١٨- باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
139 paragraphs · vol. 2, p. 442
Page 3 of 4
- vol. 2, p. 450
وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حاليين: فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد، وألا أومأ.
وقال أبو بكر الخلال: قول أحمد: يومئ، يريد بالركوع. وقوله: يسجد على متن الماء، في السجود.
-
فلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافا.
-
ولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه، وإنما عليه أن يومئ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافاً، بل قال ابن أبي موسى: لا يلزمه ذلك - قولا واحدا.
- vol. 2, p. 451
ومنهم من خرج فيه وجها آخر: بوجوب السجود على الطين إذا قلنا: لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته، بل تلزمه الصلاة بالأرض، وهو رواية عن أحمد واختارها ابن أبي موسى.
-
وفرق ابن أبي موسى بين المسألتين، ووجه الفرق: أن المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار الأرض دون امتناع السجود بالأرض، ولأن في السجود على الطين ضررا؛ فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه، فلا يلزمه، بخلاف السجود على متن الماء.
-
وممن قال: يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين: أبو الشعثاء وعمارة بن
غزية.
- وفيه حديث مرفوع:
-
خرجه الطبراني وابن عدي من طريق محمد بن فضاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماءا) ) .
-
وفي رواية لابن عدي: ((أو في ماء أو في ثلج) ) .
-
ومحمد بن فضاء، ضعيف؛ ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما.
-
ومذهب مالك: أنه يصلي في الطين بالأرض، ولا يصلي على الراحلة.
-
واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين: فروي عنه: أنه يسجد عليه. وروي عنه أنه يومئ.
- vol. 2, p. 452
وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين: فالحال التي يسجد عليه: إذا كان خفيفا، كما سجد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في اعتكافه في الماء والطين، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين. والحال التي يومئ: إذا كان كثيرا، يغرق فيه المصلي.
-
ونص أحمد على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ، ولم يسجد عليه.
-
وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد.
-
خرج البخاري في هذا الباب حديثين:
الحديث الأول:
قال:
vol. 2, p. 452٣٧٧ - ثنا علي بن عبد الله: ثنا سفيان: ثنا أبو حازم: سألوا سهل بن سعد: من أي شيء المنبر؟ فقال: ما بقي في الناس أعلم به مني، هو من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقام عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة، كبر وقام الناس خلفه فقرأ، وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري حتى سجد بالأرض، فهذا شانه.
قال أبو عبد الله: قال علي بن عبد الله المديني: سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، قال: فإنما أردت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أعلى من الناس، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من
vol. 2, p. 453الناس بهذا الحديث. قال: فقلت: أن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا
كثيرا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا.
-
هذا الحديث بتمامه مشهور عن ابن عيينة بهذا الإسناد، رواه عنه الشافعي وغيره، ولم يسمع منه الإمام أحمد إلا: ((كان من أثل الغابة) ) - يعني: منبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد خرج هذا القدر منه عن سفيان في ((مسنده) ) . وكان سفيان يختصر الحديث أحيانا.
-
وإنما خرج أحمد بتمامه في ((مسنده) ) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن
أبيه، عن سهل بن سعد، وقال في آخر الحديث: فلما انصرف قال: ((يا أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، وتعلموا صلاتي) ) .
-
وقد خرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه) ) ، ومسلم - أيضا - من حديث يعقوب بن عبد الرحمان، عن أبي حازم، بهذه الزيادة.
-
ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث هنا: الاستدلال على جواز الصلاة على ما يوضع على الأرض من منبر وما أشبهه كالسرير وغيره.
-
وما ذكره البخاري عن علي بن المديني، أن أحمد بن حنبل سأله عن هذا
الحديث، وقال: إنما أردت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أعلى من الناس، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث.
-
فهذا غريب عن
vol. 2, p. 454الإمام أحمد، لا يعرف عنه إلا من هذا الوجه، وقد اعتمد عليه ابن حزم وغيره، فنقلوا عن أحمد: الرخصة في علو الإمام على المأموم.
-
وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم، وذكره الخرقي ومن بعده، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان، عن أحمد، أنه قال: لا يكون الإمام موضعه أرفع من موضع من خلفه، ولكن لا بأس أن يكون من خلفه ارفع.
-
وممن كره أن يكون موقف الإمام أعلى من المأموم: النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي.
-
وقد روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه أنه كرهه، ونهى عنه.
-
وخرج أبو داود من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك - أو ينهى عن ذلك -؟ قال: قد ذكرت حين مددتني.
- vol. 2, p. 455
ومن رواية ابن جريج: أخبرني أبو خالد، عن عدي بن ثابت، قال: حدثني رجل، أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي، والناس أسفل، فتقدم حذيفة، فأخذ على يديه، فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ((إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مقام ارفع من مقامهم) ) - أو نحو هذا؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي.
-
ورخص طائفة في ارتفاع الإمام على المأمومين.
-
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أم الناس فوق كنيسة وهم تحتها.
-
وروي نحوه عن سحنون.
-
وأما مذهب الشافعي، فإنه قال: أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، ليراه من وراءه، فيقتدوا بركوعه وسجوده. قال: وإذا كان الإمام علم الناس مرة أحببت أن يصلي مستويا مع المأمومين؛ لأنه لم يرد عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه صلى على المنبر إلا مرة.
-
وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازه إذا أراد تعليمهم،
vol. 2, p. 456واختاره ابن المنذر، وقال: إذا لم يرد التعليم فهو مكروه؛ لحديث ابن مسعود.
-
ومن أصحابنا من حكى رواية عن أحمد كذلك.
-
والذين كرهوا ذلك مطلقا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر:
فمنهم من قال: قد يفعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه، ولا يكون ذلك مكروها في حقه في تلك الحال، ويكره لغيره بكل حال.
-
وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه.
-
ومنهم من قال: المكروه أن يقوم الإمام على مكان مرتفع على المأمومين ارتفاعا كذراع ونحوه، فإنه يحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به وهو مكروه، فأما الارتفاع اليسير فغير مكروه، ويحتمل أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان وقوفه على درجة المنبر الأولى، فلا يكون ذلك ارتفاعا كثيرا.
-
وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا.
-
وقياس المذهب: أنه يرجع فيه إلى العرف.
-
وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنه مقدر بما زاد على قامة الإنسان.
- vol. 2, p. 457
واستغرب ذلك أبو بكر الرازي.