(باب تواضع عثمان بن عفان رضي الله عنه

162 paragraphs · vol. 1, p. 1017

Page 3 of 5

  1. * حدثنا حيان بن بشر ( ....... (١) عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال: بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله:

    إما أن تدع هؤلاء الكلمات (٢) وإما أن تخرج؟ فخرج عبد الله، فبلغ ذلك أهل الكوفة فخرجوا في السلاح حتى وصلوا الجبّانة، فقالوا له: ارجع فإنا لا نأمن هذا الرجل عليك والله لا يصل إليك أحد ونحن أحياء. فقال عبد الله: إن له عليّ بيعة، وإنه كائن أمر، وإني أكره أن أكون أول من فتحه؛ عزمت عليكم لترجعنّ. فرجعوا.

    vol. 1, p. 1049
  2. * حدثنا (أبو بكر الباهلي قال، حدثنا إسماعيل بن مجالد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: أوصى عبد الله إلى الزبير وأمره ألا يصلي عليه عثمان، فلما مات عجّله، وانتهى عثمان رضي الله عنه إلى القبر حين رفعوا أيديهم من التراب فقال: يا زبير لم لم تؤذن (١) أمير المؤمنين ولم تعلمه؟ قال الزبير: إنما كرامة الميّت تعجيله. فقال عثمان رضي الله عنه : فعلت هذا عمدا، لم يكن بك تعجيله، لولا أن تكون سنّة لنبشته حتى أصلي عليه. فقال الزّبير: ما كنت تصل إلى ذاك. وتفرقا.

    vol. 1, p. 1050
  3. ثم أتى على ذلك ما شاء الله، ثم كلم الزبير عثمان رضي الله عنهما فقال: يا أمير المؤمنين عيال عبد الله أحق بعطائه من بيت المال. فدفع إليه عطاءه (٢) .

  4. * حدثنا عنان قال، حدثنا معمر قال، سمعت أبي يحدّث قال، حدثنا أبو ندرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد: أن عثمان رضي الله عنه نهى عن الحكرة، قال فلم يزل الرجل يستشفع حتى بدل مولاه. فدخل الزبير رضي الله عنه السوق فإذا هو بموال لبني أميّة يحتكرون فأقبل عليهم ضربا، فبينما هو كذلك إذا هو بعثمان رضي الله عنه مقبل على بغلة له، فمشى إليه فأخذ بلجام البغلة فهزّها هزّا شديدا - قال وأراه قال: إنك وإنك - فقال: إنك ضالّ

    vol. 1, p. 1051مضلّ، غير أنه قد اشتد عليه في القول ثم تركه. فلما نزل ألقيت له وسادة فجلس عليها، وجاءه الزبير (فسلم عليه وقال: والله يا أمير المؤمنين إني لأعلم أن لك حقا ولكني رجل إذا رأيت المنكر لم أصبر. فقال له عثمان رضي الله عنه : اجلس هاهنا. فأجلسه على الوسادة إلى جنبه (١) .

  5. * حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا إسماعيل، عن قيس قال:

    دخل عثمان على عبد الله وهو مريض يعوده فقال: كيف تجدك؟ قال:

    مردود إلى مولاي الحق. قال: يرحمك الله - أو طبت - شك يزيد (٢) .

  6. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: لما بلغ عثمان أن عبد الله مريض حمل إليه عطاءه خمسة عشر ألفا، وكان عطاء البدريين خمسة آلاف، فدخل عليه عثمان رضي الله عنه فقال: كيف تجدك؟ قال: مردود إلى مولاي الحق. قال: يرحمك الله، كأنها ظنّة، هذا عطاؤك خمسة عشر ألفا فاقبضه. قال: منعتنيه إذ كان ينفعني! فأنا آخذه منك يوم القيامة. فانصرف ولم يقبل عطاءه (٣) .

  7. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: دخل عثمان رضي الله عنه على عبد الله يعوده وقال:

    vol. 1, p. 1052هذا عطاؤك فخذه. قال: لا حاجة لي فيه؛ منعتني إذ كان ينفعني - وكان حرمه عطاءه عامين (١) .

