تعريف الترجيح وأقوال العلماء فيه
157 paragraphs · vol. 2, p. 175
Page 3 of 4
- vol. 2, p. 186
متمسك [الحكم ومتعلقه فهذا وجه ولكن قد نظن أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقدمون] الخبر الذي يرويه الجمع ويضربون عن القياس كدأبهم في تعظيم الخبر وتقديمه ولسنا على قطع في ذلك فإنا لا نثبت أصول الشريعة إلا بمستند قطعي فما قطعنا به أثبتناه وما غلب على ظننا ترددنا فيه وألحقناه بالمظنونات.
-
١١٩٨- فآل حاصل القول إلى أن الخبر وإن رواه جمع من الثقات إذا عارضه خبر نقله عدل واحد فيسقط ما رواه الجمع عن رتب الأدلة المقطوع بها فإن عدمنا مأخذا سواهما كان تعلقنا بالأرجح تعلق من لا يجد مضطربا سوى الترجيح ومحض الترجيح لا يتعلق به عند فقد الأدلة كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.
-
١١٩٩- فأما إذا وجدنا [أدلة فالمسألة إذ ذاك ظنية منزلة على ما يؤدى إليه اجتهاد الناظر وكذلك إذا وجدنا] القياس موافقا للخبر الذي نقله الواحد فالمسألة ظنية أيضا وإن كان القياس في جانب الخبر الذي رواه الجمع [فلا شك أن الحكم بذلك القياس المرجح بالخبر الذي رواه الجمع] فهذه جوامع القول في ذلك.
-
١٢٠٠- وقد ذكرنا في تعارض الخبرين إذا تطرق إلى أحدهما إمكان النسخ من الجهات التي ذكرناها [أن] الوجه النزول عنهما والتمسك بالأقيسة إن وجدناها ولم [نردد] في ذلك تغليب ظن.
-
والسبب فيه أنا ظننا ظنا غالبا بالصحابة رضي الله عنهم اعتبار الترجيح بالثقة والعدد ورددنا القول ولم يسنح لنا مثل ذلك فيما يتطرق إليه النسخ إمكانا إذ تبينا من تفحصهم عن أسباب الثقة ما يغلب على الظن الترجيح بها وتقديم الأخبار على الأقيسة تعظيما لها إذا رجع الأمر إلى التفاوت في الثقة.
-
[فإن ظهر لنا ظن عندنا في وقائع] بلغته أنهم نظروا في إمكان النسخ نظرهم في الثقة نزلنا تلك [المسألة] هذه المنزلة وعاد القول إلى التعارض إلا فيما يمنع منه متمسك لما قدمنا تمهيده من أن التعارض في التساقط [أقوى] في نظر الناظرين من الاعتصام بترجيح ظني فهذا منتهى المراد.
-
١٢٠١- ومما نذكره في فروع هذا الفصل أنه إذا روى راويان خبرين وكل.
- vol. 2, p. 187
واحد منهما [ثقة] مقبول الرواية لو انفرد ولكن في أحدهما مزية ظاهرة في قوة الحفظ والضبط والاعتناء بالوعي فهذا مما يرى أهل الحديث مجمعين على التقديم [فيه] .
-
وهو كما روى عبيد١ الله بن عمر العمري [مع ما رواه أخوه عبد الله٢ بن عمر العمري] في سهم الفارس من المغنم٣ فقال الأئمة: حديث عبيد الله مقدم وإن كان أخوه عبد الله عدلا فإن بينهما تفاوتا بينا قال محمد بن إسماعيل البخاري: بينهما ما بين الدينار والدرهم والفضل لعبيد الله وهذا وإن ظهر من خدمة الحديث فإذا رجع الأمر إلى العلم فالقول عندي في الخبرين مع اختصاص إحدى الروايتين بالمزية كالقول في اختصاص أحد الخبرين بكثرة الرواة مع الاستواء في الصفات المرعية وقد سبق ذلك مفصلا.
-
غير أن التمسك بحديث عبيد الله حتم من جهة أن القول متعلق بالتقدير وهو متلقى من توقيف الشارع ولا مجال للقياس فيه والرأي لا يضبط منتهى الغناء والكفاية.
-
١٢٠٢- فهذا من المنازل التي يتعين فيها الاستمساك بالخبر ولا نظر لذي الرأي على استرسال كلى وهو موافق لمذهب الشافعي فإن نظرنا إلى الغناء فلا يكاد يخفى أن غناء الفارس يزيد على ضعف غناء الراجل فلا موقف ينتهى [إليه] فيستعمل الرأي كليا ويستعمل الخبر توقيفا ينتهى إليه.
