسل في قبول كل ما يتصور عليه.
-
ومن هذا القبيل ما انتهينا إليه فإنه يبعد قطع قوم بالمخالفة مع تصحيح الخبر وقطع آخرين بالعمل فلا بد أن يشيع المخالفون ما عندهم ويبحث عنه العاملون.
-
[نعم قد يتفق عمل العاملين في صقع من غير غوص وتحقيق وبحث عن حالة المخالفين] .
-
فهذا منتهى القول في ذلك وهو مقدمة غرضنا في الترجيح.
-
١٢١٥- فإذا تعارض خبران صحيحان وعمل بأحدهما أئمة من الصحابة.
-
فقد رأى الشافعي ترجيح ذلك الخبر على الخبر الذي [عارضه و] لم يصح العمل به واستشهد بما رواه أنس١ في نصب الغنم إذ عارضه ما رواه علي٢ رضي
vol. 2, p. 192الله عنه فيها وعمل الشيخين يوافق ما رواه أنس [فقال رضي الله عنه أقدم حديث أنس] .
-
وهذا مما يجب التأني [فيه] فليس ما استشهد به مما يقال فيه إن عمل الصحابة خالف خبرا إذ لم يصح عندنا أنهم بلغهم حديث على رضي الله عنه ثم لم يعلموا به ولكن قد يظن ذلك ظنا.
-
١٢١٦- فإن قيل: فما الوجه والحالة كما وصفتم؟.
-
قلنا: نرى الحديثين متعارضين فإن معارضة أحدهما الثاني ليس مما يسقطه ترجيح ظني في أحد الجانبين ثم لو صح أنه بلغهم الحديثان ثم عملوا بأحدهما فليس هذا من الترجيح ولكنه يتعلق بالقسم المتقدم وهو أن أقضية أئمة الصحابة بخلاف الخبر مع العلم به والذكر له كيف الوجه فيه وقد تقدم ما فيه بلاغ.
-
١٢١٧- ومما يجب التفطن له أن النصب مقادير ولا مجال فيها للرأي والخبران وإن رأينا تعارضهما فيخرج وجوب العمل بما عمل به الصحابة رضي الله عنهم على الرأي المتقدم في أنا إذا عدمنا مسلكا للحكم ولم نظفر إلا بما يقع ترجيحا لا استقلال له ولو ثبتت الأدلة فالتمسك بما لا يستقل أولى من تعريه الواقعة عن حكم.
-
فالوجه إذا التعلق بحديث أنس لما ذكرنا آخرا والله أعلم.
- مسألة:
-
١٢١٨- إذا تعارض خبران نصان وانضم إلى أحدهما قياس يوافق معناه [الخبر] فقد اختلف العلماء في ذلك:
فالذي ارتضاه الشافعي أن الحديث الذي وافقه القياس مرجح على الآخر واستدل بأنه قال إذا اختص أحد الحديثين بما يوجب تغليب الظن تلويحا فهو مرجح على الآخر ومجرد التلويح لا يستقل دليلا فإذا اعتضد أحد الحديثين بما يستقل دليلا فلأن يكون مرجحا أولى.
-
١٢١٩- وقال القاضي: إذا تعارض الخبران كما ذكرناه في تصوير المسألة تساقطا ويجب العمل بالقياس والمسلكان يفضيان إلى موافقة حكم القياس ولكن الشافعي يرى متعلق الحكم بالخبر المرجح بموافقة القياس والقاضي يرى العمل بالقياس وسقوط الخبرين.
- vol. 2, p. 193
واستدل القاضي بأن قال: الخبر مقدم في مراتب الأدلة على القياس [فيستحيل] ترجيح خبر على خبر بما يسقطه الخبر ومن أحاط بمراتب الأدلة لم يتعلق بالقياس في واقعة فيها خبر صحيح فإن القياس مع الخبر الصحيح المستقل الواقع نصا في حكم اللغو الذي لا حاجة إليه وما يقدم على القياس إذا خالفه فهو مقدم عليه أيضا إذا وافقه فالقياس إذا لا وقع له مع ثبوت الخبر والتعارض يوجب سقوط التعلق بالخبرين فإذا سقطا فالتعلق بعد سقوطهما.
-
١٢٢٠- والقول في ذلك عندي لا يبلغ مبلغ الإفادة ويجوز لمن ينصر نص الشافعي في ذلك أن يقول: إنما يقدم الخبر إذا لم يعارضه خبر فإذا تعارضا افتقر أحدهما إلى التأكيد بما يغلبه على الآخر.
-
فهذا منتهى القول ولا قطع والعمل بما اجتمع عليه الخبر والنظر.
-
ونبني على هذا مسائل نسردها ونبين الحق فيها منها:
- [مسألة] :
-
١٢٢١- أنه إذا تعارض خبران واعتضد أحدهما بقياس الأصول وكان أقرب إلى القواعد الممهدة.
قال الشافعي: يقدم ما يوافق القواعد.
