(١٤) الدفن وتوابعه

147 paragraphs · vol. 1, p. 132

Page 1 of 4

  1. ٨٧ - ويجب دفن الميت ولو كان كافرا، وفي حديثان:

    الأول: عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو طلحة الانصاري، والسياق له: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، (فجروا بأرجلهم) فقذفوا في طوى (١) من أطواء بدر خبيث مخبث (بعضهم على بعض) ، (إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملاها، فذهبوا يحركوه فتزايل (٢) فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة)، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (٣) ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي (٤) فجعل ينادي بأسمائهم وأسماء آبائهم (وقد جيفوا) : (يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا وليد بن عتبة) ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قال: (فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم) ، فقال: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، (وهل يسمعون؟ يقول الله عز وجل: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: ٨٠] ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، (والله) (إنهم الآن ليعلمون أن

    vol. 1, p. 133الذي كنت أقول لهم لهو الحق)، وفي رواية، إنهم الآن ليسمعون) (غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا، قال قتادة: أحياهم الله (له) حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا، ونقمة، وحسرة وندما ".

    قلت رواه جماعة من الصحابة، وهذه رواية بعضهم، وهم:

    الأول: أبو طلحة الانصاري، يرويه قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة به.

    1. (١)هي البئر التي طويت وثبتت بالحجارة لتثبت ولا تنهار
    2. (٢)أي تفسخ وتفرقت أجزاؤه.
    3. (٣)هي كل موضع واسع لابناء فيه.
    4. (٤)أي طرف البئر
    vol. 1, p. 132
  2. أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٠ - ٢٤١) واللفظ له ومسلم (٨/ ١٦٤) وأحمد (٤/ ١٢٩) والزيادة الخامسة له، وهي على شرط مسلم، وأخرجه النسائي أيضا (١/ ٢٩٣) ، لكنه لم يذكر في سنده أبا طلحة، وهو رواية لمسلم (٨/ ١٦٣) وأحمد (٣/ ١٠٤) ، ١٤٥، ١٨٢: ٢١٩ - ٢٨٧) وعنده الزيادة الأولى والسابعة، وإسنادهما صحيح على شرط مسلم، وعندهم - أعني الثلاثة - الزيادة الرابعة والخامسة، إلا أنهم قالوا: " أمية بن خلف " بدل " وليد بن عتبة " وهو خطأ من بعض الرواة، لان أمية لم يكن في البئر كما تدل عليه الزيادة الثانية، وهي في حديث عائشة كما يأتي بسند حسن، وعندهم أيضا الزيادة السادسة والعاشرة، ولأحمد الحادية عشر.

  3. الثاني: عمر بن الخطاب، رواه عنه أنس أيضا بنحوه، وفيه الزيادة الثانية.

  4. أخرجه مسلم والنسائي وأحمد (رقم ١٨٢) .

  5. الثالث: عبد الله بن عمر، وله الرواية الثانية، وفيه الزيادة التاسعة.

  6. أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٢ - ٢٤٢ - ٢٤٣) وأحمد (رقم ٤٨٦٤، ٤٩٥٨، ٦١٤٥) وفي رواية له: " فذكر ذلك لعائشة، فقالت: وهل - يعني ابن عمر -، انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،

    إنهم الآن ... " وإسنادها حسن، وفيها الزيادة الثانية أيضا كما تقدم.

  7. واعلم أن العلماء صوبوا رواية ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنهم الآن ليسمعون "، وردوا قولها فيه " وهل "، لانه مثبت وهي نافية، ولانه لم يتفرد بذلك بل تابعة أبوه عمر وأبو طلحة كما تقدم، وغيرهما كما في " الفتح " فراجعه إن شئت

    vol. 1, p. 134التفصيل.

  8. والحق أن ما رواه الجماعة صواب، وما روته عائشة كذلك، وكل ثقة ولا تناقض بين الروايتن، فتضم إحداهما إلى الاخرى كما فعلنا في سياق الحديث.

