المبحث الثاني: صفة الناقد
93 paragraphs · vol. 1, p. 203
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 211
يقول أحمد: إنما يعتد بكلامه لو كان ثقة , أما وهو رجل مجروح ساقط، فلا.
-
وأبو مريم هذا هو عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، أحد من ذكروا بمعرفة الحديث، لكنه كان يضع الحديث.
-
وإليك ثلاثة من هؤلاء الذين لهم قول مذكور في كتب الجرح والتعديل، تحتاج إلى التوقي من نقدهم وكلامهم في الرواة؛ لأن الكلام فيهم أسقط اعتمادهم في الجرح والتعديل:
[١] محمد بن عمر بن واقدٍ الواقدي الأسلمي (المتوفى سنة: ٢٠٧) .
-
كان واسع المعرفة، كثير الأخبار، رواية للسير والمغازي، ومن أكثر الناس كلاماً فيها، وله كلام كثير في وفيات الشيوخ، لكن الأئمة النقاد
vol. 1, p. 212الكبار مثل: الشافعي وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين والبخاري وسائر من بعدهم من أمثالهم قد اتفقوا على وهائه وسقوطه، بل منهم من قضى بأنه كان كذاباً، وإنما خالفهم من هو دونهم في المعرفة بالنقلة بدرجات.
-
فإذا وجدت عبارة نقد معزوة إلى الواقدي فاعلم أنها ليست موضعاً للقبول، علماً بأن ما له في ذلك قليل.
-
[٢] محمد بن الحسين بن أحمد أبو الفتح الأزدي (المتوفى سنة: ٣٧٤) .
-
أحد العلماء المذكورين بالحفظ، لكن ضعفه الحافظ أبو بكر البرقاني، وقال الخطيب البغدادي: " في حديثه غرائب ومناكير، وكان حافظاً، صنف كتباً في علم الحديث " (١) .
- (١)تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٤).
-
وحول كلامه في الرواة قال الذهبي: " له كتاباً كبير في الجرح والضعفاء عليه فيه مؤاخذات " (٢) .
- (٢)ميزان الاعتدال (٣/ ٥٢٣).
-
ولو تتبعت غلطه في ذلك وجدته كثيراً، منه ما أنكره عليه الذهبي في ترجمة (أبان بن إسحاق) (٣) حيث قال: " أبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأوعى، وجرح خلقاً بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المتكلم فيه " .
- (٣)في " ميزان الاعتدال " (١/ ٥).
-
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته (خثيم بن عراك بن مالك) (٤) : " وشذَّ الأزدي فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي، وأفرط فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟ " .
- (٤)في " هدي الساري " (ص: ٤٠٠).
- vol. 1, p. 213
[٣] مسلمة بن القاسم الأندلسي (المتوفى سنة: ٣٥٣) .
-
كان محدثاً واسع الرحلة كثير السماع من الشيوخ، له مصنفات في تواريخ المحدثين، وكلام كثير في الجرح والتعديل، لكنه لم يكن مرضياً عند الأندلسيين، قال ابن الفرضي: " سمعت من ينسبه إلى الكذب، وسألت محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عنه فقال: لم يكن كذاباً، ولكن كان ضعيف العقل " (١) ، وقال الذهبي: " لم يكن بثقة " (٢) .
- (١)تاريخ علماء الأندلس (ص: ١٣٠).
- (٢)سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٠).
-
فهؤلاء وأمثلهم ممن لهم كلام محفوظ عنهم في كتب الجرح والتعديل، لا يعتمد على جرحهم أو تعديلهم منفردين، فإن جاءت أقوالهم موافقة لأقوال من يعتبر قوله فلا بأس بحكايتها، وإن جاءت مخالفة فمطروحة، وإن لم يوجد لها الموافق أو المخالف فالتعديل منهم غير كاف، والجرح يفيد التوقف في قبول رواية الراوي، لا لأجل اعتمادنا على جرح الواحد منهم، وإنما لمجيء جرحه موافقاً للجهالة بأمر ذلك الراوي، وهي قادحة لذاتها في قبول حديثه.
-
٣ _ الورع، والحذر، والمبالغة في الاحتياط والتيقظ.
قال الذهبي: " الكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله " (٣) .
قلت: وهذا يستلزم مراقبة الله تعالى في حرمة دينه من جهة، وحرمة أعراض الرواة من جهة أخرى، ويوجب مبالغة في الاحتياط في التحقق قبل إرسال العبارات بالتعديل أو التجريح.
- (٣)الموقظة (ص: ٨٢).
-
كما يوجب ترك العصبية لأحد أو على أحد، والنظر بعين الإنصاف والعدل، وإن كان ذلك صعباً شديداً.
vol. 1, p. 214قال ابن حبان: سئل علي بن المديني عن أبيه؟ فقال: " اسألوا غيري " فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: " هذا الدين، أبي ضعيف " (١) .
- (١)المجروحين، لابن حبان (٢/ ١٥).
