(باب تواضع عثمان بن عفان رضي الله عنه
162 paragraphs · vol. 1, p. 1017
Page 2 of 5
- vol. 1, p. 1026
* حدثنا الصلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه.
- vol. 1, p. 1027
عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك قال، أخبرني يحيى ابن أيوب قال، أنبأنا يزيد بن أبي حبيب، عن مرّة بن أبي قيس أنه حدثه: أن رجلا رصد عثمان رضي الله عنه بخنجر، فلما جاء عثمان رضي الله عنه ليدخل تلقاه (فوجأ عثمان وجهه فوقع على استه وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين. قال: أو لست بفاتك؟ قال: لا. والذي لا إله إلا هو (١) فقال عثمان رضي الله عنه :
خذوا الرجل ولا تقتلوه. فقال: ما ترون فيه؟ قالوا: اقتله يا أمير المؤمنين فإن فتنك كثيرة. قال: لم؟ قالوا: لأنه أراد قتلك. فقال: أراد قتلي ولم يرد الله. فتركه ولم يقتله.
-
والأصح في خبره أنه رده إلى محبسه حتى مات، فلما أتي الحجاج بابنه عمير بن ضابئ قال له عنبسة بن سعيد: هذا أتى أمير المؤمنين عثمان قتيلا فلطمه. فقال له الحجاج: أفعلت؟ قال: نعم. قال:
ولم؟ قال: لأنه قتل أبي. قال: أوليس أبوك الذي يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني … تركت على عثمان تبكي حلائله
ثم أمر بضرب عنقه، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
تخيّر فإمّا أن تزور ابن ضابئ … عميرا وإما أن تزور المهلّبا (٢)
-
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة: أن عثمان رضي الله عنه خرج
vol. 1, p. 1028لصلاة الغداة فدخل من الباب الذي كان يدخل منه. فزحمه الباب فقال: انظروا. فنظروا فإذا رجل معه خنجر أو سيف، فقال له عثمان رضي الله عنه : ما هذا؟ قال: أردت أن أقتلك. قال: سبحان الله، ويحك علام تقتلني؟ قال ظلمني عاملك باليمن. قال: أفلا رفعت ظلامتك إليّ؛ فإن لم أنصفك أو أعديك على عاملي أردت ذاك مني؟ فقال لمن حوله: ما تقولون؟ فقالوا يا أمير المؤمنين، عدوّ أمكنك الله منه. فقال: عبد همّ بذنب فكفّه الله عني، آتني بمن يكفل بك: لا تدخل المدينة ما وليت أمر المسلمين. فأتاه برجل من قومه فكفل به، فخلّى عنه.
قال عمران: فوالله ما ضربه سوطا، ولا حبسه يوما.
-
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر، عن أبيه، عن جده: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه اشتكى رعافا فدعا حمران فقال:
اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي. فكتب له، فانطلق حمران فقال: لي البشرى. قال: لك البشرى، وذاك ماذا؟ قال: إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده. فأقبل عبد الرحمن إلى عثمان فقال:
أكان يصلح لك أن تكتب لي العهد من بعدك؛ والله يعلم أني أخشى أن يحاسبني في أهلي ألا أكون أعدل بينهم، فكيف بأمة محمد؟ ! فقال عثمان رضي الله عنه : عزمت عليك، أحمران أخبرك؟ قال:
نعم. فقال: يا حمران فأعاهد الله ألا تساكنني أبدا، فأخرجه.
-
وأما أنت يا أبا محمد فهل ولّيتني هذا الأمر يوم وليته وأنت تقدر
vol. 1, p. 1029على أن تصرف ذلك إلى نفسك، أو تولّيه من بدا لك، وفي القوم من هو أمسّ بك يومئذ رحما مني إلا رجاء الصّلة والإحسان فيما بيني وبينك؟ فقال عبد الرحمن: ولّيتك ما ولّيتك والله يعلم أني قد اجتهدت ولم آل أن أجد خير عباده. أما أنا فكان يعلم الله موضعي ما لم أكن لأليها، وأما أنا فاجتهدت لأمّة محمد فوليت أمرهم خيرهم، فإذا سألني قلت: يا رب وليت أمرهم خيرهم (فيما (١) أعلم. قال عثمان: فاجتهدت أنت لنفسك وحرصت، وأنا والله ما آلو أن أجتهد وأحرص في أفضل من أعلم، والله لا أفتكّ هذا من رقبتك أبدا. فلما رأى ذلك عبد الرحمن انصرف، فقام بين المنبر والقبر فدعا فقال: اللهم إن كان من تولية عثمان إيّاي ما ولاّني فأمتني قبل عثمان فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله (٢) .
