١- حديث نزول آية التيمم

119 paragraphs · vol. 2, p. 195

Page 2 of 3

  1. وهذا بعيد الصحة عنهما، فإنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له.

    vol. 2, p. 204
  2. وقوله: {فَتَيَمَّمُوا} أصل التيمم في اللغة القصد، ثم صار علما على هذه الطهارة المخصوصة.

  3. وقوله: {صَعِيداً} اختلفوا في المراد بالصعيد، فمنهم من فسره بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها، ومنهم: من فسره بالتراب خاصة.

  4. وقوله: {طَيِّباً} فسره من قال: الصعيد: ما تصاعد على وجه الأرض، بالطاهر. ومن فسره بالتراب، قال: المراد بالصعيد التراب المنبت، كقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف:٥٨] وهذا

    vol. 2, p. 205مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه.

  5. وقول ابن عباس: الصعيد الطيب تراب الحرث.

  6. وقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه} . كقوله في الوضوء {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} .

  7. وقد ذكرنا فيما سبق في ((أبواب الوضوء) ) أن كثيراً من العلماء أوجبوا استيعاب مسح الرأس بالماء، وخالف فيه آخرون، وأكثرهم وافقوا هاهنا، وقالوا: يجب استيعاب الوجه والكفين بالتيمم، ومنهم من قال: يجزئ أكثرهما، ومنهم من قال: يجزئ مسح بعضهما كالرأس – أيضا.

  8. وقول النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمار: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك) ) يرد ذلك ويبين أن المأمور به مسح جميعهما.

  9. وسيأتي الكلام على حد اليدين المأمور بمسحهما – إن شاء الله تعالى.

  10. وقوله تعالى: {مِنْهُ} يستدل به من قَالَ: لا تيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد، فإن قوله: {مِنْهُ} يقتضي أن يكون الممسوح به الوجه واليدان بعض الصعيد، ولا يمكن ذلك إلا فيما له غبار يعلق باليد حتى يقع المسح به، ومن خالف في ذلك جعل ((من) ) هاهنا لأبعد الغاية، لا للتبعيض وهو يأباه سياق الكلام. والله تعالى أعلم.

  11. الحديث الثاني:

  12. هشيم: أبنا سيارٌ: ثنا يزيد الفقير: أبنا جابر بن عبد الله، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصَّلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ) .

    vol. 2, p. 206
  13. هشيم: مدلس، وقد صرح هنا بالسماع من سيار، وهو: أبو الحكم، وصرح سيار بالسماع من يزيد الفقير، وصرح يزيد بالسماع من جابر، فهذا إسناد جليل متصل.

  14. وهذه الخمس اختص بها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الأنبياء، وليس في الحديث أنه لم يختص بغيرها، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر، وقد دلت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خص عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس، وسنشير إلى بعض ذلك – إنشاء الله تعالى.

  15. فأما ((الرعب) ) : فهو ما يقذفه الله في قلوب أعداءه المشركين من الرعب، كما قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ} [آل عمران:١٥١] وقال في قصة يوم بدر: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ

    vol. 2, p. 207أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال:١٢] .

  16. وفي ((مسند الإمام أحمد) ) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، أنه قال عام غزوة تبوك: ((لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي: إما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا) ) – وذكر بقية الحديث.

  17. وقوله: ((أعطيت الليلة خمسا) ) ، لم يرد أنه لم يعطها قبل تلك الليلة، فإن عامتها كان موجودا قبل ذاك، كنصره بالرعب، وتيممه بالتراب، فإن التيمم شرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال، ولعله أراد أنه أعلم بأن هذه الخمس الخصال اختص بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة. والله أعلم.

  18. وروينا بإسناد فيه ضعف عن السائب بن يزيد، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((فضلت على الناس بخمس) ) - ذكر منها - ((ونصرت بالرعب شهرا من إمامي وشهرا من خلفي) ) .