  9. ثم أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٦) وابن هشام في " السيرة " (٢/ ٧٤) بسند حسن، وفيه الزيادة الثالثة.

  10. الثاني: عن علي رضي الله عنه قال: " لما توفي أبو طالب، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن عمك الشيخ (الضال) قد مات (فمن يواريه؟) ، فقال: اذهب فواره، ثم لا تحدث شيئا حتي تأتيني: (فقال: إنه مات مشركا (١) ، فقال: إذهب فواره) قال: فواريته ثم أتيته، قال: إذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني، قال: فاغتسلت، ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها.

    قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل ".

    1. (١)هذا صريح في أن أبا طالب مات كافرا مشركا، وفي الباب أحاديث كثيرة، منها حديث سعيد بن حزن المتقدم في المسألة (٦٠)، وقد قال الحافظ بن شرحه له: " ووقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الاحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شئ، وبالله التوفيق، وقد لخصت ذلك في ترجمة أبي طالب من كتاب الاصابة ".
  11. أخرجه أحمد (رقم ٨٠٧) وابنه في زوائد " المسند " (رقم ١٠٧٤) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عنه.

    قلت: وسنده صحيح.

  12. وأخرجه أبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣) والبيهقي (٣/ ٣٩٨) وأحمد أيضا (رقم ٧٥٩) من طريق أبي إسحاق: سمعت ناجية بن كعب يحدث عن علي به نحوه.

  13. والزيادات لاحمد إلا الثانية فللنسائي.

  14. وإسناده صحيح أيضا، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيحين غير ناجية بن كعب،

    قال العجلي في " الثقات " : (٢)

    1. (٢)رتبه العلامة علي بن عبد الكافي السبكي على حروف المعجم، وعندنا منه نسخة منسوخة عن نسخة نسخت عن أصل محفوظ في مكتبة الاوقاف الاسلامية بحلب، ثم قابلت نسختي بالاصل ومنها نقلت.
  15. " كوفي تابعي ثقة " .

    وقال الحافظ في " التقريب " : ثقة ".

    vol. 1, p. 135
  16. وأما قول النووي في " المجموع " (٥/ ١٨١) : " رواه أبو داود وغيره، وإسناده ضعيف ".

  17. فهو مردود، ولا ندري وجهه إلا أن يريد أنه من رواية أبي إسحاق وهو السبيعي، فإنه كان تغير لما كبر.

  18. فإن كان هذا، فالجواب من وجهين: الأول: أنه من رواية سفيان الثوري عنه، وهو من أثبت الناس فيه، كما في " التهذيب ".

  19. الثاني: أنه لم يتفرد به، بل جاء من الطريق الأولى كما سبق، وكأن النووي رحمه الله لم يقف عليها أو لم يستحضرها حين تكلم على الحديث، ولعله اعتمد في تضعيفه على البيهقي، فقد قال الحافظ في " التلخيص " (٥/ ١٤٩ - ١٥٠) بعد أن عزاه لاحمد وأبي داود والنسائي وابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار والبيهقي من طريق أبي إسحاق .. " ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف، ولا يتبين وجه ضعفه، وقد قال الرافعي انه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه ".

  20. وعزاه في " الفتح " (٧/ ١٥٤) لابن خزيمة أيضا وابن الجارود. (١)

    1. (١)فائدة: هذا الحديث أورده البيهقي في باب المسلم يغسل ذا قرابته من المشركين ويتبع جنازته ويدفنه ولا يصلي عليه ". وأنت ترى أنه ليس في الحديث ما ترجم له من الاغتسال فقال الحافظ تعليقا على كلامه: " تنبيه: ليس في شئ من طرق هذا الحديث التصريح بأنه غسله إلا أن يؤخذ ذلك من قوله: " فأمرني فاغتسلت فإن الاغتسال شرع من غسل الميت، ولم يشرع من دفنه. ولم يستدل البيهقي وغيره إلا على الاغتسال من غسل الميت، وقد وقع عند أحمد أيضا وابنه كما تقدم، ويستغرب من الحافظ كيف خفي عليه ذلك، لا سيما وهو قد عزي الحديث لاحمد كما رأيت ثم إن قوله: " ولم يشرع الاغتسال من دفنه "، فيه نظر، لان لقائل أن يقول: أن الحديث ظاهر الدلالة على مشروعية ذلك، ولا ينافيه الزيادة التي وقعت في آخر الحديث، لانها جملة مستأنفة، لا علاقة لها بما قبلها، أعني أنه لا دليل في الحديث أن عليا إنما كان يغتسل من غسل الميت، لامره صلى الله عليه وسلم إياه بالغسل في الحديث بل هذا شئ = = وذاك شئ اخر. نعم إن ثبتت الرواية الاتية فلا مناص من التسليم بما سبق عن الحافظ، فقد قال عقب كلامه المذكور: " قلت: وقع عند ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: " فقلت: إن عمك الشيخ الكافر قد مات فما ترى فيه؟ قال: أرى أن تغسله وتجنه "، وقد ورد من وجه آخر أنه غسله، رواه ابن سعد عن الواقدي ". قلت: أما الواقدي فمتروك متهم بالكذب، فلا قيمة لزيادته، وأما زيادة ابن أبي شيبة " أن تغسله " فهي منكرة أيضا لانه أخرجها (٤/ ١٤٢) من طريق الاجلح عن الشعبي مرسلا. وهو مع إرساله فإن الاجلح فيه ضعيف، فلا حجة في زيادته أيضا.
  21. ٨٨ - ولا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين، الكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الامر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، واستمر إلى عصرنا هذا، ومن الادلة على ذلك حديث بشير بن الخصاصية قال: " بنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم (آخذا بيده) .

    فقال: يا ابن الخصاصية ما (أصبحت) تنقم على الله؟ (١) أصبحت تماشي رسول الله (قال: أحسبه قال: آخذا بيده) ، فقلت: (يا رسول الله بأبي وأمي) ما (أصبحت) أنقم على الله شيئا، كل خير فعل بي الله.

    1. (١)إنما قال له عليه السلام هذا لان بشيرا رضي الله عنه كان أظهر شيئا من التضجر بسبب بعده عن دار قومه فقد روى الطبراني في " الكبير " والاوسط " عن بشير نفسه قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته بالبقيع فسمعته يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين وانقطع شسعي، فقال: انعش قدمك، فقلت: يا رسول الله طالت عزوبتي ونأيت عن دار قومي فقال: يا بشير ألا تحمد الله الذي أخذ بناصيتك من بين ربيعة، قوم يرون لولا أنهم انكفت الارض بمن عليها. قال الهيثمي في " المجمع " (٣/ ٦٠): ورجاله ثقات ".
    vol. 1, p. 136
  22. فأتي على قبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء بخير كثير، وفي رواية: خيرا كثيرا) ثلاث مرات.

  23. ثم أتى على قبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا، ثلاث مرات فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا حاصب السبتيتين ويحك ألق سبتيتك، فنظر فلا عرف الرجل رسول الله

    vol. 1, p. 137صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فرمي بهما ".

  24. أخرجه أبو داود (٢/ ٧٢) والنسائي (١/ ٢٨٨) وابن ماجة (١/ ٤٧٤) وابن أبي شيبة (٤/ ١٧٠) والحاكم (١/ ٣٧٣) والسياق له ومن طريقه البيهقي (٤/ ٨٠) والطيالسي (١١٢٣) وأحمد (٥/ ٨٣، ٨٣، ٢٢٤) والزيادات له، والثانية للبيهقي وليست في المستدرك، وروي الطحاوي (١/ ٢٩٣) منه قصة الرجل صاحب السبتيتين وقال الحاكم: " صحيح الاسناد ".

  25. ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في " الفتح " (٣/ ١٦٠) وروى ابن ماجه عن عبد الله عثمان وهو البصري شعبة أنه قال: حديث جيد ونقل ابن القيم في " تهذيب السنن " (٤/ ٣٤٣) عن الامام أحمد أنه قال: اسناده جيد.

    وقال النووي في " المجموع ": (٥/ ٣١٢) : " اسناده حسن ".

  26. واحتج به ابن حزم (٥/ ١٤٢، ١٤٣) على أنه لا يدفن مسلم مع مشرك. وفي مكان آخر، احتج به على تحريم المشي بالنعال بين القبور كما سيأتي في التعليق على المسألة (١٢٦) .

  27. ٨٩ - والسنة الدفن في المقبرة، لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الاخبار بذلك، وتقدم بعضها في مناسبات شتى، أقربها حديث ابن الخصاصية الذي سقته في المسألة السابقة، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواتر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته عليه السلاة والسلام، كما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها: قالت: " لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه " ، فدفنوه في موضع فراشه ".

  28. أخرجه الترمذي (٢/ ١٢٩) وقال: " حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يضعف من قبل حفظه ".

    قلت: لكنه حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد:

    أ - أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٩٨، ٤٩٩) وابن سعد (٢/ ٧١) وابن عدي في الكامل " (ق ٩٤/ ٢) من طريق ابن عباس عن أبي بكر.

  29. ب - وابن سعد وأحمد (رقم ٢٧) من طريقين منقطعين عن أبي بكر.

    vol. 1, p. 138
  30. ج - ورواه مالك (١/ ٢٣٠) وعنه ابن سعد بلاغا.

  31. د - ورواه ابن سعد بسند صحيح عن أبي بكر مختصرا موقوفا، وهو في حكم المرفوع، وكذلك رواه الترمذي في " الشمائل " (٢/ ٢٧٢) في قصة وفاته صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر (١/ ٤٢٠) : " واسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود، وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متجه، لان استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة " وقد استنبط البخاري الكراهة من قوله صلى الله عليه وسلم: " اجعلو في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا " .

  32. أورده في " باب كراهية الصلاة في المقابر " من حديث ابن عمر، فقال الحافظ: " ولفظ حديث أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: " لا تجعلو بيوتكم مقابر "، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا " .

  33. ٩٠ - ويسثني مما سبق الشهداء في المعركة، فإنهم يدفنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر لحديث جابر رضي الله عنه قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال أبي عبد الله: يا جابر ابن عبد الله لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لاحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا - إذ لحق رجل ينادي: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلي فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا " .

  34. أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨) بسند صحيح، وبعضه عند أبي داود وغيره مختصرا وقد تقدم في المسألة (١٧ ص ١٤)

    vol. 1, p. 139
  35. ٩٢ - ولا يجوز الدفن في الاحوال الاتية إلا لضرورة:

    أ - الدفن في الاوقات الثلاثة لحديث عقبة بن عامر المتقدم، (ص ١٣٠) بلفظ: " ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب " .

  36. والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وقد ذهب لى ذلك ابن حزم في " المحلى " (٥/ ١١٤ - ١١٥) وغيره من العلماء،.

  37. ومن التأويلات البعيدة، بل الباطلة قول بعضهم: " قوله: (نقبر) أي نصلي " قال أبو الحسن السندي: " ولا يخفى أنه معنى بعيد، لا ينساق إليه الذهن من لفظ الحديث، قال بعضهم " يقال: قبره إذا دفنه، ولا يقال: قبره إذا صلى عليه ".

  38. والاقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد وغيره أن الدفن مكروه في هذه الاوقات " (١)

    1. (١)قلت: وقد رد ذلك التأويل الامام النووي أيضا، ولكنه في سبيل بيان ذلك وقع في تأويل آخر يشبه هذا وادعي دعوى غير ثابتة فقال في " شرح مسلم ": " قال بعضهم إن المراد بالقبر صلاة الجنازة، وهذا ضعيف، لان صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالاجماع، فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الاجماع، بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الاوقات، كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر ... فأما إذا وقع الدفن في هذه الاوقات بلا تعمد فلا يكره ". قلت: وهذا تأويل لا دليل عليه، والحديث مطلق يشمل المتعمد وغيره، فالحق عدم جواز الدن ولو لغير متعمد، فمن أدركته فيها فليتريث حتى يخرج وقت الكراهة. وأما ادعاؤه أن صلاة الجنازة لا تكره في مثل هذا الاوقات بالاجماع فوهم منه رحمه الله، فالمسألة خلافية والصواب فيها الكراهة خلاف الاجماع المزعوم، وقد سبق بيان ذلك في المسألة (٨٩) تعليقا عليها (ص ١٣٠) =
  39. ب - في الليل لحديث جابر رضي الله عنه:

    vol. 1, p. 140" أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا، فزجر البني صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك "

  40. أخرجه مسلم وغيره وقد سبق في المسألة (٣٥ ص ٥٦) والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وهو مذهب أحمد رحمه الله في رواية عنه ذكرها في " الانصاف " (٢/ ٥٤٧) قال: " لا يفعله إلا لضرورة، وفي أخرى عنه: يكره " .

    قلت: والأول أقرب لظاهر قوله " زجر " فانه أبلغ في النهي من لفظ " نهى " الذي يمكن حمله على الكراهة، على أن الاصل فيه التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة. (١)

    1. (١)لكن يشكل على ما ذكرنا قوله في الحديث " حتى يصلى عليه ". فإنه يدل بظاهره أيضا على جواز الدفن ليلا بعد الصلاة لانها هي الغاية من النهي، فإذا حصلت ارتفع النهي، لكن يرد عليه قوله " إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك " فإن إسم الاشارة فيه يعود إلى المنهي عنه وهو الدفن ليلا قبل الصلاة إلا عند الضرورة فيجوز. وهذا بعيد جدا، لان من السهل أن نتصور اضطرار المشيعين للدفن ليلا لاسباب كثيرة كما سيأتي عن ابن حزم ولكننا لا نتصور في وجه من الوجوه أن يضطروا لدفنه دون أن يصلو عليه، ومما يزيده بعدا أن هذا المعنى يجعل قيد " الليل " عديم الفائدة، إذ الدفن قبل الصلاة، كما لا يجوز ليلا، فكذلك لا يجوز نهارا، فإن جاز ليلا لضرورة جاز نهارا من أجلها ولا فرق، فما فائدة التقييد ب " الليل " حينئذ. لا شك أن الفائدة لا تظهر بصورة قوية إلا إذا رجحنا ما استظهرناه أو لا من عدم جواز الدفن ليلا، وبيان ذلك: أن الدفن في الليل مظنة قلة المصلين على الميت، فنهي عن الدفن ليلا حتى يصلي عليه نهارا، لان الناس في النهار أنشط في الصلاة عليه، وبذلك تحصل الكثرة من المصلين عليه، هذه الكثرة التي هي من مقاصد الشريعة وأرجى لقبول شفاعتهم في الميت كما سبق بيانه في " المسألة (٦٣)، (ص ٩٦) قال النووي: في " شرح مسلم ": "وأما النهي عن القبر ليلا حتى يصلى عليه، فقيل سببه أن الدفن نهارا يحضره كثير من الناس ويصلون عليه ولا يحضره في الليل إلا أفراد، وقيل لانهم كانوا يفعلون ذلك لرداءة الكفن، فلا يتبين في الليل، ويؤيده أول الحديث وآخره، قال القاضي: العلتان صحيحتان، قال: والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قصدهما معا، قال: وقد قيل غير هذا ". قلت: فإذا عرف أن العلة قلة المصلين وخشية رداءة الكفن، ينتج من ذلك أنه لو صلي عليه نهارا، ثم تأخر دفنه لعذر إلى الليل أنه لا مانع من دفنه فيه لانتفاء العلة وتحقق الغاية وهي كثرة المصلين، وعليه فهل يجوز التأخر بدفن الميت في النهار تحصيلا للغاية المذكورة، استحسن ذلك الصنعاني في " سبل السلام " (٢/ ١٦٦)، ولست إرى ذلك لان العلة المذكورة مقيدة فلا يجوز تعديتها إلى النهار لوجود الفارق الكبير بين الظرفين، فإن = = القلة في الليل أمر طبيعي، بخلاف النهار فالكثرة فيه هي الطبيعي، ثم إن هذه الكثرة لا حد لها فكلما تؤخر بالميت زادت الكثرة، ولذلك نرى بعض المترفين الذين يحبون الظهور رياء وسمة، ولو على حساب الميت قد يؤخرونه اليوم واليومين ليحضر الجنازة أكبر عدد ممكن من المشيعين. فلو قيل بجواز ذلك لادي إلى مناهضة الشارع في أمره بالاسراع بالجنازة على ما سبق بيانه في المسألة (١٧) (ص ١٣) بعلة الكثرة التي لا ضابط لها. بعد هذا يتبين لنا الجواب عن الاشكال الذي أو ردته في قوله " حتى يصلى عليه " إذ أنه ظهر أن المراد حتى يصلى عليها نهارا لكثرة الجماعة، كي تبين أن إسم الاشارة في قوله " إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك " يعود إلى الدفن ليلا ولو مع قلة المصلين، لا إلى الدفن مع ترك الصلاة عليه إطلاقا، فليتأمل فإنه حقيق بالتأمل. ثم قال النووي في " شرح مسلم ": " وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة، وهذا الحديث مما يستدل له به، وقال جماهير العلماء من السلف والخلف: لا يكره واستدولو بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجماعة من السلف دفنوا ليلا من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء: والرجل الذي كان يقم المسجد فتوفي بالليل فدفنوه ليلا، وسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقالوا: توفي ليلا فدفناه في الليل، فقال: ألا اذنتموني، قالوا: كانت ظلمة ولم ينكر عليهم، وأجابوا عند هذا الحديث أن النهي كان لترك الصلاة، ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، وإنما لترك الصلاة أو لقلة المصلين أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع كما سبق ". قلت: والجواب الأول وهو أن النهي كان لترك الصلاة، لا يصح، لانه لو كان كذلك لم يكن ثمة فرق بين الدفن ليلا أو نهارا كما سبق بيانه، بل الصواب أن النهي إنما كان للامرين اللذين سبقا في كلام القاضي، ولذلك اختار ابن حزم أنه لا يجوز أن يدفن أحد ليلا إلا عن ضرورة. واستدل على ذلك بهذا الحديث، ثم أجاب عن الاحاديث الواردة في الدفن ليلا، وما في معناها من الاثار بقوله (٥/ ١١٤ - ١١٥): وكل من دفن ليلا منه صلى الله عليه وسلم ومن أزواجه ومن أصحابه رضي الله عنهم، فإنما ذلك لضرورة أو جبت ذلك من خوف الحر على من حضر - وهو بالمدينة شديد - أو خوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلا، ولا يحل لاحد أن يظن بهم رضي الله عنهم خلاف ذلك ". ثم روى كراهة الدفن ليلا عن سعيد بن المسيب، وأقول: ومن الجائز أن بعض من دفن ليلا كانوا صلوا عليه نهارا، وحينئذ فلا تعارض على ما سبق بيانه، وذلك هو الواقع في حقه صلى الله عليه وسلم، فإنهم صلوا عليه يوم الثلاثاء ثم دفنوه ليلة الاربعاء كما ذكر ابن هشام في سيرته (٤/ ٣١٤) عن ابن اسحاق. والله أعلم.