٨٩- باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -

98 paragraphs · vol. 3, p. 427

Page 2 of 3

  1. وقد خرجه الأمام أحمد عن موسى بن قرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن

    عبد الله حدثه، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح.

    vol. 3, p. 434
  2. قال ابن عبد البر في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل:

    vol. 3, p. 435هذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس.

    قال مالك في ((الموطإ) ) : لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي

    فيه، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عرس به، وأن ابن عمر أناخ به.

    قال ابن عبد البر: واستحبه الشافعي، ولم يأمر به.

    وقال أبو حنيفة: من مر بالمعرس من ذي الحليفة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل، وليس ذلك عليه.

    وقال محمد بن الحسن: وهو عندنا من المنازل التي نزلها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طريق مكة، وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره، فلذلك كان ينزل بالمعرس، لا أنه كان يراه واجباً ولا سنة على الناس. قال ولو كان واجباً أو سنه من سنن الحج لكان سائر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقفون وينزلون ويصلون، ولم يكن ابن عمر ينفرد بذلك دونهم.

    وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمعرس كسائر نزوله بطريق مكة؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة. قال: ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه.

  3. وذكر حديث موسى بن عقبه، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه، فقال له: ما حسبك؟ فذكر

    vol. 3, p. 436عذراً، قال: ما ظننت انك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضرباً. انتهى.

  4. وفي قوله: ((أنه صلى بالمعرس نافلة) ) نظر، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح.

  5. وظاهر كلام أحمد: استحباب الصلاة بالمعرس، فإنه قال في رواية صالح: كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا صلى فيه، حتى أنه صب الماء في أصل شجرة، فكان ابن عمر يصب الماء في أصلها.

  6. وإنما أخرج أحمد ذلك مخرج الاحتجاج به؛ فإنه في أول هذه الرواية استحب ما كان ابن عمر يفعله من مسح منبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومقعده منه.

  7. وقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق ويرجع في غيره، كما كان يفعل ذلك في العيدين، وكما كان يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها.

  8. وقد خرج البخاري في ((الحج) ) من حديث ابن عمر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس.

  9. وخرجه مسلم - أيضا.

  10. وهذا يدل على أن موضع الشجرة - وهو مسجد ذي الحليفة - غير طريق المعرس، والذي كان يرجع منه.

  11. وخرج البزار نحوه من حديث أبي هريرة.

    vol. 3, p. 437
  12. ثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرجه البخاري هاهنا:

    vol. 3, p. 437٤٨٥ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلى فيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يقول ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى، وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر، أو نحو ذلك.

  13. هذا هو المسجد الذي اختلف فيه سالم ونافع، كما ذكرناه في شرح الحديث الأول.

  14. وهذا الحديث: يدل على أن بالروحاء مسجدين: كبير وصغير، فالكبير بشرف الروحاء، ولم يصل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنده، إنما صلى موضع الصغير عن يمين ذلك المسجد، وأن بين المسجدين رمية بحجر.

  15. ثم رجعنا إلى بقية الحديث.

  16. ٤٨٦ - وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف، وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتني ثم مسجد، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان، فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح.

    قال الخطابي: العرق: جبيل صغير.

    vol. 3, p. 437
  17. ومنصرف الروحاء: المنصرف - بفتح الراء -، ويقال: أن بينه وبين بدر أربعة برد، والمسجد المبني هناك، قيل: أنه في آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل على يسار الذاهب إلى مكة. وقيل: أنه لم يبق منه زمان إلا آثار يسيرة، وأنه كان يعرف حينئذ بمسجد الغزالة.

  18. وذكروا: أن عن يمين الطريق لمن كان بهذا المسجد وهو مستقبل النازية موضع كان ابن عمر ينزل فيه، ويقول: هذا منزل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان ثم شجرة، كان ابن عمر إذا نزل وتوضأ صب فضل وضوئه

    vol. 3, p. 439في أصلها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل.

  19. والنازية: قال صاحب ((معجم البلدان) ) : - بالزاي وتخفيف الياء -: عين على طريق لآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب.

  20. ولم يصرح ابن عمر في صلاته إلى هذا العرق بأنه رأى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى إليه، ولكن محافظته على الصلاة في هذا المكان ذاهبا وراجعا وتعريسه به حتى يصلي به يدل على أنه إنما فعل ذلك إقتداء بصلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه.

  21. ثم رجعنا إلى بقية الحديث:

    vol. 3, p. 439٤٨٧ - وأن عبد الله حدثه، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق، ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة.