-
١٢٠٣- ومما يتصل بذلك [أنه] إذا روى أحد الخبرين ثقة وروى الآخر جمع.
- vol. 2, p. 188
لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر الآخر في الثقة والعدالة فاجتمع مزية الثقة وقوة العدد فمن أهل الحديث من يقدم مزية العدد ومنهم من يقدم مزية الثقة.
-
والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة إذا ظهرت فإن الغالب على الظن أن الصديق رضي الله عنه لو روى خبرا وروى جمع على خلافه خبرا لكان الصحابة يؤثرون رواية الصديق.
-
ومأخذ الكلام في جميع هذه الفنون واحد فليرجع الناظر إلى المعتبر الممهد أصلا وتفصيلا وليميز مواقع القطع من الظن.
- مسألة:
-
في تقديم أحد الخبرين على الآخر بموافقة أقضية الصحابة رضي الله عنهم.
-
١٢٠٤- القول في حقيقة هذه المسألة يستدعى مقدمة من كتاب الإجماع فنقول: إن اجتمع علماء العصر على [مذهب] واستمر الإجماع على الشرائط المرعية فلا يبقى للتعلق بالخبر والحالة هذه وقع فإن الخبر إن كان منقولا آحادا فلا خفاء بما ذكرناه.
-
ولو فرضنا خبرا متواترا وقد انعقد الإجماع على خلافه فتصويره عسر فإنه غير واقع ولكنا على التقدير نقول لو فرض ذلك فالتعلق بالإجماع أولى فإن الأمة لا تجتمع على الضلالة ويتطرق إلى الخبر إمكان النسخ فيحمل الأمر على ذلك قطعا لا وجه غيره ونقطع بهذا.
-
١٢٠٥- فإن قيل: الخبر المتواتر النص من الأدلة القاطعة وكذلك الإجماع فلم قدمتم الإجماع؟.
-
قلنا: لأن الخبر عرضة لقبول النسخ والإجماع لا ينعقد متأخرا إلا على قطع فلا يتصور حصول الإجماع على باطل وتطرق النسخ إلى الخبر ممكن فالوجه حمل الإجماع على القطع الكائن وحمل الخبر على مقتضى النسخ استنادا أو تنبيها على تقدير استثناء والمستحيل حصول الإجماع على حكم مع خبر نص على مناقضته مع الإجماع على أنه غير منسوخ فهذا مما لا يتصور وقوعه حتى يتكلم فيه في تقديم أو تأخير وإنما الكلام في خبر مطلق.
-
ثم الذي أراه [أن] من ضرورة الإجماع على مناقضه الخبر النص المتواتر أن
vol. 2, p. 189يلهج أهل الإجماع بكونه منسوخا فهذا قولنا في الإجماع.
-
١٢٠٦- أما إذا فرض خبر على شرط الصحة نقله الآحاد وجرت أقضية [أئمة من] الصحابة على مخالفته فكيف الوجه؟
-
ذهب مالك رحمه الله إلى تقديم ما صار إليه أهل المدينة يعني علماءها وروي عنه في تحقيق ذلك تمسك بأخبار تشير إلى تعظيم المدينة وأهلها فإن صح ذلك فهو ضعيف وإن كان مذهبه النظر في مذاهب العلماء الذين كانوا وإنما أجرى ذكر [أهل] المدينة لتوافر العلماء بها في ذلك الزمن فهذا قريب على ما سيأتي الشر حليه إن شاء الله.
-
١٢٠٧- وقال الشافعي رحمه الله: لا نظر إلى الأعمال والأقضية إذا لم يتفق عليها أهل الإجماع والتعلق بالخبر أولى.
-
ونحن نذكر ما تمسك به الشافعي ثم نذكر بعده المختار عندنا.
قال الشافعي: الحجة في الخبر وما نقل من عمل على خلافه فهو منقول عن أقوام ليست أقوالهم حجة ولا معنى لترك الحجة لما ليس بحجة.
-
ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال: العاملون بخلاف الخبر محجوجون به ولا يقدم قول محجوج بحجة على الحجة.
وقال الشافعي في بعض مجاري كلامه: لو [عاصرت] العاملين بخلاف الخبر لحاججتهم وجادلتهم العين, العين ولا يتعين ذلك بانقراضهم.