-
وهذا يحيى بن معين يتكلم في صاحب له ممن كان يحبه، فنقل عنه الحسين بن حبان قوله في (محمد بن سليم القاضي) : " هو _ والله _ صاحبنا، وهو لنا محب، ولكن ليس فيه حيلة البتة، وما رأيت أحداً قط يشير بالكتاب عنه ولا يرشد إليه " ، وقال: " قد _ والله _ سمع سماعاً كثيراً، وهو معروف، ولكنه لا يقصر على ما سمع، يتناول ما لم يسمع " ، قلت له: يكتب عنه؟ قال: " لا " . وفي رواية ابن أبي خيثمة، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: " ليس بثقة " ، قلت: لم صار ليس بثقة؟ قال: " لأنه يكذب في الحديث " (٢) .
- (٢)تاريخ بغداد، للخطيب (٥/ ٣٢٦).
-
والقاعدة في أئمة هذا الشأن الشهرة بالدين والصلاح والورع، لكن العصمة غير ثابتة لهم، فقد يتأثر الناقد ببعض العوارض فيصدر حكمه على غير سنن العدل، فيجب التفطن إلى ذلك، كما وقع من جماعة من النقاد في حق بعض النقلة وعلمنا بالقرائن أن أحكامهم تلك لم تكن منصفة.
- وعليك أن تتفطن إلى أمرين هنا:
-
الأول: لا يجوز اعتماد قول ذلك الناقد في حق من دلت القرائن أنه على خلاف حكمه فيه، وإنما تلك زلة توجب الاستغفار له.
-
والثاني: لا يجوز إهدار سائر أحكام ذلك الناقد على غير ذلك الراوي بسبب زلته تلك، وإنما هي باقية على الاعتبار كأقوال غيره من الأئمة.
-
لكن اعلم أنه لا يجوز الإقدام على رد كلام الناقد وادعاء كونه خرج على غير مخرج الإنصاف إلا بعد ثبوت المعارض الراجح.
- وتفسير ذلك:
-
لو أن زيداً من النقاد قال: (فلان كذاب) ، ووجدنا عامة النقاد على موافقته في جرح ذلك الراوي بالتكذيب أو ما يقرب منه، فلا يصح رد كلام ذلك الناقد (١) ، ولو وجدناهم اختلفوا فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه، لم نقدر أن نقول: (قوله غير منصف) ، وإنما نبحث عن طريق آخر للترجيح، ولو وجدناه انفرد بما خالفوه فيه، فإن كان فسر قوله وبين حجة مقنعة قبلناه، وإلا رددنا، وإن كان المنتقد ممن ثبت عدالته واشتهر صدقه فهذا لا يلتفت معه إلى قول الجارح ويحمل على الغلط أو عدم الإنصاف.
- (١)مثل قول الإمام مالك بن أنس في (عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدني): " كذاب "، فإنه عامة نُقَّاد المحدثين مطبقون على وَهاء هذا الرجل وسُقوطه، وكذَّبه منهم طائفة، فما نقله أحمد بن صالح المصري قال سألت عبدَ الله بن وهب عن عبد الله بن زياد بن سِمعان؟ فقال: " ثقةٌ "، فقلت: إن مالكاً يقول فيه: كذاب؟ فقال: " لا يُقبل قول بعضهم في بعْض ". (تاريخ أبي زُرعة الدمشقي ١/ ٣٧٩، جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ١٥٧)، فهذا الرد من ابن وهبٍ غير معتبر، فمالكٌ تكلم فيه بالإنصاف الذي اتفق عليه عامة الأئمة النقاد بعده.
-
ومن أكثر ما وقعت به مجاوزة الإنصاف: الكلام بسبب اختلاف العقائد والمذاهب، وقليل بسبب الغضب، ونادر منه ما قد يحمل على الحسد، فتفطن لذلك.
-
وهذه أمثلة منقسمة على هذه الوجوه المختلفة:
[١] الحافظ إبراهيم بن يعقوب الجوزاجاني (المتوفى سنة: ٢٥٩) ، له مصنف في جرح الرواة تحامل فيه على طائفة من ثقات الكوفيين واصفاً لهم بالزيغ والانحراف وغير ذلك، بسبب ما كان يميل إليه الكوفيون من التشيع، والجوزجاني كان قد سكن الشام، وكان أهلها يميلون إلى النصب، وهو الانحراف عن أهل البيت، فصدرت عباراته في الجرح واضحة التأثر بذلك؛ لذا فإنه لا يقبل كلامه في كوفي إلا أن يوافق من ناقد لم يوصم بذلك.
vol. 1, p. 216قال ابن عدي: " كان مقيماً بدمشق، يحدث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل فيتقوى بكتابه ويقرأه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التحامل على علي رضي الله عنه " (١) .
- (١)الكامل (١/ ٥٠٤) في ترجمة (إسماعيل بن أبان الورَّاق).
-
وقال ابن حبان كان حريزيَّ المذهب، ولم يكن بداعية إليه، وكان صلباً في السنة حافظاً للحديث، إلا أنه من صلابته كان يتعدى طوره " (٢) .