  8. * أخبرنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا المسعودي، عن القاسم، وعمران بن عمر قالا: دخل عثمان رضي الله عنه على عبد الله يعوده، فاستغفر كل واحد منهما لصاحبه (٢) .

  9. * حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا المسعودي، عن القاسمي بمثله، وزاد: فلما قام نال رجل من عثمان. فقال عبد الله: ما سرني أني أردت عثمان بسهم فأخطأه وأن لي مثل أحد ذهبا (٣) .

  10. * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي يعفور، عن سلمة بن سعيد قال: ما سمعت ابن مسعود رضي الله عنه قائلا لعثمان سواقط، ولقد سمعته يقول لئن قتلتموه لا تستخلفونه (٤) .

  11. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي: أن رجلا من بني أميه غصب رجلا من أهل اليمن إبلا له، فجاء الرجل إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، إن فلانا غصبني إبلي. فقال عثمان: نحن نرد عليك إبلك بفصالها. قال: إذن لا تبلغوا واديّ حتى تهلك فصالها وتنقطع ألبانها.

  12. فأومى إليه بعض القوم فقال: قل اجعل بيني وبينك عبد الله ابن مسعود. فنظر عثمان رضي الله عنه فإذا هو بابن مسعود في غمار الناس، فقال: قل فيها يا أبا عبد الرحمن. فقال: كدت (١) أقول فيها، وإنك تزعم أني كافر. قال: قلت ذاك ولكني وجدت عليك فيما يجد فيه الأخ على أخيه. فقال عبد الله: إنك إن دفعت إليه إبله هاهنا لم تبلغ واديه حتى تنقطع ألبانها وتهلك فصالها، ولكن ادفع إليه إبله بألبانها وفصالها بواديه.

    vol. 1, p. 1053
  13. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق: أر ( ..... (٢) حذيفة، فطلبته عند أبي موسى فوجدته وحذيفة وأبا موسى في غرفة أبي موسى فجعل … (٣) يقع في عثمان رضي الله عنه ويتناوله ويقول: هو وهو … (٤) قال حذيفة: على ذلك لو أنه أرسل إليك الآن يا أبا موسى فاستعملك على البصرة، واستعملك يا أبا عبد الرحمن على بيت المال، واستعملني على المدائن لرضينا وسكتنا، وكنا خلفاء نرضى أو نسكت. فقال عبد الله: إنا إذا لقوم سوء.

  14. * حدثنا سعدويه قال، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن جبير، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود رضي الله عنهما (٥) .

  15. * حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا المسعودي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: آخى النبي ﷺ بين عبد الله وبين ابن الزبير بالأخوة التي كانوا يتوارثون بها قبل أن تنزل آية المواريث.

    vol. 1, p. 1054
  16. * قال وأخبرنا المسعودي، عن القاسمي قال: آخى النبي ﷺ بين الزبير وبين عبد الله، وأوصى عبد الله إلى الزبير (١) .

  17. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل، عن قيس قال: قال الزبير لعثمان رضي الله عنه بعد ما مات عبد الله: أعطني عطاء عبد الله فعيال عبد الله أحق بعطائه من بيت المال، فأعطاه خمسة عشر ألف درهم.

  18. * حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه:

    أن ابن أبي زينب كان يتيما في ( ..... (٢) في يده شمراخ يضرب به الزبير، فأخذه الزبير وقال: اضرب به عثمان، فأبى ( ...... (٣) فجعل يضربه به.

  19. * حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال، حدثني مروان بن الحكم - وما إخاله يتهم علينا - قال أصاب عثمان بن عفان رضي الله عنه رعاف شديد سنة الرّعاف حتى حبسه عن الحج. وأوصي، فدخل عليه رجل من قريش فقال له: استخلف. قال: وقالوه؟ قال: نعم. قال: ومن هو؟ فسكت. ثم دخل عليه آخر فقال: استخلف - قال أراه الحارث بن الحكم - فقال عثمان: وقالوه؟ قال: نعم. قال:

    ومن هو؟ فسكت. قال عثمان: فلعلّهم قالوا الزبير؟ قال: نعم.

