٢١- باب لا يسعى إلى الصلاة، ولياتها بالسكينة والوقار

149 paragraphs · vol. 5, p. 390

Page 3 of 4

  1. واختلف قوله في مأخذ ذلك:
  2. فنقل عنه هارون الحمال، أن مأخذ ذلك أن ما أدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها. قال: فقيل له: قد حكي عنك أنك قلت: يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعل ما أدرك أول صلاته. فأنكر ذلك.

  3. وهذا يحتمل أن يكون إنكاره للقول بأنه يقتصر على الحمد فيما يقضي تفريعاً على ذلك؛ فإن القول بأن ما أدركه أول صلاته مشهور عنه، قد نقله عنه غير واحد، فإن كان مراده الأول كان قوله بأن القراءة فيما يقضي بالحمد وسورة لا يختلف قوله فيه مع قوله: إن ما يقضيه أول صلاته أو آخرها، وهذا هو المذهب عند أبي موسى وغيره من متقدمي الأصحاب.

  4. وقد نقل عبد الله والأثرم وغيرهما انه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة، مع قوله: آخر صلاته.

  5. وإن كان مراده الثاني كان القول: يقرأ الحمد وسورة فيما يقضيه، مبنيا على الاختلاف فيما يقضيه: هل هو أول صلاته، أو آخرها.

  6. وهذا هو قول القاضي أبي يعلى ومن بعده من أصحابنا.

  7. وأنكر بعض المتاخرين منهم أن يصح القول بقراءة الحمد وسورة فيما يقضيه على كلا القولين، إلا على قول من يرى استحباب القراءة بالحمد وسورة في كل ركعة من الصلاة كلها، أو على أن من نسي قراءة السورة في الأوليين قرأها في الأخريين.

    vol. 5, p. 404
  8. وهذا المأخذ الثاني لا يصح؛ فإنه لا نسيان هاهنا.

  9. وللمسألة مأخذان لم يذكرهما هذا القائل:
  10. أحدهما: الاحتياط، ونص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله وغيرهما، قال: يكون جلوسه على أول صلاته وفي القراءة يحتاط فيقرأ فيما يقضي.

  11. يعني: أنه إن أدرك ركعة من الرباعية تشهد عقيب قضاء ركعة، فيجعل ما أدرك أول صلاته في الجلوس للتشهد؛ ويقرأ في ركعتين فيما يقضي بالحمد وسورة احتياطاً لقراءة السورة؛ فإنها سنة مؤكدة، فيحتاط لها، ويأتي بها في الركعات كلها؛ للاختلاف في أول صلاته وآخرها.

  12. والمأخذ الثاني: أنه إذا أدرك مع الإمام ركعتين من الرباعية، فإنه لا يتمكن من قراءة السورة مع الحمد معه غالباً، فإذا صلى معه ركعتين قرأ فيهما بالحمد وحدها، ثم قضى ركعتين؛ فإنه ينبغي أن يقرأ فيهما سورة مع الفاتحة؛ لئلا تخلوا هذه الصلاة من قراءة سورة مع الفاتحة، مع حصول

    vol. 5, p. 405الاختلاف في استحباب قراءة السورة فيما يقضيه، فالاحتياط أن يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة.

  13. أمالو كان قد قرأ فيما أدرك مع الإمام سورة مع الفاتحة؛ فإنه لا يعيد السورة فيما يقضيه، لا سيما عند من يقول: إن ما أدركه هو أول صلاته.

  14. ولهذا قال قتادة: إذا أمكنك الإمام فاقرأ في الركعتين اللتين بقيتا سورة، تجعلهما أول صلاتك.

  15. ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عنه.

  16. ولم أجد لأحمد ولا لغيره من الأئمة نصاً صريحاً أنه يقرأ بالحمد وسورة فيما أدركه خلف الإمام، ثم يعيد ذلك فيما يقضيه، بل نص على أن من أدرك ركعة من الوتر وقضى ما فاته أنه لا يعيد القنوت.

  17. وعلله أبو حفص البرمكي بأنه قد قنت مع الإمام فلا يعيد كما لو سجد معه للسهو. قال: ويحتمل أنه لم يعده لأنه أدرك آخر الصلاة.

  18. ونص الشافعي على أن المسبوق بركعتين من الرباعية يقرأ فيما يقضي بالفاتحة وسورتين.

  19. فاختلف أصحابه على طريقين:
  20. أحدهما: أن في استحباب السورة له القولان في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين، وأن الشافعي إنما فرع نصه هذا على قوله باستحباب قراءة السورة في كل الركعات، وهذا قاله أبو علي

    vol. 5, p. 406الطبري.