  19. وأما جعل الأرض له مسجدا وطهورا: فقد ورد مفسرا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك؛ إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم) ) - وذكر بقية الحديث. خرجه الإمام أحمد.

    vol. 2, p. 208
  20. وفي ((مسند البزار) ) من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء: جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه) ) - وذكر الحديث.

  21. وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بان الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهي عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها، كما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة والحمام، وسيأتي ذلك مستوفى في مواضع أخر - أن شاء الله تعالى.

  22. وفي ذكره التيمم في الأرض من خصائصه ما يشعر أن الطهارة بالماء ليست مما اختص به عن الأنبياء، وقد سبق في ((كتاب: الوضوء) ) ذكر ذَلكَ.

    vol. 2, p. 209
  23. واستدل بقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) ) من يقول: أن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل والنورة والزرنيخ والجص وغير ذلك، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما.

  24. واستدل من قَالَ: لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض – كما يقوله الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه – بما في ((صحيح مسلم) ) عن حذيفة، عن النَّبيّ، قَالَ: ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء) ) ، وذكر خصلة أخرى.

  25. فخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك.

  26. وقد خرج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري هاهنا، وعنده: ((وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا) ) .

  27. وهذا يدل على

    vol. 2, p. 210اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة، والطيبة: هي الأرض القابلة للإنبات، كما في قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف:٥٨] .

  28. وروينا من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت وحٌميد، عن أنس، قَالَ:

    رسول الله: ((جُعلت لي كل ُ أرضٍ طيبةً مسجداً وطهوراً) ) .

  29. ولكن قد دلت نصوص أٌخرُ على عموم كون الأرض مسجداً، فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة.

  30. وفي ((مسند الإمام أحمد) ) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((أُعطيتُ أربعاً لم يُعطهن ِّأحد من أنبياء الله: أُعطيت مفاتيح الأرض، وسُمَّيتُ أحمد، وجُعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم) ) .

  31. وقد ظن بعضهم: أن هذا من باب المطلق والمقيد، وهو غلط، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافاً لما حكي عن أبي ثور، إلا أن يكون له مفهوم فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتربة لقب، مختلف في ثبوت المفهوم له، والأكثر ون يأبون ذَلكَ.

  32. لكن أقوى ما أستدل به: حديث حذيفة الذي خرجه مسلم، فإنه جعل الأرض كلها مسجداً وخص الطهورية بالتربة، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان

    الاختصاص،

    vol. 2, p. 211فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له، بل كان زيادة في اللفظ ونقصاً في المعنى، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  33. وقد خرجه ابن خزيمة في ((صحيحة) ) ، ولفظه: ((وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء) ) .

  34. ومعنى قوله: ((طهوراً) ) : أي مطهراً، كما قَالَ: ((الماء طهور لا ينجسه شيء) ) .

  35. وفيه دليل لمن قَالَ: إن التيمم يرفع الحدث كالماء رفعا مؤقتا، ودليل على أن الطهور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء؛ فإن طهارة الأرض مما لم تختص به هذه الأمة، بل اشتركت فيه الأمم كلها، وإنما اختصت هذه الأمة بالتطهر بالتراب، فالطهور هو المطهر.

  36. والتحقيق: أن ((طهورا) ) ليس معدولا عن طاهر، ولأن ((طاهرا) ) لازم و ((طهورا) ) متعد، وإنما الطهور اسم لما يتطهر به، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك.

  37. وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصة، فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم، وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيّ:

    ((وأحلت لي الغنائم أكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها) ) .

  38. وفي ((الصحيحين) ) عن أبي هُريرةَ، قَالَ: ((غزا نبي من الأنبياء؛ فجمع الغنائم، فجاءت نار لتأكلها فلم تطعمها، فقال: أن فيكم غلولا،

    vol. 2, p. 212فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثُمَّ أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا)) .

  39. وفي الترمذي عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيّ، قَالَ: ((لم تحل الغنائم لأحد سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل نار فتأكلها) ) .

  40. وفي كتاب ((السيرة) ) لسليمان التيمي: أن من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كل نفس من إنسان أو دابة.