    قال: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم (ما علمت) وإنه كان أحبهم إلى رسول الله ﷺ (١) .

    vol. 1, p. 1055
  20. * حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، أخبرني ابن أبي مليكة: أن عقيل بن أبي طالب خطب فاطمة بنت عتبة فقالت:

    تزوجني وأنا أنفق عليك. فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة ابن ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك إذا دخلت النار. فشدّت عليها ثيابها فأتت عثمان فقالت: لا والله، لا يجمع رأسي ورأس عقيل أبدا. فأرسل ابن عباس وأرسل معاوية، فقال ابن عباس: والله لأفرّقنّ بينهما. فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. قال: فألفيا وقد شدّا عليهما أثوابهما وأصلحا شأنهما (٢) .

  21. * حدثنا أبو عاصم قال، أخبرني جويرية بن أسماء قال:

    خطب مروان وسعيد بن العاص إلى عثمان، فدعا مروان رجلا كان بالمدينة عاملا فقال: إني خفت أن يزوّج أمير المؤمنين سعيدا، فاحتل لي. فأتى ذلك الرجل عثمان وهو في المسجد متكئ فجلس إليه فقال له عثمان: ما خبر الناس؟ فقال: يا أمير المؤمنين تركت إماء أهل المدينة يقلن (١) إن مروان وسعيدا خطبا إليك، وأنت منكح أشرفهما، وقد شك الناس أيهما أشرف، فدعا مروان فزوجه.

    vol. 1, p. 1056
  22. * حدثنا عبيد الله بن محمد بن حفص، عن أمية قال:

    قال عثمان بن عفان: يا بني مخزوم ما أجد بعد عشيرتي أحب إليّ منكم: قال وكان (بنو (٢) مخزوم تشبّه ببني أمية في المال والعدد والهيبة، فقال رجل: يا أمير المؤمنين فأنكحنا إذن. قال فنظر إلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: إن خطب إليّ هذا أنكحته. قال فخطب إليه فزوّجه من ساعته مريم بنت عثمان - وأمها أم جندب -.

  23. فسمعت زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب يحدّث عن بعض علمائهم: أن عثمان كان مرّ بهم راكبا فلما قال عبد الرحمن ابن الحارث فأنا أخطب إليك. فنوله دركه فنزل إليه فأنكحه مكانه (٣) .

  24. * حدثنا محمد بن عباد، قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال:

    vol. 1, p. 1057دخل عيينة بن حصن على عثمان رضي الله عنه ليلا وهو يتعشى، فدعاه إلى عشائه. فقال: إني صائم، فاحتفظ من ذلك عثمان لسهوه وقال: أراك تواصل يا أبا مالك. قال: لا، ولكني وجدت صوم الليل أهون عليّ من صوم النهار.

  25. * حدثنا نصر بن عليّ، عن عبيد الله بن ثور قال، حدثني بكر بن الخلاّل بن ثور، عن المجيد بن وهب العتكي، عن أبي الخلال العتكي قال: سألت عثمان بن عفان رضي الله عنه عن جوائز السلطان.

    فقال: لحم ظبي ذكر.

  26. * قال أبو شهاب، قال مسعود بن معتّب الثقفي:

    لألفين قريشا تشتري غيلي … بني أمية من زرع وحجران

    وابني سبيعة إن أخشى ضياعهما … على موالي من سود وحمران

    قال فاشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه أموالهم بعد ذلك؛ فإنه تعلّى فيها ينظر إذ ذكر مسعودا وشعره فقال: وا عجبا لمسعود!! لو رأى ما أعطى الله قريشا لتحاقر زرعه وحجرانه. قال: وسبيعة بنت عبد شمس لها عروة والأسود ابنا مسعود. وأميمة بنت عمر ابن عمير من ثقيف لها عامر وأبو عامر ابنا مسعود.

