٧- باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت

114 paragraphs · vol. 2, p. 278

Page 3 of 3

  1. وعن ابن عون، قال: قلت للحسن: ارني كيف التيمم؟ فضرب بيديه على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بكفيه الأرض، ثم مسح بهما على ذراعيه.

    vol. 2, p. 295
  2. وعن داود، عن الشعبي، قال: التيمم ضربة للوجه والذراعين.

  3. خرج ذلك كله القاضي إسماعيل المالكي.

  4. وكذلك وصف سفيان الثوري التيمم.

  5. وظاهر هذا يدل على الكفين لا يمسحان بانفرادهما، بل يكفي ما أصابهما عند ضربهما بالأرض، فإنه لا بد أن يتطاير الغبار على ظاهرهما وباطنهما.

  6. وقد قال عكرمة في المتيمم: يضرب بكفيه على الأرض فيحركها ثم يمسح بوجهه وكفيه.

  7. وهذا يرجع إلى أنه لا يجب الترتيب كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى.

  8. وحكي عن ابن سيرين، أنه تيمم بثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة

    للكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين.

  9. وحكي عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي، أنه يتيمم بضربتين، يمسح بكل ضربة وجهه ويديه إلى المرفقين.

    قال ابن عبد البر: ما علمت أحداً من أهل العلم قال ذلك غيرهما.

  10. وللشافعية وجه ضعيف. أنه يستحب ضربة للوجه وضربتان لليدين، لكل يد ضربة، ولهم وجه ضعيف - أيضا -، أنه يشرع تكرار المسح في التيمم كالوضوء.

    vol. 2, p. 296وقال حرب: ثنا محمود بن خالد: ثنا الوليد بن مسلم، قال: قلت لأبي عمرو الأوزاعي: صف التيمم؟ فوضع كفيه على الأرض وضعا رفيقا، ثم رفعهما، ثم أمر إحداهما على الأخرى مسحا رفيقا، ثم أمر بهما على وجهه، ثم على كفيه.

    قال: وثنا المسيب بن واضح: ثنا أبو إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سألت الشعبي عن التيمم؟ فضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه وكفيه.

  11. وظاهر هذا يقتضي أنه يمسح أولا إحدى كفيه بالأخرى، ثم يمسح وجهه، ثم يمسح كفيه.

  12. وفي بعض ألفاظ حديث عمار المذكورة في هذا الباب ما قد يشعر بهذا القول، ولا يبقى حينئذ إشكال في رواية أبي معاوية، عن الأعمش؛ لأنه يكون قد مسح كفيه مرة قبل وجهه ومرة بعده، وهذا غريب جدا، وعند التأمل لا يدل حديث عمار على ذلك؛ فإن لفظ رواية البخاري أنه مسح بالضربة ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه، وهذا إنما يدل على أنه مسح ظهر كفه ببطن الأخرى.

  13. وفي رواية مسلم: ((مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه) ) ، فهذه تدل على أنه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما.

  14. وفي رواية أبي داود والنسائي: ((أنه مسح بشماله على يمينه وبيمينه على

    شماله)) ، وهذا يدل على أنه مسح كل واحدة بالأخرى.

  15. والمنصوص عن أحمد، وهو مذهب الشافعي وغيره، أنه يجب الترتيب في التيمم كما يجب في الوضوء، فيمسح وجهه أولا، ثم يمسح كفيه.

    vol. 2, p. 297
  16. ومن أصحابنا المتأخرين من قال: لا يجب الترتيب في التيمم خاصة؛ لأنهم قالوا في صفة التيمم: أنه يمسح وجهه بباطن أصابعه وظاهر كفيه براحتيه، ويدلك كل راحة بالأخرى ويخلل الأصابع. قالوا: فيقع مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه، وهذا يخل بالترتيب.

  17. وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي وأبي بكر وغيرهما.

    قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم؟ فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض ضربة واحدة. وقال: هكذا.

  18. وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع ومن كلام من قال من السلف: أن التيمم ضربة للوجه والكفين.

  19. وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل.

  20. وهذا ضعيف؛ لان التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان:

    أحدهما: أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثا، وهذا لم يرفع الحدث على ظاهر المذهب.

  21. وعلى الوجه الثاني: أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل، فالمستعمل هو ما علق بالوجه أو تناثر منه، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما

    vol. 2, p. 298يبقى في الإناء بعد الاستعمال منه، وليس بمستعمل، ويجوز التيمم به، صرح به طائفة من أصحابنا والشافعية.