-
* حدثنا ابن وهب قال، حدثني الليث بن سعد: أن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه خرج إلى العمرة في خلافة عثمان رضي الله عنه فاشتكى عثمان بعده حتى خاف على نفسه، وأوصى ودعا مولاه حمران فكتب عهده في الناس، واستخلف عبد الرحمن بن عوف في عهده، وأمر حمران ألا يذكر لبشر، فلم يرجع عبد الرحمن من العمرة حتى عوفي عثمان رضي الله عنه ، فانطلق حمران إلى ابن عوف حين قدم فرحّب به، ثم أخبره بالذي كان من استخلافه إيّاه على الأمة واستكتمه، فقال عبد الرحمن: ما يسعني أن أكتم ذلك عنك، ومالي بد أن أخبره إيّاه ليحذرك. قال: أهلكتني. قال: إني لم أفعل
vol. 1, p. 1030حتى أستأمن لك منه. فأناه عبد الرحمن مسلّما ودعا له فيما رزقه الله من العافية، ثم قال: إن لبعض الناس ذنبا لا إثم عليك في العفو عنه، فهب ذلك لي. قال: ما أنا بفاعل حتى تخبرني ما هو، قال: ما أنا بمخبرك، ولكن أعطني ذلك. فلم يزل به حتى فعل، فقال: قد عفوت عنه إن كان شيئا لا إثم فيه. فذكر له أمر حمران.
فقال: أخيّره في العقوبة أو فراقي. فقال: حمران أفشيت سري؟ ! قال: قد كان ذلك. قال: فاختر أي ذلك شئت؛ إن شئت أن أجلدك مائة سوط، وإن شئت أن تخرج فلا أراك ولا تراني. فاختار الخروج إلى العراق، فأصاب هنالك - لمكانته من عثمان - مالا وولدا؛ فلهم بالعراق عدد وشرف وأموال (١) .
-
* حدثنا علي بن محمد، عن عيسى بن يزيد، عن شيخ من أهل مكة، عن عبد الملك بن حذيفة قال: قدم المغيرة بن شعبة على عثمان رضي الله عنه بمال من الكوفة، فقال له أصحابه: كيف رأيت سرور أمير المؤمنين بما قدمت به عليه؟ قال: رأيت له وجها لا يردني على الكوفة أبدا. قال: وما يدريك؟ قال: هو ما أقول لكم. وجعل المغيرة لبحران حاجب عثمان جعلا على أن يأتيه بخبر من يستعمل عثمان؛ إذا استعمل أحدا على الكوفة. فأتاه فقال: فقد استعمل سعد بن أبي وقّاص. فأتى المغيرة عثمان فقال: يا أمير المؤمنين هل شكاني إليك أحد، أو بلغك عني أمر كرهته؟ قال: وما ذاك؟ قال: لم عزلتني واستعملت سعدا؟ قال: وكان ذاك؟ قال: نعم.
vol. 1, p. 1031قال: ومن أخبرك؟ قال: الأمر أشيع (١) من ذاك. فأرسل عثمان إلى سعد فأتاه، فقال: هل أعلمت أحدا؟ قال: لا. فأرسل إلى المغيرة فقال: والله لتخبرنيّ من أخبرك أو لأسيلنّ دمك (قال (٢) :
لأقصن لك، فأخبره. فدعا ببحران فضربه ستّين سوطا، وحلق رأسه، وأمر أن يطاف به في السوق. فقال هوذة السلمي:
لا بعد بحران يفشي سرّنا ملك … ستّون سوطا ورأس بعد محلوق
وطيف في السّوق أعلاها وأسفلها … لم يلقه قبله في الناس مخلوق
قال: فعاب ذلك ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فأعتقه.
-
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا الليث بن سعد، أن يزيد بن أبي حبيب حدثه، عمّن حدثه: أن عبد الرحمن بن عوف أرسل إلى عثمان رضي الله عنه وهو مريض يعاتبه في بعض ما عتب الناس عليه فيه، وقال لرسوله:
اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وقل له: لقد ولّيتك ما ولّيتك من أمر الناس، وإن لي لأمورا ما هي لك؛ لقد شهدت بدرا وما شهدتها، وشهدت بيعة الرضوان وما شهدتها، ولقد فررت يوم أحد وصبرت.