-
وقد يقول: لو وجدت قياسا يخالف أقضية أقوام من الأئمة لتمسكت به ولم أبال بمن ينازعني والخبر مقدم على القياس فإذا قدمت القياس على قولهم فكيف أترك الخبر المقدم على القياس بقولهم؟.
وقال رضى الله عنه: إن كان تقديم أقضية الصحابة لتحسين الظن بهم ولا تجب لهم العصمة فتحسين الظن بخبر الشارع المعصوم [أولى] .
-
١٢٠٨- والرأي الحق عندنا [في ذلك] يوضحه تقسيم فنقول:
إن تحققنا بلوغ الخبر [طائفة من أئمة الصحابة وكان الخبر] نصا لا يطرق إليه تأويل ثم ألفيناهم يقضون بخلاف مع ذكره والعلم به فلسنا نرى التعلق بالخبر إذ
vol. 2, p. 190لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة والإضراب وترك المبالاة أو العلم بكونه منسوخا وليس بين هذين التقديرين لاحتمال ثالث مجال.
-
[وقد] أجمع المسلمون قاطبة على وجوب اعتقاد تبرئتهم عن القسم الأول فيتعين حمل عملهم مع الذكر والإحاطة بالخبر على العلم بورود النسخ وليس [ما] ذكرنا تقديما لأقضيتهم على الخبر وإنما هو استمساك بالإجماع على وجوب حمل عملهم على وجه يمكن من الصواب [فكأنا] تعلقنا بالإجماع في معارضة الحديث وليس في تطريق إمكان النسخ إلى الخبر غض من قدره عليه السلام وحط من منصبه وقد قدمنا في كتاب الإجماع أن الإجماع في نفسه ليس بحجة ولكن [إجماع] أهله يشعر بصدر ما أجمعوا عليه [عن] حجة.
-
فهذا قول في قسم وهو: إذا بلغهم الخبر وعملوا بخلافة ذاكرين له.
-
١٢٠٩- فأما إذا لم يبلغهم أو غلب على الظن أنه لم يبلغهم فالتعليق بالخبر حينئذ وظني بدقة نظر الشافعي في أصول الشريعة أنه رأى التقديم للخبر في مثل هذه الصورة.
-
١٢١٠- وإن غلب على الظن أن الخبر بلغهم وتحققنا أن عملهم مخالف له فهذا عندي مقام التوقف والبحث فإن لم نجد في الواقعة متعلقا سوى الخبر والأقضية فالوجه التعلق بالخبر وإن وجدنا مسلكا في الدليل سوى الخبر فالتمسك به أولى.
-
١٢١١- ومما ينبغي أن يتنبه الناظر له: أن مذاهب الصحابة إذا نقلت من غير إجماع فلا نرى التعلق بها وإذا نقلت في معارضة خبر نص على المخالفة التي لا تقبل تأويلا فتعين التعلق بالمذاهب وليس هذا على الحقيقة تعلقا بالمذاهب وإنما هو تعلق بما صدرت المذاهب عنه وما ذكرناه في أئمة الصحابة يطرد في أئمة التابعين وأئمة كل عصر ما لم تقف على خبر.
-
وبيان ذلك بالمثال: أن مالكا رضي الله عنه يرى تقديم أقضية الصحابة رضي الله عنهم على الخبر مطلقا من غير تفصيل وقد لا نأمن أن يكون بعض تلك الأقضية ممن لم يبلغه الخبر أو بلغه ونسيه.
-
فإذا لم يفصل مالك تبينا أنه لم يكن مطلعا على حقيقة هذا الأصل فلا جرم نقول: إذا روى مالك خبرا وخالفه لم نبل بمخالفته من حيث لا نثق بتحقيق منه في.
- vol. 2, p. 191
مأخذ الباب ولذلك ثبت خيار المجلس بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن الرسول عليه السلام ولم يقل مالك بخيار المجلس.
-
١٢١٢- ومما يجب تنزيله على هذا القسم: أن جمعا لو بلغهم خبر ثم صح عندنا عملهم بخلافة بعد تطاول زمن وجوزنا ذهولهم عنه ونسيانهم له فليخرج ذلك على التقاسم في تطاول غلبة الظن كما سبق.
-
وما ذكرناه في جمع فهو في المجتهد الواحد الموثوق بعدالته وأمانته بمثابته في جمع.
-
١٢١٣- ولو صح خبر وعمل به جمع ولم يعمل به جمع والفريقان ذاكران الخبر والمسألة مفروضة حيث لا احتمال إلا النسخ.