١- حديث نزول آية التيمم
119 paragraphs · vol. 2, p. 195
Page 3 of 3
- vol. 2, p. 212
وفي صحة هذا نظر، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم، إنما كان يحرم عليهم ما تأكله النار.
-
وقد ذهب طائفة من العلماء، منهم: الإمام أحمد إلى أن الغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمة من حيوان أو مصحف.
-
وورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع أخر – أن شاء الله تعالى.
-
وقد قال طائفة من العلماء: أن المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح، واستدلوا بأن إبراهيم - عليه السلام - كانت له هاجر أمة، والإماء إنما يكتسبن من المغانم، ذكر هذا ابن عقيل وغيره.
- vol. 2, p. 213
وفي هذا نظر؛ فإن هاجر وهبها الجبار لسارة، فوهبتها لإبراهيم، ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما تملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم.
-
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هدية فله أن يتملكها منه، ويختص بها دون غيره من المسلمين.
وقال القاضي إسماعيل المالكي: إنما اختصت هذه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم، فأما الأرض فإنها فيء، وكانت مباحة لمن قبلنا، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون.
-
وهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيئا، سواء أخذت بقتال أو غيره، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه.
-
ومن الناس من يقول: إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال. قالوا: وهاجر كانت فيئا لا غنيمة؛ لان الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره.
-
وقد قَالَ طائفة من العلماء: أن ما وهبه الحربي لمسلم يكون فيئا.
-
وزعم بعضهم: أن المحرم على من كان قبلنا كان من خمس الغنيمة خاصة، كانت النار تأكله، ويقسم أربعة أخماس بين الغانمين، وهذا بعيد جدا.
-
واستدلوا: بما خرجه البزار من
vol. 2, p. 214رواية سالم أبي حماد، عن السدي، عن عكرمة، عن أبي عباس، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي) ) – فذكر الحديث، وقال فيه: ((وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي) ) .
-
وسالم هذا: قال فيه أبو حاتم الرازي: مجهول.
-
وأما الشفاعة التي اختص بها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من بين الأنبياء، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار؛ فإن هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون – أيضا -، كما تواترت بذلك النصوص، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع:
أحدها: شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم.
-
والثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة.
-
والثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: أن هذه يختص هو
بها.
-
والرابع: كثرة من يشفع له من أمته؛ فإنه وفر شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة.
-
وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيّ، قَالَ: ((أعطيت الليلة
vol. 2, p. 215خمسا ما أعطيهن نبي كان قبلي)) - فذكر الحديث، إلى أن قَالَ: ((والخامسة هي ما هي: قيل لي سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله) ) .
-
وخرج – أيضا – من حديث أبي موسى، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد كان قبلي) ) – فذكره، وقال في آخره: ((وأعطيت الشفاعة، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعته، وإني أخرت شفاعتي، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) ) .
-
وفيه - أيضا – من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: ((لم يكن نبي إلا له دعوة ينجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأنا سيد ولد ادم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي) ) .
-
وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد، عن النبي، قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي ولا فخر) ) .
-
وفي ((الصحيحين) ) عن أبي هُريرةَ، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ) .
- vol. 2, p. 216
وفي ((صحيح مسلم) ) عن جابر، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((لكل نبي دعوة قد دعا بها أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ) .
-
وفيه - أيضا – نحوه من حديث أنس، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وفي حديث عبد الرحمان بن أبي عقيل: سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ((إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطاها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا، وإن الله أعطاني دعوة، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ) .
-
خرجه البزار وغيره.
-
وفي ((المسند) ) عن عبادة بن الصامت، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((إن الله أيقظني فقال: إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسالة أعطيتها إياه، فسل يا محمد تعط؟ فقلت: مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ) ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، وما الشفاعة التي اختبأت عندك؟ قال: ((أقول: يارب، شفاعتي التي اختبأت عندك، فيقول الرب تبارك وتعالى: نعم، فيخرج ربي تبارك وتعالى بقية أمتي من النار، فينبذهم في الجنة) ) .
- vol. 2, p. 217
والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم -: أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان - عليه السلام -، واختص النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة.
-
وقد ذكر بعضهم: شفاعة خامسة خاصة بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي: شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي: شفاعته في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب. وسيأتي ما يدل عليه - أن شاء الله تعالى.
-
وأما بعثته إلى الناس عامة، فهذا مما اختص به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الأنبياء.
-
وفي ((المسند) ) من حديث أبي ذر، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي) ) - فذكر منها -: ((وبعثت إلى كل أحمر وأسود) ) .
-
وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس، عن النبي، قال:
vol. 2, p. 218((أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخرا، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود) ) .
-
وفي ((مسند البزار) ) من حديث ابن عباس، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((أعطيت خمسا لم يعطها نبي) ) - فذكر منها -: ((وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه، وبعثت إلى الجن والأنس) ) - وذكر الحديث.
وقال: لفظ: ((الجن والأنس) ) لا نعلمه إلا في هذا الحديث، بهذا الإسناد.
قلت: وقد سبق أن في إسناده سالما أبا حماد، وأن أبا حاتم قَالَ: هو مجهول.
-
ولكن روي ذكر الجن في حديث آخر، ذكره ابن أبي حاتم في ((تفسيره) ) تعليقا، وفي إسناده رجل لم يسم، عن عبادة بن الصامت، أن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج عليهم فقال: ((أن جبريل قال لي: أخرج فأخبر بنعمة الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، وأمدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعين مقنعي رؤسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة، فليس فوقي إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا) ) .
-
وفي ((صحيح مسلم) ) ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((فضلت
vol. 2, p. 219على الناس بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)) .
-
وقوله: ((إلى الخلق كافة) ) يدخل فيه الجن بلا ريب.
-
وفي ((صحيح ابن خزيمة) ) عن حذيفة، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((فضلت على الناس بثلاث) ) - فذكر الثالثة، قَالَ: ((وأعطيت هذه الآيات من أخر سورة البقرة من كنْز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي) ) .
-
وهذه الخصلة الثالثة لم تسم في ((صحيح مسلم) ) ، بل فيهِ: ((وذكر خصلة أخرى) ) كما تقدم.
-
ومن تأمل هذه النصوص علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء لا تنحصر في خمس، وأنه إنما ذكر مرة ستا ومرة خمسا ومرة أربعا ومرة ثلاثا بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه. والله أعلم.