  22. السرحة: شجرة، وتجمع على سرح كتمرة وتمر، وهو ضرب من الشجر له ثمر، وقيل: هي شجرة بيضاء. وقيل: كل شجرة طويلة سرحة.

    وقال إبراهيم الحربي: السرح شجر كبار طوال لا ترعى، يستظل به، لا ينبت في رمل أبدا، ولا جبل، ولا تأكله الماشية إلا قليلا، له غصن اصفر.

  23. وقد وصفها بأنها ضخمة - أي: عظيمة -، وأنه انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وأنها قائمة على ساق، وفي كثب كثيرة.

    vol. 3, p. 440
  24. وقد سبق أن الكثب جمع كثيب، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض.

  25. والبطح: الواسع. والرويثة مكان معروف بين مكة والمدينة.

  26. وأما مكان هذه السرحة، فلا يعرف منذ زمان، وقد ذكر ذلك بعض من صنف في أخبار المدينة بعد السبعمائة، وذكر أنه لا يعرف في يومه ذاك من هذه المساجد المذكورة في هذا الحديث سوى مسجد الروحاء ومسجد الغزالة، وذكر معهما مسجدا ثالثا، وزعم أنه معروف - أيضا - بالروحاء، عند عرق الظبية، عند جبل ورقان، وذكر فيه حديثا رواه الزبير بن بكار بإسناد ضعيف جدا، وأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا) ) . وهذا لا يثبت، ولعله أحد المسجدين بالروحاء، وقد تقدم ذكرهما.

  27. ثم رجعنا إلى بقية الحديث:

    vol. 3, p. 440٤٨٨ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى في طرف تلعة من وراء العرج كبيرة، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد

    vol. 3, p. 441قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارة، عن يمين الطريق عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان

    عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في ذلك المسجد.

  28. وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث زيادة في هذا بعد قوله: ((وأنت ذاهب على راس خمسة أميال من العرج فِي مسجد إلى هضبة) ) - وذكر باقيه.

  29. والتلعة: المكان المرتفع من الأرض.

    قال الخطابي: التلعة مسيل الماء من فوق لأسفل. قال: والهضبة فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل. والرضم: حجارة كبار واحدتها رضمة. والسلمات: جمع سلمة، وهي شجرة ورقها القرظ الذي يدبغ به الأدم. وقيل: السلم يشبه القرظ وليس به. انتهى ما ذكره.

  30. وحكى غيره أن الهضبة كل جبل خلق من صخرة واحدة وكل صخرة راسية تسمى هضبة، وجمعها هضاب -: قاله الخليل.

    وقال الأصمعي: الهضبة: الجبل المنبسط على الأرض.

  31. والسلمات - بالفتح -: شجر، والسلمات بالكسر -: حجارة. والرضم والرضام: دون الهضاب -: قاله أبو عمرو. والوحدة منها رضمة. والعرج: مكان معروف بين مكة والمدينة؛ يقال: أنه عقبة.

    vol. 3, p. 442
  32. رجعنا إلى بقية الحديث:
  33. ٤٨٩ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نزل عند سرحات عن يسار الطريق، في مسيل دون هرشي، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشي، بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي اقرب السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن.

    قال الخطابي: هرشي: ثنية معروفة، وكراعها: ما يمتد منها دون سفحها.

    وقال غيره: الغلوة - بفتح الغين المعجمة -: قدر رمية بعيدة بسهم أو حجر.

    vol. 3, p. 442
  34. وعند الإمام أحمد في حديث ابن عمر هذا، في هذا الموضع زيادة: ((غلوة

    سهم)) .

    وقال صاحب ((معجم البلدان) ) هرشي: ثنية في طريق مكة، قريبة من

    الجحفة، يرى منها البحر ولها طريقان، فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد.

  35. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بوادي الأزرق، فقال: ((أي واد هذا؟) ) قالوا: وادي الأزرق. قال: ((كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية) ) ، ثم أتى على ثنية هرشي، فقال: ((أي ثنية هذا؟) ) قالوا: هرشي. قال: ((كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة، وهو يلبي) ) .

    قال هشيم: يعني: ليفا.

    vol. 3, p. 443
  36. رجعنا إلى بقية الحديث:
  37. ٤٩٠ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين الطريق إلا رمية بحجر.

    vol. 3, p. 443
  38. مر الظهران: معروف قريب من مكة ويسمى بطن مر.

  39. والصفراوات: موضع قريب منه بينه وبين عسفان.

  40. رجعنا إلى بقية الحديث: