أفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان
22 paragraphs · vol. 2, p. 41
- vol. 2, p. 41
(وهو في رمضان آكد سيما في العشر الأواخر منه) : أفضل وآكد؛ لكونه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فيها؛ ولم يرد ما يدل على توقيته بيوم أو أكثر، ولا على اشتراط الصيام؛ إلا من قول عائشة.
-
وحديث نذر عمر - المتقدم - يرده.
- vol. 2, p. 42
وكذلك حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس على المعتكف صيام؛ إلا أن يجعله على نفسه " (١) ، أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال: " صحيح الإسناد " ، ورجح الدارقطني، والبيهقي وقفه.
- (١)هو حديث ضعيف؛ انظر " ضعيف الجامع " (٤٨٩٦) .
-
وبالجملة: فلا حجة إلا في الثابت من قوله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنه ما يدل على أنه لا اعتكاف إلا بصوم، بل ثبت عنه ما يخالفه في نذر عمر.
-
وقد روى أبو داود عن عائشة مرفوعا من حديث: " ولا اعتكاف إلا بصوم " .
-
ورواه غيره من قولها، ورجح ذلك الحفاظ.
-
أقول: اعلم أن كون الشيء شرطا لشيء آخر، أو ركنا له أو فرضا من فروضه: لا يثبت إلا بدليل؛ لأنه حكم شرعي أو وضعي، ولم يأت ما يدل على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، بل ثبت الترغيب منه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف؛ ولم ينقل إلينا أنه اعتبر ذلك، ولو كان معتبرا؛ لبينه للأمة.
-
وأما اعتكافه صلى الله عليه وسلم في صومه: فلا يستلزم أن يكون الاعتكاف كذلك؛ لأنه أمر اتفاقي، ولو كان ذلك معتبرا؛ لكان اعتكافه في مسجده معتبرا؛ فلا يصح من أحد الاعتكاف في غيره، وأنه باطل.
-
وأما قول عائشة المتقدم: فظاهر هذا السياق أن لفظ: " ولا اعتكاف إلا بصوم " ؛ ليس من بيان السنة المذكورة في أول كلامها، بل ابتداء كلام منها، فقد أخرجه النسائي؛ ولم يذكر فيه قولها: من السنة.
- vol. 2, p. 43
وكذلك أخرجه أيضا من حديث مالك؛ وليس فيه ذلك.
وقال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: من السنة.
-
وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج، وما عداه ممن دونها.
-
وكذلك رجح ذلك البيهقي (١) ؛ كما ذكره ابن كثير في " إرشاده " .
- (١)• وتبعه الحافظ في " بلوغ المرام "، كما ذكرته في " التعليقات " (٤ / ٤٣) . (ن)
-
ومما يؤيد هذا: حديث: " من اعتكف فواق ناقة " ، وكذلك حديث: " ليس على المعتكف صيام " ؛ وفيهما مقال أوضحه الماتن - رحمه الله - في " شرح المنتقى " .
-
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، أنه اعتكف عشرا من شوال، ولم ينقل عنه أنه صامها، بل روي (٢) عنه أنه اعتكف العشر الأول من شوال، ولا يخفى أن يوم الفطر من جملتها، وليس بيوم صوم.
- (٢)• قوله: " روي " تساهل من المؤلف - رحمه الله -؛ لأن هذه الرواية في " صحيح مسلم " (٣ / ١٧٥) ، وفي " البيهقي " (٤ / ٣١٥) و " أبي داود " (١ / ٣٨٦) . (ن)
-
فالحق عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف لما تقدم، ولما ثبت: أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال: " أوف بنذرك " ؛ وهو متفق عليه.
-
وفي رواية لمسلم: " يوما " مكان: " ليلة " .
-
وما في " الصحيحين " أرجح مما في أحدهما؛ إذا لم يمكن الجمع.
- vol. 2, p. 44
وقد جمع ابن حبان، وغيره بأنه نذر اعتكاف ليلة ويوم.
-
وفي رواية أبي داود، والنسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " اعتكف وصم " ؛ ولكن في إسناده عبد الله بن بديل، وهو ضعيف، وقد ذكر ابن عدي، والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار.
وقال الحافظ في " الفتح " : إن رواية من روى: " يوما " شاذة.
-
وإذا عرفت ما تقدم من عدم انتهاض ما احتجوا به على شرطية الصوم؛ فالحق الحقيق بالقبول: أن الاعتكاف يكون ساعة فما فوقها.
-
بل حديث: " من اعتكف فواق ناقة " ؛ يدل على أنه يكون أقله لحظة مختطفة، وهذا الحديث - وإن لم يكن صالحا للاحتجاج به -: فالأصل عدم التقدير بوقت معين، والدليل على مدعي ذلك.
-
ثم كون اليوم الكامل شرطا للصوم لا يستلزم أن يكون شرطا للاعتكاف؛ لأنه يمكن الاعتكاف بعض اليوم مع الصوم لكل اليوم، فاليوم شرط الصوم لا شرط الاعتكاف؛ على تسليم أن الصوم شرط.