  21. والطريق الثاني: قاله أبو إسحاق، أنه يستحب للمسبوق قراءة السورة قولاً واحداً، وإن قيل: لا يستحب لغيره قراءة في الأخريين؛ لأن المسبوق لم يقرأ السورة في الأوليين، ولا أدرك قراءة الإمام السورة، فاستحب له؛ لئلا تخلو صلاته من سورتين.

  22. وهذا الطريق هو الصحيح عندهم، وعليه أكثر أصحابهم.

  23. وأماالجهر بالقراءة في العشاء وثالثة المغرب، فأكثرهم على أنه لا يجهر.

  24. وحكوا في جهره قولين للشافعي.

  25. ومنهم من قال: نص في ((الإملاء) ) على أنه يجهر؛ لأن الجهر فاته فيتدارك، ونص في غيره على أنه لا يجهر؛ لأن سنة آخر الصلاة الإسرار بالقراءة، فلا تفوته. وبهذا يفرق بينه وبين السورة.

  26. وصرح بعضهم بأنه لو كان الإمام بطيء القراءة فأمكن المسبوق أن يقرأ معه السورة فيما أدرك فقرأها، لم يعدها في الأخريين، إلا على قولهم: يقرأ بالسورة في الركعات كلها، وهو حسن موافق لما ذكره.

  27. وهاهنا مأخذ ثالث؛ وقد صرح به غير واحد من السلف، وقد روي عن علي ما يدل عليه، وصرح به الترمذي وغيره، وهو: أن من أدرك

    vol. 5, p. 407مع الإمام ركعتين فقد فاته معه ركعتان بسورتيهما، فيشرع له قضاء ما فاته على وجهه.

  28. لكن؛ هل يقضيه فيما أدرك مع الإمام، أو فيما يقضيه بعد قراءته.

  29. فالمروي عن علي أنه يقضيه فيما أدركه مع الإمام، وقال: هو اول صلاته.

    وقال ابن مسعود وغيره: فيما يقضي لنفسه وحده منفرداً.

  30. فأماأن يكون مأخذهم انه أول صلاته، وأماأن يكون مأخذهم ان القضاء إنما يكون بعد مفارقة الإمام ما أدرك، ويقضي ما سبق، ولا يكون في حال متابعته، وإن كان آخر صلاته.

  31. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين وأبي قلابة، قالا: يصلي مع الإمامما أدرك، ويقضي ما سبق به مع الإماممن القراءة. مثل قول ابن مسعود.

    وقال عمرو بن دينار: ما فاتك فاقضه كما فاتك.

  32. وروى ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن جهم بن الاسود، عن أبي سعيد الخدري، قال: اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمام.

  33. خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد.

  34. وروى الأعمش، عن إبراهيم، قال: إنما القراءة في القضاء. قال: وقال لي سعيد بن جبير: تقرأ فيما تدرك.

  35. والمروي عن أبي سعيد يدل على أنه يستحب أن يقرأ فيما يقضيه بالسورتين اللتين قرأ بهما الإمام؛ لتكون قراءته لهما قضاء بما فاته مع الإمام حقيقة.

    vol. 5, p. 408
  36. وأيضا؛ فإن [عامة] الكوفيين لا يرون القراءة خلف الإمام، وقد اختلفوا في القراءة هاهنا خلفه فيما أدركه؛ لأنه قضاء للقراءة الثانية، فرأى القراءة علي وسعيد بن جبير، ولم يره ابن مسعود وعلقمة والنخعي والاكثرون منهم.

  37. وأماإذا أدرك ركعة من الرباعية أو المغرب، فإنه يجلس للتشهد عقب قضاء ركعة، كما قاله ابن مسعود وعلقمة، وقاله سعيد بن المسيب. وهو المشهور عن أحمد.

  38. وأخذ أحمد في هذه المسألة بما روي عن ابن مسعود، وفي الأولى بما روي عن ابن عمر، وقاله ابن مسعود - أيضا.

  39. ومن أصحابنا من بنى هذا على قول أحمد: إن ما يقضيه آخر صلاته. قال: فإن قلنا: هو أول صلاته، تشهد عقب قضاء ركعتين.

    وقال الاكثرون: بل في المسألة روايتان غير مبنيتين على هذا الاصل.

  40. وهذا هو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد صريحاً؛ فإنه أخذ في القراءة بقول ابن عمر، وفي الجلوس بقول ابن مسعود، وجمع بينهما. وابن مسعود مع قوله بهذا، فإنه قد قال: ما أدركه فهو آخر صلاته،

    vol. 5, p. 409كما سبق عنه.