٧- باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت
114 paragraphs · vol. 2, p. 278
Page 2 of 3
- vol. 2, p. 285
وفي أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الجنب العادم للماء أن يتيمم ويصلي دليل على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهم دخول الجنب في الآية، وليس بعد هذا شيء.
-
ورد ابن مسعود تيمم الجنب؛ لأنه ذريعة إلى التيمم عند البرد لم يوافق عليه؛ لان النصوص لا ترد بسد الذرائع، وأيضا، فيقال: أن كان البرد يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق.
-
وقد روى شعبة، أن مخارقا حدثهم، عن طارق، أن رجلا أجنب فلم يصل، فأتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر ذلك له، فقال له: ((أصبت) ) . وأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فأتاه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال له نحوا مما قال للآخر - يعني: ((أصبت) ) .
-
خرجه النسائي، وهو مرسل.
-
وقد يحمل هذا على أن الأول سأله قبل نزول آية التيمم، والآخر سأله بعد
نزولها.
-
وروى أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن أبزى، عن أبيه، أن عمارا قال لعمر: أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في سرية فأجنبنا ولم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت بالتراب وصليت، فلما قدمنا على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكرنا ذلك له، فقال ((أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة، وأما أنت يا عمار
vol. 2, p. 286فلم يكن لك أن تتمعك كما تتمعك الدابة، إنما كان يجزيك)) ـ وضر ب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده إلى الأرض إلى التراب، ثُمَّ قَالَ -: ((هكذا) ) ، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل، وليس فيه الذراعان.
- vol. 2, p. 287
٣٤٧ - حدثنا محمد بن سلام: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كنت جالسا مع عبد الله أبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا، أما كان يتيمم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [المائدة: ٦] ؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم. فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر بن الخطاب: بعثني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا) ) وضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه. قال عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟
-
زاد يعلي، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كنت مع عبد الله
vol. 2, p. 288وأبي موسى، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثني أنا وأنت، فأجنبت فتمعكت بالصعيد، فأتينا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرناه فقال: ((إنما كان يكفيك هكذا) ) ، ومسح وجهه وكفيه واحدة؟
-
محمد بن سلام، هو: البيكندي، وقد اختلفوا في ضبط ((سلام) ) : هل هو بالتخفيف أو بالتشديد؟ والتخفيف أكثر فيه واشهر، ولأبي محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزء منفرد.
-
ثم ظهر لي أن التشديد فيه أصح، فإن الذين رجحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رويت عن محمد بن سلام، أنه قال: أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام، وقد أفردت لذلك جزءا، وذكرت فيه أن هذه الحكاية لا تصح، وفي إسنادها متهم
بالكذب.
-
وقد خرج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير كلهم، عن أبي معاوية بهذا الإسناد والمتن، إلا أن لفظه: فقال: ((إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ) ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.
- vol. 2, p. 289
وخرجه - أيضا - من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، ولفظ حديثه: فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا) ) ، وضرب بيديه إلى الأرض، فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه.
-
وخرج القاضي إسماعيل المالكي حديث أبي معاوية، عن ابن نمير، عنه، ولفظه: فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح يمينك على شمالك وشمالك على يمينك، ثم تمسح وجهك) ) .
-
وخرج حديث عبد الواحد بن زياد، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عنه، ولفظ حديثه: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا) ) ، وضرب بكفيه إلى الأرض مرة واحدة، ثم مسح إحداهما بالأخرى، ومسح وجهه.
-
وأما رواية يعلى، عن الأعمش التي علقها البخاري، فخرجها الإمام أحمد في ((المسند) ) عن يعلى - وهو: ابن عبيد الطنافسي - كذلك.
-
وروى الإمام أحمد - أيضا - عن عفان: ثنا عبد الواحد، عن الأعمش بهذا الحديث، وفيه: وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة.
قال عفان: وأنكره يحيى بن سعيد، فسألت حفص بن غياث، فقال: كان الأعمش يحدثنا به
vol. 2, p. 290عن سلمة بن كهيل، وذكر: أبا وائل.
وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم: أن كان ما روى أبو معاوية حقا: روى عن الأعمش، عن شقيق القصة. فقال - أيضا -: ضربة للوجه والكفين، وتابعه عبد الواحد.
قال أبو عبد الله - يعني: أحمد -: فهذان جميعا قد اتفقا عليه، يقولان: ضربة للوجه والكفين.
-
وإنما أنكر يحيى بن سعيد هذه اللفظة، وتوقف فيها الإمام أحمد لان شعبة وحفص بن غياث وابن عيينة وغيرهم رووه: عن الأعمش، ولم يذكروا الضربة الواحدة، ولا صفة التيمم في حديثه عن شقيق، عن أبي موسى، كما ساق ذلك البخاري في الباب الماضي.
-
ثم ذكر أحمد أن أبا معاوية وعبد الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة، فزالت نكارة التفرد، وقد تبين أن يعلى تابعهما - أيضا.
-
وقد كان الأعمش يروي هذا الحديث عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار على اختلاف عليه في إسناده، وذكر فيه: صفة التيمم بضربة واحدة، ولكنه ذكر أنه زاد على مسح الكفين بعض الذراعين، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم في ((باب: التيمم للوجه والكفين) ) ، وذكرنا أن سلمة بن كهيل شك في الزيادة على الكفين، وانه رواه عنه سفيان وشعبة والأعمش مع اختلاف عليهم في بعض الإسناد والمتن، فربما علل ذكر الضربة الواحدة بأنه كان عند الأعمش، عن سلمة بن كهيل، وحمل عليه حديث أبي وائل، كما قد يفهم ذلك من قول حفص بن غياث الذي ذكره عنه عفان،
vol. 2, p. 291إلا أن الأئمة اعتمدوا على رواية أبي معاوية وعبد الواحد ويعلى، عن الأعمش، عن شقيق وحده للضربة الواحدة، وأبو معاوية مقدم في حديث الأعمش، يرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه.