فقال عثمان لرسوله: اقرأ على أخي السلام وقل له: أمّا ما ذكرت من شهودك بدرا وغيبتي عنه، فقد خرجت للذي خرجت له فردني رسول الله ﷺ من الطريق إلى ابنته التي كانت تحتي لما بها من المرض، ووليت من ابنة رسول الله ﷺ
vol. 1, p. 1032الذي يحق عليّ حتى دفنتها، ثم لقيت رسول الله ﷺ منصرفه من بدر فبشّرني بأجر عند الله مثل أجوركم، وأعطاني سهما مثل سهمانكم، فأنا أفضل أم أنتم؟ وأما بيعة الرضوان فإن رسول الله ﷺ كان بعثني إلى قريش لأستأذن له بالدخول بالهدي؛ يطوف بالبيت، وينحر بدنه، ويحلّ من عمرته، فاستبطأني رسول الله ﷺ ، وخاف أن يكون غدر بي فهاجه مكاني على بيعة الرضوان، فلما فرغ من بيعتكم ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: هذه بيعة عثمان، أفأيديكم أفضل أم يد رسول الله ﷺ ؟! وأما ما ذكرت من صبرك يوم أحد وفراري فقد كان ذاك، فأنزل الله العفو عني في كتاب، فعيّرتني بذنب غفره الله لي، ونسيت من ذنوبك ما لا تدري أغفر لك أم لم يغفر. فلما جاءه الرسول بهذا بكى. وقال: صدق والله أخي: لقد عيّرته بذنب غفره الله له، ونسيت من ذنوبي ما لا أدري أغفرت لي أم لم تغفر (١) .
-
* حدّثنا عن ابن أبي شيبة قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد:
مالك لا تأتي أمير المؤمنين - يعني عثمان - ولا تغشاه؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه عني أني لم أغب عن بدر، ولم أفرّ يوم عيين - يعني يوم أحد - ولم أخالف سنة عمر. قال: فأخبر الوليد عثمان
vol. 1, p. 1033رضي الله عنه فقال: أما يوم بدر فإنما (كانت على ابنة رسول الله ﷺ ، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ فيها بسهم (١) ، وأما يوم عيين فلم تعيّرني بذنب قد عفا الله لي فيه فقال «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» (٢) الآية.
-
وأما سنّة عمر رضي الله عنه ، فوالله ما أظنني أنا ولا هو (يطيق (٣) سنّة عمر رضي الله عنه .
-
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون قال، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: بينما نحن جلوس مع عبد الرحمن بن عوف في منزله إذ جاء رجل فسلم فرد عليه عبد الرحمن السلام، فقال له الرجل: قم إليّ هاهنا أكلّمك. فقام معه عبد الرحمن فوقف معه بين الباب والسّتر، ثم دخل علينا كأن وجهه البسر صرفا (٤) ، فقلت له: لقد دخلت بوجه ما خرجت به. فقال: أجل؛ هذا رسول عثمان دعاني فشتمني ما شاء ثم ذهب.
-
* حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، حدثنا عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أنس بن الحدثان قال: جاء
vol. 1, p. 1034أبو ذرّ وأنا جالس مع عثمان رضي الله عنه فسلّم عليه عثمان رضي الله عنه وقال: كيف أنت يا أبا ذرّ؟ فقال: كيف أنت؟ وولّى وجهه، فاستفتح «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» رفع بها صوته حتى إن للمسجد لرجّه، أو للجة - شك أبو عاصم - قال: فانتهت به القراءة إلى سارية فركع ركعتين فجوّد فيهما، وركبه الناس - وأنا في الناس - فقالوا:
يا أبا ذرّ حدثنا عن رسول الله ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: في الإبل صدقتها والبقر صدقتها، والغنم صدقتها، وفي البرّ صدقته، ومن جمع دنانير أو دراهم أو تبر ذهب أو تبر فضة لا ينفقه في سبيل الله ولا يعده لغريم فهو كنز يكوى به يوم القيامة. قال فقلت: يا أبا ذرّ اتّق الله وانظر ما تقول؛ فإن هذه الأموال قد كنزت في الناس. فقال: يا ابن أخي من أنت؟ فانتسبت له. فقال: قد عرفت نسبك الأكبر. يا ابن أخي، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم قال: أليس الله يقول «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ» (١) قال قلت: بلى، قال:
فافقه إذن يا ابن أخي (٢) .
