المبحث الثاني: تحرير القول فيما يسلب العدالة
137 paragraphs · vol. 1, p. 379
Page 3 of 4
- vol. 1, p. 396
والمعني به: البدع العقدية، لا البدع الإضافية في أبواب الفروع.
-
وأصول البدع تعود جملتها إلى: بدعة الخوارج، والقدرية، والرافضة، والناصبة، والمرجئة، والجهمية، والواقفة (٣) .
- (٣)فأما الخوارج فبدعتهم أول البدع في الإسلام، وذلك حينَ شقوا عصا الطاعة وخرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. والقدرية، هُم القائلون بنفي القدر، أي: أن الشر من خلق العبْد لا من خلق الله، ومنه من يقول: لا يعلمه الله من المخلوق حتى يفعله. والرافضة: مبْغضو أبي بكر وعُمر وعثمان، أو مكفروهم، والغلاة في علي بن أبي طالب وأهل بيته، والشيعة لقَبٌ يَشملهم، لكن يدْخل فيه: مُجرد تقديم علي على أبي بكر وعُمر دونَ البُغض. والناصبة: من قابلوا الرافضة في بُغض علي وأهْل بيته. والمرجئة: من ذهب إلى أن الإيمان مُجرَّد اعتقادِ القلب وإقرار اللسان، وأنَّ الأعمال ليست من الإيمان، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من غلا فقال: لا يضرُّ مع الإيمان معصية. والجهمية: أتباع جهم بن صَفوان في نفي صِفات الباري تعالى، واعتقاد خلق القرآن. والواقفة: هم من توقَّف في القرآن حين ظهرت المقالة فيه فقالوا: لا نقول هو مخلوق، ولا غير مخلوق.
- vol. 1, p. 397
وتضاربت فيه مذاهب أهل الحديث، بين قبول حديث الموصوف به ورده، أو قبوله في حال ورده في حال.
-
وإنما دخل الإشكال على من ذهب إلى القدح بذلك أن البدعة خلل في الدين، وذلك موجب للقدح في العدالة.
قال سلام بن أبي مطيع: بلغ أيوب (يعني السختياني) أني آتي عمراً (يعني ابن عبيد) (١) ، فأقبل علي يوماً، فقال: " أرأيت رجلاً لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث " (٢) .
وقال ابن حبان: " إن الداعي إلى مذهبه والذاب عنه حتى يصير إماماً فيه، وإن كان ثقة، ثم روينا عنه، جعلنا للاتباع لمذهبه طريقاً، وسوغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله " (٣) .
- (١)وهوَ من رءوس القدرية.
- (٢)مقدمة صحيح مسلم (١/ ٢٣) بإسناد صحيح.
- (٣)الإحسان في تقريب صحيح ابنِ حبان (١/ ١٦٠).
-
وتحرير القول في حديث المبتدع في بيان مذاهب علماء السلف.
-
[مذاهب أهل العلم في رد حديث أهل البدع أو قبوله]
- هي محصورة في أربعة مذاهب:
-
المذهب الأول: ترك حديثهم مطلقاً، أي: البدعة جرحة مسقط للعدالة.
- وعليه يتنزل نصوص طائفة من الأئمة:
- vol. 1, p. 398
فعن محمد بن سيرين، قال: " كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد؛ لكي يأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا حديث أهل البدع " (١) .
- (١)أثرٌ صحيح. أخرجه مُسلم في " مُقدمة صحيحه " (١/ ١٥) والترمذي في (العلل) آخر كتاب " الجامع " (٦/ ٢٣١) والجوزجاني في " أحوال الرجال " (ص: ٣٥ _ ٣٦) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٣٦٤٠) وابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٨) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٢٠٨ _ ٢٠٩) والعُقيلي في " الضعفاء " (١/ ١٠) وابنُ عدي في " الكامل " (١/ ٢١٤) وابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٨٢) والخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٧) من طريق إسماعيل بن زكريا الخُلقانيِّ، عن عاصم الأحوال، عن ابن سيرين، به. وإسناده جيد. وعدَّه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٢١١٥) مما تفرد به إسماعيل. لكن أخرجه بمعناه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٧) من طريق مُحمد بن حميد، قال: حدثنا جرير (يعني ابنَ عبد الحميد)، عن عاصم. غيرَ أن هذه متابعةٌ لا يُركن إليها ولا يُتعقب بها؛ لأنَّ ابنَ حُميد هو الرازي ضعيف جدًّا.
-
وعن مالك بن أنس، قال: " لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئاً، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافاً: فمنهم من كان كذاباً في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلاً بما عنده، فلم يكن عندي موضعاً للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء " (٢) .
- (٢)أخرجه ابنُ عبد البرِّ في " التمهيد " (١/ ٦٥) بإسناد صحيح.
-
المذهب الثاني: التفريق بحسب شدة البدعة وخفتها في نفسها، وبحسب الغلو فيها أو عدمه بالنسبة إلى صاحبها.
قال أحمد بن حنبل: " احتملوا المرجئة في الحديث " (٣) .
وقال إبراهيم الحربي: حدثنا أحمد يوماً عن أبي قطن (يعني عمرو بن الهيثم) ، فقال له رجل: إن هذا بعدما رجع من عندكم إلى البصرة تكلم
vol. 1, p. 399بالقدر وناظر عليه، فقال أحمد: " نحن نحدث عن القدرية، لو فتشت أهل البصرة وجدت ثلثهم قدرية " (١) .
- (٣)سؤالات أبي داود (النص: ١٣٦).
- (١)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٢٠٠) وإسناده حَسنٌ.
-
وأحمد شدد في حديث الجهمية لغلظ بدعتهم، وتوسط في القدرية، فقبل من لم يكن داعية، وسهل في المرجئة، قال ابن رجب الحنبلي: " فيخرج من هذا: أن البدع الغليظة كالتجهم يرد بها الرواية مطلقاً، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء، هل يقبل معها الرواية مطلقاً، أو يرد عن الداعية؟ على روايتين " (٢) .
وقال مسلم بن الحجاج: " الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع " (٣) .
- (٢)شرح علل الترمذي (١/ ٥٦)، والرواية الأولى عن أحمد في المرجئة في القبول مُطلقاً هي التي ذكرْت، وأما الثانية فتأتي في المذهب الثالث.
- (٣)مُقدمة صحيح مُسلم (ص: ٨).
-
المذهب الثالث: التفريق بين الداعي إلى بدعته، وغير الداعي، فيرد الأول، ويقبل الثاني.
قال الحاكم: " الداعي إلى البدعة لا يكتب عنه ولا كرامة؛ لإجماع جماعة من أئمة المسلمين على تركه " (٤) .
- (٤)مَعرفة علوم الحديث (ص: ١٦).
-
هذا منقول عن عبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (٥) .
قال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك وقيل له: تركت عمرو بن
vol. 1, p. 400عبيد وتحدث عن هشام الدستوائي وسعيد وفلان، وهم كانوا في عداده، قال: " إن عمراً كان يدعو " (١) .
- (٥)الكفاية، للخطيب (ص: ٢٠٣ _ ٢٠٥).
- (١)الضعفاء، للعقيلي (٣/ ٢٧٧) _ ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٣ _ ٢٠٤) _ بإسناد صالح، نُعيم صدوق في الأصل، ليس بالقوي في الحديث، لكن هذا مما يُحتمل منه، خصوصاً وقد أخذه من في ابن المبارك، لم يحتج معه إلى إسناد. وروى معناه عن ابن المبارك كذلك عليُّ بن الحسن بن شقيق. أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٣) وإسناده صحيح. ورَوى ابنُ عدي (١/ ٢٥٧) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص ٢٢٧) عن عبد الله بن المبارك قال: " يُكتب الحديث إلا عن أربعة: غلاَّط لا يَرْجع، وكذَّاب، وصاحب هوى يدْعو إلى بدعته، ورجلٍ لا يحفظ فيُحدثُ من حفظه ".
-
كما روى نعيم، قال: قلت لا بن المبارك: لأي شيء تركوا عمرو بن عبيد؟ قال: " إن عمراً كان يدعو " يعني إلى القدر (٢) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: " من رأى رأياً ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأياً ودعا إليه فقد استحق الترك " (٣) .
وقال: " ثلاثة لا يحمل عنهم: الرجل المتهم بالكذب، والرجل الكثير الوهم والغلط، ورجل صاحب الهوى يدعو إلى بدعة " (٤) .
- (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٧٣) وإسناده صالح.
- (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٣) وإسناده صحيح.
- (٤)أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٩٤٧) وعنه: العُقيلي (١/ ٨) وإسناده صحيح.
-
وقال محمد بن عبد العزيز الأبيوردي (من أصحاب أحمد) " سألت أحمد بن حنبل: أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: " نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعياً " (٥) .
- (٥)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٤ _ ٢٠٥).
-
وكذلك قال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد بن حنبل: يكتب عن القدري؟ قال: " إذا لم يكن داعياً " (٦) .
vol. 1, p. 401وقال أبو بكر المروذي: " كان أبو عبد الله (يعني أحمد) يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية أو مخاصماً " (١) .
وقال جعفر بن محمد بن أبان الحراني: قلت لأحمد بن حنبل: فنكتب عن المرجئ والقدري وغيرهما من أهل الأهواء؟ قال: " نعم، إذا لم يكن يدعو إليه ويكثر الكلام فيه، فأما إذا كان داعياً فلا " (٢) .
- (٦)سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل (النص: ١٣٥) والكفاية، للخطيب (ص: ٢٠٥).
- (١)العلل رواية المروذي (النص: ٢١٣).
- (٢)أخرجه ابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٨٢) وإسناده صحيح.
-
وسئل أحمد بن حنبل: عمن يكتب العلم؟ فقال: " عن الناس كلهم، إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو الناس إليه، أو كذاب، فإنه لا يكتب عنه قليل ولا كثير، أو عن رجل يغلط فيرد عليه فلا يقبل " (٣) .
قلت: عبارات أحمد في ذلك جاءت بالتشديد في أمر الداعية، في الكتابة عنه، وليس في تخريج حديثه مطلقاً، والفرق بين الصورتين: أنه عرف من منهج أحمد التشديد على المخالفين في الأصول، والكتابة عن أحدهم تحسين لأمره عند من لا يعرفه، وتغريد للناس به، فكان يشدد في أمر هؤلاء تنفيراً للناس عنهم، وهذا إنما يؤثر في حق الأحياء يقصد الراوي أن يحمل عن أحدهم الحديث، أما الأموات الذين لم يعرف الناس من أمرهم إلا ما خلفوه من علم أو رواية، فهؤلاء خرج أحمد من حديثهم الكثير في كتبه، من شتى طوائف أهل القبلة، وفيهم من كان غالياً، ولا يبعد أن يكون داعية.
- (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٢٨) وإسناده صحيح.
-
ولذا قال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد بن حنبل: في حديثك أسماء قوم من القدرية، فقال: " هو ذا نحن نحدث عن القدرية " (٤) .
وقال عباس الدوري: سمعت يحيى (يعني ابن معين) يقول: " ما كتبت
vol. 1, p. 402عن عباد بن صهيب "، قلت: هكذا تقول في كل داعية: لا يكتب حديثه إن كان قدرياً أو رافضياً أو غير ذلك من أهل الأهواء من هو داعية؟ قال: " لا يكتب عنهم، إلا أن يكونوا ممن يظن به ذلك ولا يدعوا إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر ولا يدعو إليه " (١) .
وقال أحمد بن محمد الحضرمي: سألت يحيى بن معين عن عمرو بن عبيد؟ فقال: " لا تكتب حديثه "، فقلت له: كان يكذب؟ فقال: " كان داعية إلى دينه "، فقلت له: فلم وثقت قتادة وسعيد بن أبي عروبة وسلام بن مسكين؟ فقال: " كانوا يصدقون في حديثهم، ولم يكونوا يدعون إلى بدعة " (٢) .