  27. وكان من خبر سالم بن مسافع (١) أحد بني عبد الله بن غطفان - وأمّه دارة - أنه عشق امرأة من بني فزارة، فخطبها فردّوه وطردوه،

    vol. 1, p. 1058فهجاهم. فلقيه زميل بن أبير أحد بني مازن بن فزارة فأوعده فلم ينته: فلقيه مرّة أخرى فقال: إنك أحمق لم تهد لقومك هدية أبقى ضغينة ولا أخبث نتيجة من هجائك، فإياك وإياه. فقال:

    وما الذي تخوّفني به يا ابن أمّ دينار؟ فوالله لا أصالح بني فزارة حتى ينكح الذي تخوّفني به أمّه. ويقال بل قال: حتى تفعل أنت بأمك. ثم جعل لا يلقاه إلا قال: يا زميل ما يحبسني عن صلح قومي غيرك، وقال:

    أبلغ فزارة أني لن أسالمها … حتّى ينيك زميل أمّ دينار

    في استكين يغيب الفهر بينهما … وكعثب كسنام البكر مرمار

    لا تأمننّ فزاريّا خلوت به … على قلوصك واكتبها بأسيار

    لا تأمننّ فزاريّا على خبر … بعد الّذي استلّ أير العير في النار

    إنّ الفزاريّ لا ينفكّ مغتلما … من النّواكه تهدارا بتهدار

    أنا ابن دارة موصولا به نسبي … وهل بدارة يا للنّاس من عار

    من جذم قيس وأخوالي بنو أسد … من أكرم النّاس زندي منهم وار

    جرثومة نبتت في العزّ واعتدلت … تنفي الجراثيم في عرف وإنكار

    قال: بعث الشعر وروي ونشر عليهم أمرا كان قدنسي.

  28. ثم إن ركبا من فزارة دخلوا الكوفة فلقيهم ركب من غطفان فيهم ابن دارة فقال: أفزارة؟ قالوا: نعم. قال: أفيكم زميل؟ قال زميل: نعم. قال: ألا تبر قسمي يا زميل حتى أصالح قومي؟

    vol. 1, p. 1059فقال: يا ابن دارة معذرة إليك؛ إنه لا حديدة في الركب إلا مخياط يختاط به القوم. فغضبت فزارة أشد الغضب - وأم دينار بين بني بدر - فقال الغطفيون لابن دارة تغيب عنا من شرك إلا أن تحذره. فأتى بني أسد فأنزلوه ( ..... (١) أحد بني طريف وطرده وتهدده. فقال:

    إني وإن حذرت شيخنا لذاكر … لشتم بني الطّرماح أهل حمام

    لحى الله قوما بين زيد ومزيد … يرون حلالا منك كلّ حرام

    إذا مات منهم ميّت دهنوا استه … بزيت وحفّوا حوله بغرام

    ثم انتقل إلى بني نبهان بن طيء ومدح عديّ بن حاتم فقال:

    تسير قلوصي في معدّ وإنها … لترجو الرّبيع في لقاء بني نفل

    وأنتم رمام من أزمة طيء … وأنتم بخير جنة السهل والجبل

    وأبقى الخطوب من عدي بن حاتم … حساما كنصل السيف سلّ من الخلل

    أبوك جواد لا يشقّ غباره … وأنت كريم لا تحضّرك العلل

    فإن تتّقو شرّا فمثلكم اتّقى … وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل

    ثم انضم إلى قومه وقد احتفظت عليه فزارة وتحاضّت، وقال رجل منهم:

    يا ليت شعري والأيام تحكمه … هل في مثولة حامي راهب العاري

    يهذي بأعراضكم في كلّ منزلة … إذا تلبس ورّاد بصدّار

    (إذا) تغنّت علوج الحظ جاوبها … بحمص أو بدمشق الأصهب الداري

    فأين مولاك منظور لحلته … وأين مرقة عنها وابن عمار

    vol. 1, p. 1060فهرّ القوم زميلا وخرج ركوب بن مراد وهو فيهم صادرين عن المدينة، فلقيهم رهط من بني عبد الله مقبلين من بطن نخلة فيهم ابن دارة فسمعه زميل يتغنى ليلا:

    إذا اتّسقت أخفافها فكأنما … تكسّر بيض بينهن وخيم

    فقال زميل: سالم ورب الكعبة، ففضوا من ركابهم حتى استتبت ثم خنس بينهم فلم يشعر به ابن دارة إلا وهو عن يمينه مسلط بالسيف. فقال: يا زميل نشدتك الرّحم، وأخرج رجله من الغرز لينزل وضربه زميل على فخذه حتى ردّ سيفه العظم وقد صدعه، ثم كرّ إلى أصحابه، وتصايح العبديّون: قتل زميل صاحبنا، وأقبل نحوهم فتواقفوا وحذر بعضهم لبعض، ثم انصرف العبديّون بجريحهم إلى المدينة فدخلوا به على عثمان بن عفان رضي الله عنه فاستعدوه، فأقبل على ابن دارة فقال: من ضربك؟ قال:

    منظور بن سيّار. قال: سبحان الله!! ضربت بموضع كذا وكذا ومنظور عندي مقيم بالمدينة. قال أمر العبد زميلا وأعطاه سيفه.

    فقال منظور: كذب ابن الأمة، ولكنه لم يلق ابن حرّة غيره. فأمر به عثمان إلى الطبيب وقال: أحضروا بيّناتكم. وهرب زميل، وخرجت رسل عثمان في طلبه معهم رسل بني عبد الله، واختفى زميل يتنقل من موضع إلى موضع حتى نزل برجل من كلب وتسمّى زميل بزينب، فكان الكلبي يقول: اذهبوا بصبوح زينب، وادرجوا بغبوق زينب. فقال زميل:

    ألا هل أتى فتيان قومي أنني … تسمّيت لما شبّت الحرب زينبا

    وأدنيت جلبابي على نبت لحيتي … وأخرجت للناس البنان المخضّبا

    vol. 1, p. 1061وقال:

    لست وإن قالوا أمنت بآمن … ولا بائت إلا على جدّ مرفقي

    أخاف محاذير الأمور ومن يكن … طريدا لعثمان بن عفان يفرق

    إذا حال أجبال المدينة بيننا … وذو النخل من وادي نطاة فيعتق

    ثم هجمت عليه رسل عثمان رضي الله عنه وهو بماء من مياه قومه يدعى الهجع، فلبس درّاعة أمة وعمامتها وجعل يستقي ويتعاجم ويقول:

    ما إن يريد الكوم إلاّ كتلي (يريد قتلي) … يصرعن أو يلتوين رجلي

    فظنته الرسل أمة عجماء فلم يعرضوا له - وقال:

    أنا زميل قاتل ابن دارة … وكاشف المخزاة عن فزارة

    ثمّ جعلت عقله البكارة ويقال إن ابن دارة صحّ من ضربته وبرئ - أو قارب ذاك - فدسّت بنت عيينة امرأة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الطبيب الذي يعالجه جعلا - ويقال بل منظور بن سيّار - ليسمه، فجعل في دواء ابن دارة سمّا، فانتقض جرحه، فلما أشفى على الموت قال لأبيه:

    أبلغ أبا سالم عنّي مغلغلة … أعني بها أقرب الأقوام للعار

    لا تأخذوا دية عني فتفتضحوا … وإن أتاك بها تحذى ابن عمار

    لا تأخذوا دية عني مجلجلة … واضرب بسيفك منظور بن سيّار

    فلما بلغ الشعر أباه قال؛ عقّني حيّا وكلّفني ما لا أطيق ميتا.

  29. وقتل عثمان رحمه الله ووقعت الفتنة، وهمّ الفريقان أن يتحاربوا،

    vol. 1, p. 1062وخلص الأمر لمعاوية رضي الله عنه ، فمضى عبد الله بن عبّاد بن عقبة ابن حصن إلى بني عبد الله يعرض عليهم الدّية، فأطافوا به وجعلوا يقولون أنت والله البارّ الميتّم، فلم يحفل بهم وجعل يقول:

    أنا والله البار المشهّر، فأحجموا عنه وقبلوا منه الدية، وخاضت العرب في أمرهم، وقيل في ذلك أشعار كثيرة من الفريقين، وكان من أشهر ما قيل فيه قول الكميت بن معروف الأسدي ولم يكن من الأمر في شيء إلا أنه أدخل ...... (١) بينهما فقال:

    من مبلغ عني معدّا وطيّئا … وكندة من أصغى لها وتسمّعا

    خذوا العقل إن أعطاكم العقل قومكم … وكونوا كمن سيم الهوان فأرتعا

    ولا تكثروا فيها الضّجاج فإنه … محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

    وأقبل أقوام بحرّ وجوههم … وأقبل أقوام بلطمة أسفعا

    فمهما تشأ منه فزارة تعطكم … ومهما تشأ منه فزارة تمنعا

    فإن مات زمل فالإله حسيبه … وإن عاش زمل فاسقياه المشعشعا

    وإن نقضوا نحرب عليه فتيله … كرهط كليب أو أعز وأمنعا

    أخوه وأنتم معشر لا أخالكم … فصبرا على ذلّ الحياة أو اجزعا

    فغضب بنو عبد الله من شعر الكميت، ويقال بل قال هذه الأبيات الكميت بن ثعلبه وهو أسدي فقعسيّ أيضا، فهجاهم عبد الرحمن بن مسافع أخو سالم بن دارة وتشهّر على بني أسد آكل الكلاب - وكان رجلا من بني والبة بن الحارث بن دوران بن أسد طوى أياما فذبح كلبه فشواه وأكله، فلامه قومه فقال: ما شعرت أن الله حرّمه. فقال عبد الرحمن بن مسافع:

    vol. 1, p. 1063يا فقعسيّ لم أكلته لمه … لو جاءك الله عليه حرّمه

  30. لما تركت لحمه ولا دمه وقال:
  31. إذا فقعسيّ جاع يوما ببلدة … وكان سمينا كلبه فهو آكله

    قبيلة لا الأصل من أصل خندف … ولا من نزار في اليهود وسائله

    والذي أكل الكلب والبيّ، ولكن ابن دارة هجا به فقعسا من رهط الكميت، فقيل في هذا السبب أشعار كثيرة تركتها إذ لم يكن لعثمان بن عفان رضي الله عنه فيها ذكر إلا أبياتا قالها شعيب ابن ثوابة الفزاريّ مدحه فيها:

    وإليك يا عثمان كلفنا السّرى … بركابنا قحما تهر زمانها

    يطلبن يوم عصابة حلبت وما … وأتين بعد بلائها أحسابها

    بالتّرك منك وقائع مشهورة … والروم كان على يديك هوانها (١)

  32. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون قال، سمعت أمّ سهل تقول: لو هلك عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في بعض الزمان لهلك علم الناس إلى يوم القيامة؛ لقد جاء على الناس زمان وما يعلّمهم غيرهما.

  33. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: إن صعصعة بن صوحان (٢) قام ذات يوم فتكلّم فأكثر، فقال عثمان

    vol. 1, p. 1064ابن عفان: يا أيها الناس، إن هذا البجباج (١) النّفّاج (٢) ما يدري من الله ولا أين الله. فقال صعصعة: أما قولك لا يدري من الله فإن الله ربنا ورب آبائنا الأولين، وأما قولك لا يدري أين الله، فإن الله بالمرصاد، ثم قال «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» (٣) فقال عثمان: ويحك؛ والله ما نزلت هذه الآية إلا فيّ وفي أصحابنا أخرجنا من مكّة بغير حقّ.

  34. * حدثنا أحمد بن معاوية، عمّن حدثه، عن عيسى بن يزيد قال: دخل عمرو بن العاص على عثمان رضي الله عنه وعنده معاوية، فقال عثمان رضي الله عنه : أيا معاوية إني قد أخذت بضاعتك فانهض إني قد أغلقت على الكرم والحسب بابا أنت في وسطه. فقال عمرو:

    إنكما لم تغلقا بابا ليس فيه رسول الله ﷺ . فقال عثمان: وما أنت وذاك؛ إن بيتي لبيت رسول الله، إذ أغلقت بيتك على أبي رزام (٤) . فتركه عمرو وقال: أنا ابن العاتكتين. فقال عثمان: سلح عليك بعدهما، إن تزدني أزدك. فسكت عنه.

