٢٩-باب من قال في الخطبة بعد الثناء: ((أما بعد))
114 paragraphs · vol. 8, p. 251
Page 2 of 3
- vol. 8, p. 259
وفي الباب أحاديث أخر.
-
وقد خَّرج البخاري في ((المغازي) ) حديث عائشة في قصة الافك بطولها، وفيه: فتشهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين جلس ثم قال: ((أما بعد، يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا) ) –الحديث.
-
وخرّجه في موضع أخر، وليس فيه: ((أما بعد) ) .
-
وخرّج مسلم في ((صحيحه) ) من حديث جريرٍ البجلي، قال: ((كنت جالساً عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأتاه قوم مجتابي النمار، فصلى الظهر، ثم صعد
vol. 8, p. 260منبراً صغيراً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إما بعد؛ فإن الله أنزل في كتابه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء:١] –) ) وذكر الحديث في الحثّ على الصدقة.
-
وخرّجه من طريق أخرى، ليس فيها لفظه: ((أما بعد) ) .
-
وخرّج – أيضاً - من حديث سعيدٍ بن جبير، عن ابن عباسٍ، أن ضماداً قدم على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وان الله يشفي على يدي من
يشاء، فهل لك؟ فقالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((الحمد لله نستعينه، من يهده الله فلا مضل
له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد)) .
-
فدلت هذه الأحاديث كلها على أن الخطب كلها، سواء كانت للجمعة أو
لغيرها، وسواء كانت على المنبر أو على الارض، وسواء كانت من جلوس أو قيام، فإنها تبتدا بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يذكر بعد ذلك ما يحتاج إلى ذكره من موعظة أو ذكر حاجة يحتاج إلى ذكرها، ويفصل بين الحمد والثناء، وبين ما بعده بقوله: أما بعد.
-
وقد قيل: أن هذه الكلمة فضل الخطاب الذي أوتيه داود –عليه السلام -، وقد سبق ذكر ذلك في أول الكلام في الكلام على حديث كتاب
vol. 8, p. 261النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى هرقل: ((أما بعد؛ فاني ادعوك بدعاية الإسلام) ) .
-
والمعنى في الفصل بأما بعد: الإشعار بأن الأمور كلها وان جلت وعظمت فهي تابعة لحمد الله والثناء عليهِ، فذاك هوَ المقصود بالاضافة، وجميع المهمات تبع له من أمور الدين والدنيا.
-
ولهذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع) ) ، وفي روايةٍ: ((أجذم) ) .
-
خرّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
-
وقد روي مرسلاً.
-
فالحمد لله متقدم على جميع الكلام، والكلام كله متأخر عنه وتبع له.
-
ولا يستثنى مما ذكرناه من الخطب إلا خطبة العيد، فقد قيل: إنها تستفتح
بالتكبير.
- vol. 8, p. 263
وقد روى عن أبي موسى الأشعري، أنه استفتح خطبتي العيدين بالحمد، ثم كبر بعد الحمد. وهو الأظهر.
-
وكذا قيل في خطبة الاستسقاء.
-
ومن الناس من قال: تستفتح بالحمد –أيضاً.
-
وقد ذكر بعض ائمة الشافعية: أن الخطب كلها تستفتح بالحمد بغير خلافٍ، وإنما التكبير في العيد يكون قبل الخطبة، وليس منها، وإن ذلك نص الشافعي.
-
وكذا ذكر طائفةٌ من أصحابنا: أن ظاهر كلام أحمد أنه يكبر إذا جلس على المنبر قبل الخطبة، وأنه ليس من الخطبة، فإذا قام استفتح الخطبة بالحمد.
-
وذكروا: قولُ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل الخطبة تسعاً، وبعدها سبعاً.
-
فأما خطبة الجمعة، فلا خلاف أنها تستفتح بالحمد.
-
وخرّجه مسلم في ((صحيحه) ) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا خطب أحمرت عيناه، وعلا
vol. 8, p. 264صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: ((صبحكم ومساكم) ) ، ويقول ((بعثت أنا والساعة
كهاتين)) ، ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: ((أما بعد؛ فإن خيرٌ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة
ضلالة)) ، ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي) ) .
-
وفي روايةٍ له - أيضاً - بهذا الإسناد: كانت خطبة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته - ثم ساق الحديث بمثله.
-
وفي روايةٍ له – أيضاً -: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله) ) –ثم ساق الحديث بمثل الرواية الأولى.
-
وقد أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمر بهذه الخطبة لكل من له حاجة، أن يبدأ بها قبل ذكر
حاجته، كما خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن مسعودٍ، قال: علمنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
vol. 8, p. 265خطبة الحاجة: ((إن الحمد لله نستعينه ونستغفرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله الا الله، واشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يا ايها الذين امنوا اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام أن الله كان عليكم رقيبا} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
-
[آل عمران:١٠٢] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا} - إلى قوله -: {فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:٧١٠٧] .
-
وهذا لفظ أبي داود.
-
وفي روايةٍ له: ((الحمد لله)) ، بغير ((إن) ) ، وهي روايةٍ الأكثرين.
-
وفي روايةٍ له: ((في خطبة الحاجة في النكاح وغيره) ) .
-
وعند ابن ماجه: ((الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) ) –وذكر الحديث، وفيه: زيادة: ((وحده لا شريك
له)) .
-
وحسن الترمذي هذا الحديث، وصححه جماعة، منهم: ابن خراش وغيره.
-
وخرّج النسائي في ((اليوم والليلة) ) من حديث أبي موسى، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ((فإن شئت أن تصل خطبتك بآيٍ من القرآن) ) - فذكر آلايات الثلاث، ثم قال: ((أما بعد، ثم يتكلم بحاجته) ) .
- vol. 8, p. 266
وخرّجه أبو داود من وجه آخر، عن ابن مسعودٍ، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه كان إذا تشهد قال: ((الحمد لله) ) - فذكره كما تقدم، زاد فيه –بعد قوله: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ) -: ((أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً) ) .
-
وروى أبو مالكٍ الأشجعي، عن نبيط بن شريط، أنه سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب عند الجمرة فقال: ((الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفرة، وأشهد أن لا إله الا الله، وان محمداً عبده ورسوله، واوصيكم بتقوى الله) ) –وذكر الحديث.
-
وخرّج أبو داود في ((مراسليه) ) من روايةٍ يونس، عن ابن شهاب، أنه سأله عن تشهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة؟ فقالَ ابن شهاب: ((أن الحمد لله وحده واستعينه
واستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل لهُ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله فقد غوى، نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه، ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه؛ فإنما نحن به وله)) .
-
وخرّجه في ((السنن) ) مختصراً.
-
وخرّجه في ((المراسيل) ) –أيضاً - من روايةٍ عقيل، عن ابن شهاب، قال: كان صدرخطبة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره) ) – فذكره بمثله.
- vol. 8, p. 267
ومن روايةٍ يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغنا عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه كان يقول إذا خطب: ((كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله فيعجله أحد، ولا يخف لامر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمراً، ويريد الله أمراً، ما شاء الله كان، ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله عز وجل) ) .
ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: كان أكثر ما كان رسول الله ... - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول على المنبر: ((أتقوا الله وقولوا قولاً سديداً) ) .
-
وفي خطب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحاديث أخر مرسلة، يطول ذكرها.
-
فظهر بهذا: أن خطبة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت تشتمل على حمد الله والثناء عليه بما هو
أهله، وعلى الشهادة لله بالتوحيد، ولمحمد بالرسالة.