-
* حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن خماش، عن مالك بن أنس بن الحدثان قال: كنت أسمع بأبي ذرّ، فلم يكن أحد أحبّ إليّ أن أراه أو ألقاه منه، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك في الشام حاجة فأخرج أبا ذرّ منه؛ فإنه قد نفل (٣) الناس عندي، فكتب إليه عثمان رضي الله عنه يأمره
vol. 1, p. 1035بالقدوم، فلما قدم تصايح الناس: هذا أبو ذرّ، فخرجت أنظر إليه فيمن ينظر، فدخل المسجد فصلّى ركعتين، ثم أتى عثمان رضي الله عنه حتى وقف عليه، فما سبّه ولا أنّبه، فقال له عثمان رضي الله عنه : أين كنت حين أغير على لقاح رسول الله ﷺ ؟ قال: كنت على البئر أستقي، ثم رفع أبو ذرّ بصوته الأشدّ فقال: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ» (١) إلى آخر الآية. فأمره عثمان رضي الله عنه أن يخرج إلى الرّبذة فخرج (٢) .
-
* حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن محمد بن هلال، عن (عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذرّ (٣) على عثمان (بن عفان (٤) فدخلنا عليه من الباب الذي لا يدخل منه، فانتهى إليه فسلّم عليه فقال: لو أمرتني أن آخذ بعرقوبي قتب لأخذت بهما حتى أموت؛ فاستأذنه للرّبذة فقال: نأذن لك، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة فتصيب من نسلها (٥) . فنادى أبو ذرّ رضي الله عنه : دونكم معاشر قريش دنياكم فاحزموها (٦)
- vol. 1, p. 1036
فلا حاجة لنا فيها، فما زاد على ذلك شيئا. فانطلق وانطلقت حتى قدمنا الرّبذة، فإذا عليها حبشي مولى لعثمان رضي الله عنه ، فنودي للصلاة فتقدّم فنكص فأومى إليه أبو ذرّ رضي الله عنه ، فتقدّم فصلّى. فصلّى خلفه أبو ذرّ رضي الله عنه (١) .
-
* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، ابن شوذب حدثنا، عن مطرف، عن حميد بن هلال، عن عبد الله ابن الصامت قال: دخلت مع أبي ذرّ رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه . قال: وعلى أبي ذرّ عمامة فرفع العمامة عن رأسه وقال: إني والله يا أمير المؤمنين ما أنا منهم - قال ابن شوذب: يعني من الخوارج ولو أمرتني أن أعض على عرقوبي قتب لعضضت عليهما حتى يأتيني الموت وأنا عاضّ عليهما. قال: صدقت يا أبا ذر، إنّا إنما أرسلنا إليك لخير؛ لتجاورنا بالمدينة. قال: لا حاجة لي في ذاك، ايذن لي في الرّبذة. قال: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح. قال: لا حاجة لنا في ذاك، يكفي أبا ذرّ صرمته (٢) . قال ثم خرج، فلما بلغ الباب التفت إليهم فقال: يا معاشر قريش اعذموها ودعونا وديننا.
قال: ودخل عليه وهو يقسم مال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بين ورثته وعنده كعب (٣) فأقبل عثمان رضي الله عنه فقال:
يا أبا إسحاق ما تقول في رجل جمع هذا المال فكان يتصدّق منه،
vol. 1, p. 1037ويحمل في السبيل، ويصل الرّحم؟ فقال: إني لأرجو له (خيرا (١) فغضب أبو ذرّ، ورفع عليه العصى وقال: ما يدريك يا ابن اليهودية ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة أن لو كان عقارب تلسع السّويداء من قلبه (٢) .
-
* حدثنا حجاج بن نصير قال، حدثنا قرّة، عن محمد بن سيرين قال: خرج أبو ذرّ رضي الله عنه إلى الشام، فشكاه معاوية رضي الله عنه ، فبعث عثمان رضي الله عنه إليه، فلما قدم عليه قال: يا أمير المؤمنين إني والله لست منهم. قال: أجل، ولكنما أردنا أن تروح عليك اللقاح وتغدو. قال: لا حاجة لي في دنياكم.
-
فخرج حتى أتى الرّبذة. فكان محمد إذا ذكر له أن عثمان رضي الله عنه سيّره أخذه أمر عظيم، ويقول: هو خرج من قبل نفسه ولم يسيّره عثمان (٣) .
-
* حدثنا الحكم بن موسى، وهارون قالا، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن غالب القطان قال، قلت للحسن: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال: لا، معاذ الله (٤) .
-
* حدثنا محمد بن حاتم، وأحمد بن معاوية (عن (٥) هشيم
vol. 1, p. 1038عن (حصين، عن زيد) بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ» (١) فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت أنا: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه كلام في ذلك، فكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر الناس عليّ حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك.
-
فذكرت ذلك لعثمان رضي الله عنه فقال: إن شئت تنحّيت وكنت قريبا؛ لذلك أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا عليّ حبشيا لسمعت، وأطعت (٢) .
