المبحث الثاني: صفة الناقد
93 paragraphs · vol. 1, p. 203
Page 3 of 3
- vol. 1, p. 218
أقول: محمد بن يحيى من بحور الأئمة ومن نقادهم، وجائز أن تكون زورت له المقالة على البخاري، فكان ذلك الموقف منه، وجائز غير ذلك من طباع البشر التي لا يعصمون منها، كالذي أشار إليه البخاري نفسه،
vol. 1, p. 219غفر الله للجميع، فلا يجوز أن يستعمل ذلك سبباً للنيل من البخاري بوجه، فضلاً عن ترك حديثه كما صنع أبو زرعة وأبو حاتم، غفر الله لهما.
-
٤ _ المعرفة بأسباب الجرح والتعديل.
-
هذه الخصلة من أهم ما يجب ملاحظته في الناقد، فلا يقبل جرح أو تعديل إلا من عارف بما يكون جرحاً وما يكون عدالة.
-
والكلام في الرواة يأتي عادة من أئمة قد عرفوا به وعدوا من أهله وأصحاب الدراية به، لكنك تجد بعد الشيء من ألفاظ الجرح والتعديل يقع من بعض الرواة الثقات في بعض الرواة الآخرين من شيوخهم أو غيرهم، فهؤلاء يجب أن تحتاط في قبول أقوالهم على معانيها المستعملة في هذا العلم؛ لجواز صدورها على غير مراد أهل المعرفة.
-
ومن هذا ما صدر من جماعة من التابعين في بعضهم، كتكذيب سعيد بن المسيب لعكرمة مولى ابن عباس، وتكذيب سالم بن عبد الله بن عمر لنافع مولى ابن عمر، فإنهم كانوا يطلقون على الخطأ لفظ الكذب، بخلاف ما جرى عليه نقاد المحدثين من بعد فإن الكذب عندهم هو تعمد وضع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
ومن هذا ما قد تراه في سياق إسناد من قول الراوي الثقة: (حدثنا فلان وكان ثقة) أو شبه ذلك، فإن لم يكن ذلك الراوي معروفاً في أئمة الجرح والتعديل فلا تكفي مجرد ثقته في نفسه لاعتماد قوله والتعويل عليه، إلا أن يوافق من عارف، ومن أمثلته:
[١] قال محمد بن إسحاق صاحب " السيرة " : " حدثني محمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وكانا ثقة " (١) .
- (١)سنن النسائي (رقم: ٢٤٧٦)، مُسند أحمد (رقم: ١١٨١٣).
- vol. 1, p. 220
كما قال ابن إسحاق: " حدثني أبو سفيان الحرشي وكان ثقة فيما ذكر أهل بلاده " (١) .
وقال: " حدثني عياض بن دينار وكان ثقة " (٢) .
وقال: " حدثني عمران بن أبي أنس أخو بني عامر بن لؤي وكان ثقة " (٣) .
[٢] وقال يزيد بن عبد الصمد الدمشقي: " حدثنا عبد الرزاق بن مسلم الدمشقي وكان من ثقات المسلمين من المتعبدين، قال حدثنا مدرك بن سعد " قال يزيد: " شيخ ثقة " (٤) .
[٣] وقال سريج بن يونس: " حدثنا محبوب بن محرز بياع القوارير كوفي ثقة " (٥) .
- (١)مُسند أحمد (رقم: ٧٠٢٥).
- (٢)مُسند أحمد (رقم: ٧٤٨٩).
- (٣)مُسند أحمد (٤/ ٥٧).
- (٤)سنن أبي داود (رقم: ٥٠٨١).
- (٥)عبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (رقم: ٥٤٢).
-
فهؤلاء الرواة: محمد بن إسحاق ويزيد بن عبد الصمد وسريج ثقات، وأرفعهم يزيد وهو ابن محمد بن عبد الصمد، لكن ليسوا ممن عرف بالخبرة في الرواة ودرجاتهم في النقل، وذلك علامة على كون التعديل قد لا يصدر من أحدهم على المعنى الذي يقرر عليه نقاد المحدثين، وجائز أن يكون بني على ما رأوا عليه ذلك الراوي من ستر وسلامة في نفسه، أو ذكر له بالخير عند الناس، وهذا غير كاف لتوثيقه حتى ينضم إليه الدراية بحديثه والخبرة به.
-
لكن لا بأس باعتبار ذلك إذا وافق شهادات النقاد العارفين.
- vol. 1, p. 221
٥ _ الاعتدال والتوسط في الجرح والتعديل.
-
وهذا شرط يوجبه ما تقدم من الشروط، والثالث منها خاصة، في الورع والتيقظ والتحفظ توجب أن يراعي في حكمه أن يكون سديداً، يوافق حقيقة الموصوف.
-
لكن التنبيه عليه على التعيين؛ من أجل اعتبار هذا المعنى الخاص مؤثراً في نقدكثير من الرواة، خصوصاً الجرح، فإن من الأئمة النقاد من اجتمعت فيه جميع الشروط المتقدمة، لكنه كان يبالغ في التحفظ، حتى يقدح في الراوي بالغلطة والغلطتين.
-
ويأتي لهذا مزيد بيان وتمثيل في الكلام في (اختلاف الجرح والتعديل) .