- (٢)الثقات (٨/ ٨١ _ ٨٢).
-
و (حريزي) نسبة إلى حريز بن عثمان، وقد اتهم بالنصب، فصار طائفة ينسبون إليه لقولهم بهذا المذهب.
وقال الدارقطني: " كان فيه انحراف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " (٣) .
- (٣)سؤالات السلمي (النص: ٧٧).
-
ونقول: يصح ما يذكره الجوزجاني من البدعة عن كثيرين من أهل الكوفة، ولكنه تجاوز في الجرح وبالغ في الحط، ولم يفرق بين تشيع غال وغير غالٍ.
-
[٢] الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الدولابي (المتوفى سنة: ٣١٠) .
-
صاحب كتاب " الكنى والأسماء " وغيره، له كلام في الرجال ونقل كثير، لكنه كان حنفياً متعصباً (٤) ، وحمله ذلك على المبالغة في الجرح للمخالف لمذهبه، كما حمله على الانتصار للمذهب في موضع الغلط.
- (٤)لسان الميزان (٥/ ٥١).
-
ومن الدليل عليه ما يأتي:
نقل عنه ابن عدي _ وهو تلميذه _ شدة طعنه على نعيم بن حماد
vol. 1, p. 217الخزاعي الذي كان من أشد الناس خلافاً لأهل الرأي الحنفية، ثم قال ابن عدي: " وابن حماد متهم فيما يقوله لصلابته في أهل الرأي " (١) .
- (١)تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٧٦).
-
وكان حدث برواية أبي حنيفة عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد بحديث إعادة الوضوء والصلاة من القهقهة، ثم قال: " هو معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في كتابه في تسمية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " ، فتعقبه ابن عدي فقال: " وهذا الذي ذكره ابن حماد غلط، وذلك أنه قيل: معبد الجهني، فكيف يكون جهنياً أنصارياً؟ ومعبد بن هوذة أنصاري، وله حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكحل، إلا أن ابن حماد اعتذر لأبي حنيفة فقال: هو معبد بن هوذة؛ لميله إلى أبي حنيفة، ولم يقله أحد (عن معبد) في هذا الإسناد إلا أبو حنيفة " (٢) .
- (٢)الكامل، لابن عدي (٤/ ١٠٢).
-
فأقول: من كان هذا وصفه فيخشى من جرحه لمخالفه أن لا يكون صدر منه ذلك على وجه الإنصاف، كما يخشى من تعديله لموافقه لنفس المعنى، فلا يجوز أن يقبل منه هذا ولا ذاك في راو علمنا كونه على مذهبه أو على خصام لمذهبه.
-
ويجب أن لا تغفل ما للخلاف في المذهب من التأثير في المتكلمين في الرجال، فراقب ذلك، خصوصاً في حال تعارض الجرح والتعديل.
-
وأكثر ما كان شائعاً من العصبية للمذهب في القرون الأولى ما كان بين أهل الحديث وأهل الرأي، فلا يقبل كلام بعضهم في بعض إلا من أهل وبحجة.
-
واعلم أن المثالين المتقدمين (الجوزجاني والدولابي) قد اختلت فيهما صفة الناقد، فنزل عن كونه أهلاً للاعتماد عليه بيناً انحرافه فيه، لا مطلقاً.
- vol. 1, p. 218
[٣] وهناك أمثلة عديدة لوقوع الغلط من الناقد على سبيل الندرة، قامت الحجة على عدم الاعتماد بها، مع بقاء ذلك الإمام مقبول الجرح والتعديل في سائر الأحوال، منها: جرح مالك بن أنس لمحمد بن إسحاق صاحب " السيرة " ، وتكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر.
-
ومنه كذلك (جرح الأقران لبعضهم) ككلام النسائي في أحمد بن صالح المصري، وكلام محمد بن إسحاق بن منده في أبي نعيم الأصبهاني، وأبي نعيم فيه.
-
[٤] ما وقع من ترك رواية أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين عن الإمام أبي عبد الله البخاري، اعتمدا فيه على ما كتب لهما به محمد بن يحيى الذهلي الحافظ من أن البخاري يقول: (لفظي بالقرآن مخلوق) (١) .
- (١)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٩١).
-
وهذه المسألة نسبت إلى البخاري وهو منها بريء، حكى محمد بن شادل (وكان محدثاً ثبتاً) قال: لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، أيش الحلية لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد؟ فقال: " كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء " فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: " يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها " (٢) .
- (٢)أخرجه الحاكم (كما في " سير أعلام النُّبلاء " ١٢/ ٤٥٦ _ ٤٥٧) وإسناده جيد. وهذه المسألة بينت فساد نسبتها إلى الإمام البخاري في مبحثٍ نافع في كتابي " العقيدة السلفية في كلام رب البرية " (ص: ٢٦١ _ ٢٦٨) فارجع إليه.