-
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا الحكم بن أبي القاسم أبو عروة الدباغ قال، حدثني حميد بن هلال، عن الأحنف بن قيس قال: كنت بالمدينة لنأتي عثمان رضي الله عنه إذ خرج رجل من دار الأمير، فلما توسّط المسجد وقريش حلق حلق في المسجد قال:
ألا ليبشر أهل الكنوز بكيّ في جباههم، والكيّ في جنوبهم، والكيّ في ظهورهم لم تعذر قريش. فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذرّ.
-
* حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي نضرة، عن الأحنف بن قيس قال:
كنت في مسجد المدينة في إمارة عثمان رضي الله عنه فإذا رجل آدم
vol. 1, p. 1039طويل، وإذا هو أبو ذر، فدخل المسجد فقام فقال: بشّر أصحاب الكنوز بكيّ في الجباه، وكيّ في الجنوب، وكيّ في الظهور حتى يتّقي الحرق إخوانهم.
-
* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن عثمان رضي الله عنه أرسل إلى أبي ذرّ وهو بالشام، فلما أتاه قال: إيذن لي يا أمير المؤمنين أتكلّم، قال: اجلس، ثم أعادها عليه، فقال له: اجلس، ثم أعادها الثالثة فقال يا أمير المؤمنين إيذن لي فوالله لا أقول إلا خيرا.
قال: تكلّم. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
كيف بك يا أبا ذرّ إذا أخرجت؟ فبكيت فقلت: فأين تأمرني يا رسول الله؟ قال: هاهنا، وأشار نحو الشّام، وإن أمّر عليك عبد أسود مجدّع فاسمع له وأطع (١) .
-
* حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، وثابت بن الحجاج وغيرهما: أن أبا ذرّ رضي الله عنه جاء عثمان بن عفّان رضي الله عنه حتى ارتفعت أصواتهما، ثم إن أبّا ذرّ انصرف وهو يبتسم، فقال الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ فقال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء لأتيتها.
-
* حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا بكار بن عبد الله الربعي قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، حدثني الوليد بن نفيع، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أبو ذرّ رضي الله عنه
vol. 1, p. 1040يستأذن على عثمان رضي الله عنه وأنا عنده - فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا أبو ذرّ يستأذن. قال: إيذن له إن شئت فإنه يؤذينا ويشقينا. قال: فأذنت له، فأقبل حتى قعد على سرير من سرر يقال لها النّجدية ذي قوائم أربع يرجف به السّرير من طوله وعظمه - وكان طويلا عظيما - فقال له عثمان رضي الله عنه : أنت الذي تزعم أنّك خير من أبي بكر وعمر؟ ! قال أبو ذرّ رضي الله عنه :
ما قلت هذا. قال عثمان: إني أقيم عليك البيّنة. قال: ما أدري ما بيّنتك قد عرفت ما قلت، قال: فكيف قلت؟ قال: قلت إن رسول الله ﷺ قال: إن أحبّكم إليّ وأقربكم مني الذي يأخذ بالعهد الذي تركته عليه حتى يلحقني. وكلكم قد أصاب من الدّنيا غيري؛ فأنا على العهد وعلى الله البلاغ. قال له عثمان رضي الله عنه : الحق بمعاوية، فأخرجه إلى الشّام، فلمّا قدم على معاوية رضي الله عنه قدم رجل حديث العهد برسول الله ﷺ فأخذ بقلوب النّاس فأبكى عيونهم، وأوغر (١) صدورهم، وكان فيما يقول: لا يبقينّ في بيت أحد منكم دينار ولا درهم ولا تبر ولا فضّة إلا شيء ينفقه في سبيل الله أو يعدّه لغريم. فأنكر معاوية رضي الله عنه الناس، فبعث إليه معاوية رضي الله عنه جنح الليل بألف دينار أراد أن يخالف فعله قوله وسريرته علانيته. فلما جاءه الرسول قسّم الألف فلم يصبح عنده منها دينار ولا درهم.
-
فلمّا أصبح معاوية رضي الله عنه دعا الرّسول فقال له: انطلق إلى أبي ذرّ فقل له: أنقذ لي جسدي من عذاب معاوية أنقذ الله جسدك
vol. 1, p. 1041من النار؛ فإنه أرسلني إلى غيرك فأخطأت بك. فقال له أبو ذر:
اقرأ على معاوية السلام وقل له: يقول لك أبو ذرّ: ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار واحد، فإن آخذتنا بها فأنظرنا ثلاث ليال نجمعها لك. فلمّا رأى معاوية أنّ فعله يصدّق قوله، وسريرته تصدّق علانيته كتب إلى عثمان رضي الله عنه : إن كان لك بالشام حاجة فأرسل إلى أبي ذرّ؛ فإنّه قد أوغر صدور الناس عليك. فكتب إليه عثمان رضي الله عنه : أن الحق بي (١) .