-
وقد رويت الضربة الواحدة عن عمار من طريق قتادة، عن عزرة، عن ابن
أبزى، عن أبيه، عن عمار - أيضا -، وقد تقدم ذكره - أيضا. وحديث شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن أبزى المتفق على تخريجه في ((الصحيحين) ) كما تقدم يدل عليه - أيضا.
-
وقد اتفق الأئمة على صحة حديث عمار، وتلقيه بالقبول.
قال إسحاق بن هانئ: سئل أحمد عن التيمم؟ قال: ضربة واحدة للوجه والكفين، قيل له: ليس في قلبك شيء من حديث عمار؟ قَالَ: لا.
-
وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية:
أحدهما: ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين، فإنه قال: ((ثم مسح وجهه) ) ، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه.
-
وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية، ولفظ حديثه: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا) ) وضرب بيديه على الأرض
vol. 2, p. 292ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله، على كفيه ووجهه.
-
وخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري، عن أبي معاوية، ولفظه: ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا) ) فضرب بيده على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه.
-
فاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه، وعطفه: هل هو بالواو، أو بلفظ: ((ثم) ) ؟
-
وقد قال الإمام أحمد في رواية بن عَبدةَ: رواية أبي معاوية، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط.
-
والثاني: أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود: إنما كرهتم هذا لهذا، فقال ابن مسعود: نعم. وقد صرح بهذا في رواية أبي داود، عن الأنباري المشار إليها، وإنما روى أصحاب الأعمش، منهم: حفص بن غياث، ويعلى بن عبيد، وعبد الواحد بن زياد أن السائل هو الأعمش، والمسئول هو شقيق أبو وائل.
-
وقد ذكرنا فيما تقدم مسح الوجه واليدين في التيمم، وهل الممسوح الكفان خاصة، أم الكفان والذراعان إلى المرفقين، أم إلى المناكب والآباط؟
- والكلام هنا في عدد الضرب الممسوح به:
-
فمن قَالَ: إنه يمسح الوجه والكفين، قال أكثرهم: يمسح ذلك بضربة واحدة اتباعا لحديث عمار، وهذا هو المروري عن علي وعمار وابن عباس، وعن الشعبي وعطاء ويحيى بن كثير وقتادة وعكرمة ومكحول والأوزاعي، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وداود - وهو قول عامة أهل الحديث -: قاله الخطابي وغيره.
وقال ابن المنذر: بهذا نقول؛ للثابت عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: ((التيمم ضربة للوجه والكفين) ) .
-
وحكى عن طائفة منهم أنه يمسح وجهه بضربة، وكفيه إلى الرسغين بضربة
أخرى. قال ابن المنذر: يروي هذا عن علي، وحكاه غيره عن عطاء والنخعي والأوزاعي في رواية عنهما، والشافعي في القديم.
-
ونقل حرب، عن إسحاق: أن هذا هو المستحب، ويجزئ ضربة واحدة. وروي حرب بإسناده، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين.
-
وبإسناده: عن عطاء والاوزاعي مثله.
-
وأما من قال: أن التيمم يبلغ إلى المرفقين، فأكثرهم قالوا: يتيمم بضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، هذا هو الصحيح عن ابن عمر وعن جابر بن عبد الله، وهو قول أكثر العلماء القائلين بذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم.
-
واختلفوا: هل ذلك على الوجوب، أم على الاستحباب؟
vol. 2, p. 294فقالت طائفة: هو على الوجوب، لا يجزئ دونه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في ظاهر مذهبه، ورواية عن مالك.
وقالت طائفة: بل هو على الاستحباب، ويجزئ ضربتان: إحداهما للوجه والأخرى للكفين، وهو رواية عن مالك، واختاره القاضي أبو يعلي من أصحابنا، غير أن المجزئ عنده ضربة واحد للوجه والكفين، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد. وأنكر الخلال والأكثرون ثبوتها عنه.
وقال الخلال: إنما أجاز ذلك أحمد لمن تأول الأحاديث بفعلة، إلا أن الأحاديث في ذلك عنه ضعاف جداً في الضربتين.
-
وأجاز إسحاق أن يتيمم بضربتين: ضربة للوجه وضربة إلى المرفقين، إذا كان يرى الاقتصار على الكفين جائزاً، فإن اعتقد أنه لا يجزئ فقد أخطأ.
-
وهذا يدل على أن الخلاف في الإجزاء عنده غير سائغ.
وقال طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي: الواجب عنده إيصال التراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين، سواء حصل ذلك بضربة أو ضربتين، ولا يجب عنده تعدد الضرب، وخالفهم غيرهم من أصحاب الشافعي في ذلك.
-
وروى داود بن أبي هند، عن الشعبي، قَالَ: التيمم ضربة للوجه واليدين إلى المرفقين.
-
خرجه حرب الكرماني.
-
وروى ابن إسحاق، عن نافع، قال: رايت ابن عمر يضرب بيده في الأرض،
vol. 2, p. 295فيمسح بها وجهه، ثم يضرب يده فيمسح بها ذراعيه.