يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه
15 paragraphs · vol. 3, p. 250
- vol. 3, p. 250
(و) يجوز الحكم (بعلمه) ؛ لأن ذلك من العدل والحق اللذين أمر الله بالحكم بهما، وليس في الأدلة ما يدل عى المنع من ذلك.
-
وحديث: " شاهداك أو يمينه " ؛ لا حصر فيه.
-
ومما يؤيد جواز الحكم بعلم الحاكم: ما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم للمدعي: " ألك بينة؟ " ؛ فإن البينة ما يتبين بالأمر، وليس بعد العلم بيان، بل هو أعلى أنواع البيان؛ فإنه لا يحصل من سائر المستندات للحكم إلا مجرد الظن بأن المقر صادق في إقراره، والحالف بار في يمينه، والشاهد صادق في شهادته، وإذا جاز الحكم بمستند لا يفيد إلا الظن؛ فكيف لا يجوز الحكم بالعلم واليقين؟
-
وفي هذه المسألة مذاهب مختلفة.
-
وقد احتج أهل كل مذهب بحجج لا تصلح، ولا تنطبق على محل النزاع.
-
وأقربها: ما أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم من حديث أبي هريرة، قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للمدعي: " أقم البينة " ، فلم
vol. 3, p. 251يقمها، فقال للآخر: " احلف " ، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاص (لا إله إلا الله) " .
-
وفي رواية الحاكم: " بل هو عندك؛ ادفع إليه حقه " (١) .
- (١)• في صحته نظر؛ فإن في سنده عطاء بن السائب؛ وكان قد اختلط. وقد اضطرب في سنده كما تراه في " نيل الأوطار " (٨ / ٢٤٢) . ومن ذلك أن الحاكم أخرجه (٤ / ٩٥) ؛ عن عطاء، عن أبي يحيى، عن ابن عباس ... به نحوه؛ فجعله من مسند ابن العباس، لا من مسند أبي هريرة. وقد رواه شعبة؛ عن عطاء ... مختصرا جدا ليس فيه موضع الشاهد. وسماع شعبة منه قديم؛ فهو صحيح مختصرا. (ن)
-
وأما أقوال الصحابة؛ فلا تقوم بها الحجة؛ إلا إذا أجمعوا على ذلك - عند من يقول بحجية الإجماع -.
-
أقول: حكم القاضي بعلمه؛ هذا هو الحق، ومن منع من ذلك لم يأت بحجة واضحة، وليس في الأدلة المقتضية لوجوب الشاهدين - أو اليمين، أو ما يقوم مقام أحدهما - دليل يدل على انحصار مستند الحكم فيها، ولا ريب أن الحاصل عن مثل الشهادة من عدلين، أو يمين من ثقة، أو نكول، أو إقرار: هو مجرد الظن للحاكم فقط؛ لأن من الجائز أن يكذب الشاهدان، ويفجر الحالف في يمينه، ويكذب المقر في إقراره.
-
وأما العلم؛ فلا يكون إلا عن مشاهدة، أو ما يقوم مقامها، وهو أولى من الظن بلا نزاع.
-
وقد تقرر في الأصول: أن فحوى الخطاب معمول به عند جميع المحققين، وهذا منه؛ فإن العلم أولى من الظن عقلا وشرعا ووجدانا، والأدلة.
- vol. 3, p. 252
العامة شاملة له - كالآيات التي ذكروها -.
-
وتخصيص الحدود بقول عمر (١) مما لا يرتضيه الإنصاف؛ لأن المقام من مجالات الاجتهاد، واجتهاده ليس بحجة على غيره.
- (١)• يعني: قوله: لولا أن يقول الناس: زاد عمر آية في كتاب الله؛ لكتبت آية الرجم؛ رواه البخاري. قلت: وهذا ليس صريحا فيما نحن فيه، ويعارضه ما هو أصرح منه؛ وهو حكم عمر بعلمه على أبي سفيان في قصة رواها ابن عبد البر؛ انظر " الجوهر النقي " (١٠ / ١٤٣) . (ن)
-
ودعوى الإجماع؛ هي من تلك الدعاوى التي قد عرفناك بها غير مرة.
-
وقد حقق الماتن هذا البحث في " شرح المنتقى " (٢) بما لم أجده لغيره.
- (٢)• (٨ / ٢٣٩ - ٢٤٢) . (ن)