-
* حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا صالح بن عمر قال، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية عن بدر بن خالد الحرمي قال: كنت جالسا عند عثمان رضي الله عنه إذ جاء شيخ: فلمّا رآه القوم قالوا: أبو ذرّ. فلما رآه قال: مرحبا وأهلا يا أخي. فقال أبو ذرّ: مرحبا وأهلا يا أخي، لعمري لقد غلّظت في العزمة وأيم الله لو أنك عزمت على أن أحبو لحبوت ما استطعت أن أحبو.
-
* حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبي قال، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قال:
أرسل عثمان رضي الله عنه إلى أبي ذر فقال: لست منهم؛ لو أمرتني أن أتعلّق بعرقوة قتب لتعلّقت به حتى أموت (٢) .
- vol. 1, p. 1042
* حدثنا عفّان قال، حدّثنا حمّاد بن زيد قال، حدثنا هشام … (١) قال: مرّ عثمان بسبخة فقال: لمن هذه؟ قالوا: لفلان؛ اشتراها عبد الله بن جعفر بستين ألفا، فقال: ما سرّني أنها لي بنعليّ، قال فجزّأها عبد الله ثمانية أجزاء لقد ألقى فيها العمار فأقبلت فركب عثمان رضي الله عنه ركبة فقال: لمن هذه؟ فقيل: هذه الأرض التي اشتراها عبد الله بن جعفر من فلان. فأرسل إليه أن ولّني جزأين منها. قال: أما والله دون أن ترسل إلى الذين سفهتني عندهم فيطلبون ذلك إليّ فلا أفعل. فأرسل إليه: إني قد فعلت.
قال: والله لا أنقصك جزأين من عشرين ومائة ألف. قال: قد أخذتها.
-
* حدثنا صلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح قال، سمعت عبد الله بن المبارك يحدث عن محمد بن إسحاق قال، حدثني جهيم بن الجهم قال، حدثني عبد الله ابن جعفر - وقال، حدثني من سمع عبد الله بن جعفر يحدث - قال:
كان علي رضي الله عنه لا يحضر الخصومة ويقول: إن لها لحمي، وإن الشيطان يحضرها، وقد كان جعل خصومة إلى عقيل بن أبي طالب، فلما كبر ورقّ حوّلها إليّ، فكان إذا دخلت عليه خصومة أو نوزع في شيء قال: عليكم بعبد الله بن جعفر فما قضى عليه فعل وما قضى له فلي. فوثب طلحة بن عبيد الله في ضفيرة كان عليّ ضفرها على الذي له بيننا، وكانت له إحدى عدوتي الوادي، وكانت الأخرى لطلحة. فقال طلحة: حمل عليّ السيل فأضرّ بي، فاختصما
vol. 1, p. 1043فيها إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فلما كثر الكلام منا فيها قال: إني راكب غدا معكم في ركب من المسلمين؛ فإن رأيت ضررا أزلته. قال فركب وركبنا معه - وفي قدمة قدمها معاوية من الشام فركب معنا - فو الله لكأني أنظر إليه على بغلة بيضاء تعتق أمام الركب ونحن نتداول الخصومة إذ رمى بكلمة عرفت أنه رفدني بها قال: يا هذان إنكما قد أكثرتما علي، أرأيت هذه الضفيرة كانت لي في زمان عمر رضي الله عنه فلقيتها منه - فقلت: نعم والله أن كانت لفي زمان عمر رضي الله عنه . قال فقال الركب جميعا: كلا والله لو كانت ضررا ما أقرّه عمر رضي الله عنه . قال: فالله يعلم ما انتهينا إليه حتى نرد عليه القضاء أن قيل أن كان في زمان عمر، فلما انتهى إليها عثمان رضي الله عنه قال: والله ما أرى ضررا، وقد كان في زمن عمر رضي الله عنه ، ولو كان ظلما ما أقره.