وقال ابن حبان: " والدعاة يجب مجانبة رواياتهم على الأحوال، فمن انتحل نحلة بدعة ولم يدع إليها، وكان متقناً، كان جائز الشهادة، محتجاً بروايته " (٣) .
وقال: " الاحتياط ترك رواية الأئمة الداعين منهم، والاحتجاج بالرواة الثقات منهم " (٤) .
- (٤)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٦) وإسناده صحيح.
- (١)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٥٨١)، ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٤).
- (٢)الضعفاء، للعُقيلي (٣/ ٢٨١)، ولم أقف على حالِ الحضرمي ولا الراوي عنه شيخ العقيلي محمد بن عبد الحميد السَّهمي، وهو إسنادٌ نقل به العقيلي طائفة من السؤالات ليحيى بن مَعين.
- (٣)الثقات (٦/ ٢٨٤).
- (٤)الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٦٠).
-
ويبين الحافظ الخطيب السبب في هذا المذهب، فيقول: " إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة؛ خوفاً أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيه على وضع ما يحسنها " (٥) .
vol. 1, p. 403قلت: وهذا تعليل معتبر في حل راو لم يعرف بالصدق، أما من ثبت صدقه وعرفت أمانته، وكان يذهب إلى شيء من تلك المذاهب بتأويل، وكان ينتصر إلى مذهبه ذلك، فهذا مراد كذلك في قول هؤلاء الأئمة، لكن لا يتنزل عليه تعليل الخطيب.
- (٥)الكفاية (ص: ٢٠٥).
-
والذي يتحرر من إمعان النظر في هذا المذهب أنه مذهب نظري اليوم في شأن رواة الحديث، وذلك أن أمر الدعوة إلى البدعة مما لا يمكن حصره وضبطه، والكلام في رواة الحديث فد فرغ منه، وصارت العمدة في معرفة أحوال الرواة على ما بلغنا من أخبارهم، والمتأمل يجد في تلك الأخبار وصف عدد غير قليل من الرواة بالبدعة، لكن يندر فيهم من يمكن القول: إنه كان داعية، نعم؛ وصف طائفة بالغلو، إلا أنه لا يعني بالضرورة كون الموصوف بذلك داعية إليها.
-
المذهب الرابع: عدم اعتبار البدعة جرحاً مسقطاً لحديث الراوي، لما تقوم عليه من التأويل، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق، والسلامة من الفسق والكذب.
-
وعلى هذا في التحقيق يتنزل مذهب من ذهب من كبار الأئمة إلى أن البدعة لا تمنع قبول حديثهم، إلا من كان يستحل الكذب.
-
وهذا هو منقول من مذهب أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والشافعي (١) .
قال سفيان بن عيينة: " حدثنا عبد الملك بن أعين، وكان شيعياً، وكان عندنا رافضياً صاحب رأي " (٢) .
vol. 1, p. 404قال ابن دقيق العيد: " والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية " (١) .
- (١)انظر: الكفاية للخطيب (ص: ٢٠٢ _ ٢٠٣)، كشْف الأسرار عن أصول البَزدوي (٣/ ٢٦ _ ٢٧)، وحكى الخطيب (ص: ١٩٤) عن الشافعي أنه قال: " وتُقبل شهادةُ أهْل الأهواء، إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يروْنَ الشهادة بالزور لموافقهم "، وأسند البيهقي في " السنن " (١٠/ ٢٠٨ _ ٢٠٩) معناه.
- (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥١) وإسناده صحيح.
- (١)الاقتراح في بيان الاصْطلاح (ص: ٣٣٣ _ ٣٣٤) وابنُ دقيق وإن صار إلى ترك الرواية عن المبتدع الداعية، إلا أنه جعل ذلك من أجل الإهانة له والإخماد لبدعته، وإن لم نَجد ما رَوى موجوداً من غير طريقه قبلْناه تقديماً لمصْلحة حفظ الحديث.