-
ومثال ذلك: الخبران المتعارضان [في صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فالذي رواه ابن عمر فيه ترددات كثيرة والترددات تخالف نظم الصلاة ورواية خوات ابن جبير ليس فيها حركات وترددات فرأى الشافعي رضي الله عنه تقديم خبر خوات وهذا يتصل تحقيقه بموافقة القياس لإحدى الروايتين ومخالفة الأخرى فكان العمل بموجب القياس أولى ثم يئول الكلام إلى أن رواية خوات مرجحة بالقياس أم الروايتان متعارضتان والتعلق بالقياس بعدهما؟
-
١٢٢٢- ويجري في هذه الواقعة نوعان من النظر: أحدهما: أنه لا يمتنع جريان الصلاتين الموصوفتين في الروايتين.
-
وقد مال الشافعي في بعض أجوبته إلى تجويزهما جميعا ثم آثر رواية خوات من طريق التفصيل وهذا متجه حسن فإنه يبعد أن تختلف روايتان في واقعة واحدة اختلاف رواية ابن عمر وخوات.
- vol. 2, p. 194
وإذا روى عدلان لفظين من غير تاريخ فالظن بهما الصدق ويقدر [تقدم] أحدهما [وتأخر] الآخر فإذا اعتاص معرفة ذلك منهما قيل: تعارضا.
-
فأما إذا تعلقت الروايتان بحكاية واحدة وظهر التفاوت في النقل فالوجه أن يحمل الأمر على جريانهما جميعا ويرد الترجيح إلى الفضيلة فهذا وجه.
-
ومما يتعلق بما نحن فيه أنا إذا حملنا الرواية المختارة على الجواز ولم نجوز غيرها فليس في روايتنا منع لما رواه ابن عمر فإذا لا تعارض في الحقيقة إلا من وجهة واحدة وهي أن يدعي الاتحاد وتنسب إحدى الروايتين إلى الوهم والزلل ثم لا يتعين لذلك أحدهما فيتمسك بالقياس وهذا بعيد عما تعبدنا به من تحسين الظن بالرواة والمختار تجويز ما اشتملت عليه الروايتان ورد الأمر إلى التفصيل.
-
١٢٢٣- وقد ذكر القاضي وجها في تقديم رواية ابن عمر رضي الله عنهما وهو أنه قال: إنها نافلة عن المألوف في القواعد فيجب حملها على تثبيت الناقل والرواية الأخرى ليست كذلك وقد يشعر بعدم التثبيت وبناء الأمر مطلقا على ما عهد في الشرع.
-
وهذا غير سديد وهو تحويم على تخصيص عدل بوهم وزلل بموافقة الأصول فيما رواه ثم [في] رواية خوات أنواع من الإثبات لا تعهده في القوانين والقواعد فلا وجه لما ذكره.
- مسألة:
-
١٢٢٤- ومنها: إذا تعارض خبران ووافق أحدهما حكم اقترن من كتاب الله تعالى فقد رجح بعض العلماء الخبر الذي وافقه حكم القرينة.
-
ومثال ذلك الخبران المتعارضان في العمرة فيروى أن النبي عليه السلام قال: "الحج جهاد والعمرة تطوع" ١ وعارضه ما روى أنه عليه السلام قال: "الحج والعمرة نسكان فرضان لا يضرك بأيهما بدأت " ٢ ثم خبر الفريضة وافق حكم القرآن في كتاب الله تعالى فإنه قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ٣.
- vol. 2, p. 195
وهذا فيه نظر فإن إتمام الحج يتعرض لفرضه ابتداء لا في الحج ولا في العمرة وهما مقترنان وفاقا في وجوب الإتمام بعد الشرع فيهما ولم نذكر هذا إلا أن الشافعي ذكره فتيمنا بإيراد كلامه.
- مسألة:
-
١٢٢٥- إذا تعارض خبران ولم يترجح احدهما على الثاني ولم يتطرق إلى واحد منهما نسخ فيما يعلم أو يظن وعريت الواقعة عن دلالة أخرى فحكمهما عند الأصوليين الوقف عن الحكم فيها وإلحاق الصورة بالوقائع كلها قبل ورود الشرائع وهذا حكم الأصول.
-
١٢٢٦- ولكن ما أراه: أن الشريعة إذا كانت متعلقة بالمفتين ولم يشغر عنهم [الزمان] فلا يقع مثل هذه الواقعة [إذ] لو فرض تجويز ذلك لوجب في حكم العادة وقوعه لا محالة فإذا لم يقع مثله في الأزمان على تطاولها وقد اشتملت على كل ممكن على التكرر [فارتقاب] واقعة شاذة لا نظير لها ولا مداني محال في حكم العادة وسيأتي شرح ذلك في كتاب الفتوى.
-
وإن تحقق التعارض والتساوي بين النصين وانحسم مسلك التأويل ووجدنا للحكم متعلقا من طريق القياس [أو الاستدلال] وآخر مسلكه استصحاب الحال فهذا مما تقرر القول فيه قبل من أن الخبر الذي يوافقه مرجح به أو الخبران يتساقطان بالتعارض والمعنى مجرد للتعلق به.