-
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال، سمعت علي بن الحسين يحدث عن مروان بن الحكم قال: شهدت عليا وعثمان رضي الله عنهما بين مكة والمدينة، فنهى عثمان رضي الله عنه عن العمرة في أشهر الحجّ، أو أن يجمع بينهما. فلما رأى ذلك عليّ رضي الله عنه أهلّ بهما جميعا، وقال لبّيك بعمرة وحجة معا، فقال له عثمان رضي الله عنه : تراني أنهى عن شيء وتفعله؟ ! فقال: ما كنت لأدع سنّة رسول الله ﷺ (١) لأحد من الناس.
vol. 1, p. 1044* وحدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت ( … (١) وأتاه عثمان بعسفان، وما اجتمعا بعدها، فنهى عثمان رضي الله عنه أن يجمع بينهما - يعني الحجّ والعمرة - فقال له عليّ رضي الله عنه :
ما تريد إلى شيء فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ قال:
دع ذا منك، قال: لا أدعك منّي، فلما رأى ذلك عليّ رضي الله عنه أهلّ بهما جميعا (٢) .
-
* حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن حميد بن حسان، عن علي بن حسين قال: لبّى عليّ رضي الله عنه بالحج والعمرة جميعا، وعثمان رضي الله عنه يسير في موكبه، فقال رجل من موكب عثمان رضي الله عنه : من هذا الذي يلبّي؟! إن هذا لأحمق أو مجنون. فقالوا: هذا أبو تراب (٣) . فسكتوا فما يدمدم إنسان.
-
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال، حدثني سعيد بن المسيّب قال:
شهدت عليا وعثمان رضي الله عنهما كان بينهما نزغ من الشيطان فوالله ما أبركا شيئا (٤) ، ولو شئت أن أخبر بما قال كلّ واحد منهما لصاحبه لفعلت، ثم لم يقوما حتى استغفر كلّ واحد منهما للآخر.
-
* حدثنا معمر بن عمر قال، حدثنا أبو يوسف - يعني القاضي -
vol. 1, p. 1045عن محمد بن عبد الرحمن بن سلمة، عن مروان بن الحكم قال:
اشتكى عليّ رضي الله عنه شكوى آدت منه فأتاه عثمان رضي الله عنه عائدا وأنا معه فقال: كيف أنت؟ كيف تجدك؟ حتّى إذا فرغ من مسألة العيادة قال: والله ما أدري أنا دونك أسرّ أم ببقائك؟ والله لئن متّ لا أجد منك خلفا، ولئن بقيت لا أعدم طاعنا غائبا يتّخذك عضدا أو يعدّك كهفا لا يمنعني منه إلا مكانه منك ومكانك منه، فأنا مثلي كأبي العاق إن مات فجعه وإن عاش عقّه، فإما سلم فنسالم وإما حرب فننابز، ولا تجعلنا بين السماء والماء، إنك والله لئن قتلتني لا تجد منّي خلفا وإن قتلتك لا أجد منك خلفا، ولن يلي هذا الأمر بادئ فتنة، وإنّ أعز الناس به الرابض مع العنز، قال فحمد الله عليّ وأثنى عليه وقال: إن فيما تكلّمت به لجوابا، ولكنّي عن جوابك مشغول. ولأقولنّ كما قال العبد الصالح «أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ» (١) قال فقلت: إنا إذن والله لنكسرنّ رماحنا ولنقطعنّ سيوفنا، ولا نكون في هذا الأمر حينا لمن بعدنا. قال فقال عثمان رضي الله عنه في صدري: اسكت، ما أنت وذاك لا أمّ لك (٢) !! * حدثنا معمر قال، حدثنا أبو يوسف القاضي، عن ابن أخي عمرو بن دينار، عن عمرو بن دينار قال: تذاكرنا أمر عثمان رضي الله عنه عند عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما ؛ فمنّا العاذر له، ومنّا اللاّئم، فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ما سمعت من
vol. 1, p. 1046أبي أمرا قطّ يعذره فيه ولا يلومه، ولقد كنت أكره أن أذكر عنده شيئا من ذلك فأهجم على ما لا يوافقه فأنا عنده ليلة نتعشّى فقيل هذا أمير المؤمنين يستأذن بالباب، فأذن له ووسّع له معه على فراشه، فأصاب من العشاء حتى رفع، قال فتفرّق الناس وثبتّ، فحمد الله عثمان وأثنى عليه ثم قال: أما بعد (*) فإني قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك عليّ؛ سبّني وشهّر أمري، وقطع رحمي، وطعن في ديني، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب؛ إن كان لكم حقّ تزعمون أنّكم غلبتم عليه، فقد تركتموه في يدي من فعل ذلك بكم، وأنا أقرب إليكم رحما منه، وما لمت منكم أحدا إلا عليّا، ولقد دعيت أن أبسط عليه فتركته لله والرّحم، وأنا أخاف ألا يتركني فلا أتركه.