  35. والعاتكتان عاتكة بنت أسد بن عبد العزى وهي أم وائل بن هاشم،

    vol. 1, p. 1065وعاتكة بنت عبد العزيز بن قصي بن هاشم بن سعد بن سهم.

  36. * يروى عن الشعبي قال: كان أبو عبد الله الجدليّ (١) عبدا للأزد فادّعى إلى جديلة بن عدوان (بن عمرو (٢) بن قيس فنوزع فيه فيه إلى عمر رضي الله عنه ، فقال له: ممن أنت؟ قال: من عدوان.

  37. فسألهم فقالوا: من أوسطنا. فأقره عمر رضي الله عنه منهم. فلما شكا عثمان رضي الله عنه جلس للناس فقال: من يطلبني بمظلمة فليقل. فقام أبو عبد الله ...... (٣) وحوصاتها. فقال:

    وما أنت وذاك يا عبد ظرب لا أمّ لك؛ يأتيني مواليك يدعونك عبدا، فقلت أروني (٤) جلدة عذبته وهو لكم ابن عم خير منه لكم عبدا … (٥) عربيا في ألفين من العطاء، وزوّجتك امرأة عربية فلم تحفظ ذاك ولم تشكره، قم لا أمّ لك. قال الشعبي:

    وكأن عثمان عضّ سنّا. وقال المدائني، قال له عثمان: إلى (ما متى بنو الظرب يدعونك عبدا (٦) .

  38. * وقال المدائني، عن علي بن مجاهد، عن حميد بن أبي البختري،

    vol. 1, p. 1066عن نوفل بن مساحق قال: قال كميل (١) بن زياد النخعي لعثمان رضي الله عنه أقدني - يعني من لطمة - فقال: أقيد يا عبد النخع! ثم قال: إن نفرا من النخع جاؤوني بهذا فادّعوه عبدا فألحقته فيهم ثم هو يسألني القود، أقيد!! فقال: قد عفوت عنك.

  39. * قال الوليد بن عقبة يمدح عثمان رضي الله عنه :

    يا ابن أروى ويا ابن أم حكيم … وقروم البطحاء أهل العمارة

    وشريك البنى شركة حق … غير ما نحلة ولا مستعارة

    أنجب الناحلوك عتقا وجودا … ولقد تنتج العتاق المهارة

    وقال يمدحه:

    جزى الله خيرا من خليل مودّع … أخي ذا الطول والحول والنائل الغمر (٢)

    شريك نبيّ الله عثمان ذا النهى … وذا الخلق المأمون في اليسر والعسر

    جزى خير جزي الناس حيا وميتا … وفي القبر إذ وافوا جميعا إلى القبر

    * حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا فرج بن فضالة، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، ومعاوية، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قالت عائشة رضي الله عنها : بينا أنا جالسة إلى جنب رسول الله ﷺ فقال: يا عائشة لو كان عندنا أحد يحدثنا! فقلت:

    ألا تبعث إلى عمر، فسكت، ثم دعا وصيفا له فلم أدر ما ما سارّه

    vol. 1, p. 1067به، فإذا عثمان بن عفان يستأذن فأذن له فدخل، فأكبّ أحدهما على الآخر، ولم أدر ما يقول، فلما فرغ قال: يا عثمان عسى الله أن يقمّصك قميصا من بعدي، فإن أرادك المبيتون على خلعه فلا تخلعه - يقول له ذلك ثلاثا - فقيل لعائشة رضي الله عنها :

    فأين كنت من هذا الحديث؟ قالت: أنسيته - والله - حتى قتل الرجل (١) .

  40. * حدثنا عمرو بن عوف قال، حدثنا فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن النعمان بن بشير، عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي قال لعثمان: إن الله يقمّصك قميصا من بعدي فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه يقولها له ثلاثا - قلنا: يا أم المؤمنين، فأين كنت من هذا الحديث؟ قالت: نسيت - والله - حتى قتل الرجل (٢) .