  22. ونقل حرب، عن إسحاق، أنه وصف لهم التيمم، فضرب بيديه، ثم نفخهما، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيده الثانية ولم ينفخهما، ثم مسح ظهور الكفين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى، ولم يذكر أنه مسح بطون كفيه اكتفاء بمرور التراب عليهما بالضرب بهما على الأرض، وهذا في التيمم بالضربتين ظاهر، ولا يتأتى مثله في الضربة الواحدة؛ لأنه يخل بالترتيب.

  23. وقد صرح العراقيون من أصحاب الشافعي: بأنه يسقط فرض الراحتين وما بين الأصابع حين يضرب اليدين على التراب، ثم أوردوا على ذلك أنه لو سقط فرضهما بذلك لصار التراب الذي عليهما مستعملا، فكيف يجوز مسح الذراعين به ولا يجوز نقل الماء الذي غسل به أحدى اليدين إلى الأخرى، إلا على وجه ضعيف لهم؟

  24. وأجابوا عن ذلك بوجهين:
  25. أحدهما: أن اليدين كعضو واحد، ولا يصير التراب والماء مستعملا إلا

    بانفصاله، ولم ينفصل التراب، بخلاف الماء فإنه ينفصل فيصير مستعملا.

  26. والثاني: أن هذا يحتاج إليه في التيمم لضرورة، حيث لم يمكن أن ييمم الذراع بكفها، فافتقر إلى الكف الأخرى فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه، وعلى قول هؤلاء لا يجب بعد ذلك مسح إحدى الراحتين بالأخرى،

    vol. 2, p. 299بل هو مستحب.

  27. ومن أصحابهم من حكى في وجوبه وجهين. وقال البغوي منهم: أن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسح الراحتين حصل له؛ وإلا فلا. وهذا يدل على أنه لا يحصل بضربهما بالأرض.

  28. ومن أعيان أصحابنا المتأخرين من حكى قولا لم يسم قائله، ورجحه في التيمم بضربة واحدة: أنه يمسح بباطن يديه وجهه، ثم يمسح بهما ظاهر كفيه خاصة. قال: لان باطنهما يصيبه التراب حين يضرب بهما الأرض وحين يمسح بهما الوجه وظهر

    الكفين، فلو مسح إحداهما بالأخرى لتكرر مسحهما ثلاث مرات، وتكرار مسح التيمم غير مشروع بخلاف الوضوء، وهو - أيضا - ينافي أن يكون التيمم بضربة واحدة.

  29. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن تكرار المسح بتراب ضربة واحدة لا تتعدد به الضربات كتكرار مسح الرأس بماء واحد؛ فإنه لا يكون تكرارا، وقد سبق ذلك في الوضوء، وإنما لم يشرع تكرار التيمم إذا وقع الأول موقعه، وما أصاب باطن الكفين من التراب قبل مسح الوجه غير معتد به عند من يوجب الترتيب، فلا يكون ذلك تكرارا - أيضا.

  30. وقد تقدم أن حديث عمار يدل على أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح بعد الضرب ظاهر كفيه وباطنهما.

  31. وإنما يجب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر. فأما الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي:

    vol. 2, p. 300أحدهما: أنه واجب - أيضا -؛ لأن صفة التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغسل والوضوء، وأيضا؛ فإن البدن كله في غسل الجنابة كالعضو الواحد، وفي التيمم عضوان متغايران، فيلزم الترتيب بينهما كأعضاء الوضوء.

  32. والثاني: لا يجب؛ لأن التيمم عن الجنابة يلتحق بالغسل ولا ترتيب فيه، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في توجيه رواية أبي معاوية، عن الأعمش التي خرجها البخاري بتقديم الكفين على الوجه؛ لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما علم عمارا ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة.

  33. وقد حكى بعضهم عن الأعمش: أنه كان يذهب إلى تقديم مسح الكفين على الوجه في التيمم مطلقا، فإن صح هذا عنه دل على أن ما روى عنه أبو معاوية محفوظ عن الأعمش، وان أبا معاوية حَفِظَ عنه ولم يهم فيه، كما قاله الإمام أحمد. والله أعلم.

  34. ويحتمل أن الأعمش فسر هذا التفسير من عنده كما فسره شعبة - أيضا - من عنده كذلك بتقديم دلك اليدين على الوجه، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبة والأعمش؛ فإن كثيرا منهم لم يكن يفرق بين مدلول العطف بـ ((ثُمَّ) ) وبالواو. والله تعالى أعلم.