قال ابن عباس: فحمد أبي الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا ابن أختي فإن كنت لا تحمد عليّا لنفسك فإني لا أحمدك لعليّ، وما عليّ وحده قال فيك، بل غيره، فلو أنّك اتّهمت نفسك للناس اتّهم الناس أنفسهم لك، ولو أنّك نزلت مما رقيت وارتقوا ممّا نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس.
قال عثمان: فذلك إليك يا خال، وأنت بيني وبينهم، قال:
أفأذكر لهم ذلك عنك؟ قال: نعم، وانصرف. فما لبثنا أن قيل:
هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب. قال أبي: ائذنوا له، فدخل فقام قائما ولم يجلس، وقال: لا تعجل يا خال حتى أوذنك. فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالسا بالباب ينتظره حتى خرج، فهو الذي ثناه عن رأيه الأول.
- vol. 1, p. 1047
فأقبل عليّ أبي وقال: يا بني ما إلى هذا من أمره شيء، ثم قال:
يا بني املك عليك لسانك حتى نرى ما لا بدّ منه. ثم رفع يديه فقال: اللهم اسبق بي مالا خير لي في إدراكه، فما مرّت جمعة حتى مات رحمه الله (١) .
-
* حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت قال، أخبرني محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزّهري قال: اشتكى عثمان رضي الله عنه فدخل عليه عليّ رضي الله عنه عائدا فقال عثمان رضي الله عنه حين رآه:
وعائدة تعود بغير نصح … تودّ لو أنّ ذا دنف يموت (٢)
-
* حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن جعفر بن يرقان، عن ميمون بن مهران قال: بلغ عليّا رضي الله عنه أن عثمان رضي الله عنه يريد أن يذكره ويذكر جلساءه إذا صلّى الظّهر، فجاء عليّ رضي الله عنه إلى عمّه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: يا عم إنه بلغني أن أمير المؤمنين يريد أن يذكرني إذا صلى الظهر وجلسائي، وإن الناس قد كثروا وأنا أتقي أن يذكرني فأته فانهه عن ذلك، فدخل العباس على عثمان رضي الله عنهما وهو على وسادة له، فحين رآه تنحى عنها حتى جلس العباس رضي الله عنه عليها، فقال له: ما حاجتك يا عم رسول الله ﷺ ؟ فقال:
vol. 1, p. 1048أخوك في دينك، وابن عمك في النسب بلغه أنك تريد ذكره إذا صليت الظهر وأصحابه، فلا تفعل. قال: لا آتي ما تكرهون؛ فإن شئت فمر أخي في ديني وابن عمي في النسب فلئن شاء فليكن أول داخل وآخر خارج وأدناهم مجلسا. فلقي العباس عليّا رضي الله عنهما فقال: ابن أخي أحب لك أن تكف؛ فإن أخاك في دينك وابن عمك في النسب قال بعد أن قلت ذاك: ولكن لا أفعل ما تكرهون جهرا في الإسلام، وابن عمي في النسب فليكن أول داخل وآخر خارج وأدناهم مجلسا مني. فقال له عليّ رضي الله عنه : يا عم لو أردت ذلك لفعله لي ولكن أبى علّي وعليه الكتاب.
قال عطاء، وحدثني بعض أصحابنا قال: فقال العباس رضي الله عنه : اللهم لا تبقني لقتله. فمات قبله بشيء.
-
* قدم تميم بن مقبل العجلاني (١) المدينة، وقد اشتد الطعن على عثمان رضي الله عنه ؛ فسمعهم يذكرون أن عليا رضي الله عنه رأس ذلك الطعن، فدخل يوما على عثمان رضي الله عنه وعليّ رضي الله عنه إلى جانبه متكئ على وسادة - وهو لا يعرف عليّا - فسأل عن المتكئ فأخبر أنه عليّ، فقال حين رجع إلى بلاده:
vol. 1, p. 1049خرجنا وغادرنا ابن عفّان مدنفا … من السّيف لا يسلك (إلى) السيف ضاربه
وذو دائه مستحجن بوساده … إذا شاء غاداه وغابت طبائبه
وبالمصر طبّ إن أرادوا دواءه … وبالشام ليث تقشعر مناحبه
فإن تقتلوه تلفظ الأرض بطنها … على الناس فيه فرثه وأقاتبه
* حدثنا أحمد بن معاويه قال، حدثنا إسماعيل بن مجالد ابن سعيد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد: أن الوليد بن عقبة كتب إلى عثمان رضي الله عنه يبغضه على ابن مسعود، وأن عثمان رضي الله عنه سيّره من الكوفة إلى المدينة وحرمه عطاءه ثلاث سنين.