-
وهو قول يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ومحمد بن عمار الموصلي، وإليه مال الخطيب البغدادي (٢) .
قال علي بن المديني: قلت ليحيى (يعني القطان) " إن عبد الرحمن (يعني ابن مهدي) يقول: اترك من كان رأساً في البدعة يدعو إليها، قال: " كيف نصنع بقتادة وابن أبي رواد وعمر بن ذر؟! " وذكر قوماً، قال يحيى: " إن ترك هذا الصنف ترك ناساً كثيراً " (٣) .
قلت: يرد يحيى مذهب ابن مهدي، بل مقتضى قوله أن يكون من سماهم ممن يندرج تحت رأي ابن مهدي، وهو يحل الاستشكال الذي نراه: ما هو حد الداعية من غيره؟ فهذا يحيى القطان يرى قتادة ومن ذكره معه من الدعاة، وإلا لما صح له الاستدراك على ابن مهدي بذكرهم، وهم من ثقات الناس ومتقنيهم وعليهم مدار كثير من الحديث.
- (٢)الكفاية (ص: ٢٠٠ _ ٢٠١).
- (٣)أخرجه أبو القاسم البَغوي في " الجعديات " (رقم: ١٠٩٣) والعُقيلي في " الضعفاء " (ق: ١ / ب) وإسناده صحيح.
-
يقابله ما نقله محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: قلت لعلي بن عبد الله المديني: يا أبا الحسن، إن يحيى بن معين ذكر لنا: أن مشايخ من البصريين كانوا يمرمون بالقدر، إلا أنهم لا يدعون إليه، ولا يأتون في حديثهم بشيء منكر، منهم: قتادة، وهشام صاحب الدستوائي، وسعيد بن
vol. 1, p. 405أبي عروبة، وأبو هلال، وعبد الوارث، وسلام (١) ، كانوا ثقات، يكتب حديثهم، فماتوا وهم يرون القدر، ولم يرجعوا عنه، فقال لي علي، رحمه الله: " أبو زكريا كذا كان يقول عندنا، إلا أن أصحابنا ذكروا أن هشام الدستوائي رجع قبل موته، ولم يصح ذلك عندنا " (٢) .
قلت: ففي هذا نفي أن يكون قتادة داعية إلى بدعته، لكن فيه تثبيت أن جميع هؤلاء كانوا يذكرون بالبدعة، ويحيى اعتبر في ثقتهم أمرين: عدم الدعوة إلى البدعة، مع الحفظ والإتقان.
- (١)أبو هلال اسمُه مُحمد بن سُليم الراسبي، وعبْد الوارث هوَ ابنُ سعيد، وسلاَّم هوَ ابنُ مسكين.
- (٢)سؤالات ابن أبي شيبة (ص: ٤٥ _ ٤٦).
-
وهذا عبد الرحمن بن مهدي قد ترك بعض الرواة لأجل البدعة، ثم حدث عنهم قبل موته:
فقد قال ابن أخته الحافظ أبو بكر بن أبي الأسود: كان خالي عبد الرحمن بن مهدي يترك الحديث عن الحسن بن أبي جعفر الجفري وعثمان بن صهيب وغيرهما من أهل القدر؛ للمذهب، والضعف، فلما كن بأخرة حدث عنهم، وخرجهم في تصانيفه، فقلت: يا خال، أليس قد كنت أمسكت عن الرواية عن هؤلاء؟ فقال: " نعم، لكن خفت أن يخاصموني بين يدي ربي فيقولون: يا رب، سل عبد الرحمن: لم أسقط عدالتنا؟ " (٣) .
- (٣)سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ٢٤١) بإسناد صحيح.
-
وقد سئل الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن (علي بن غراب) ، فقال: " كان صاحب حديث بصيراً به " فقيل له: أليس هو ضعيفاً؟ قال: " إنه كان يتشيع، ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوباً للتشيع أو القدر، ولست براو عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل من فتح _ يعني الموصلي _ " (٤) .
- (٤)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٧) وإسناده صحيح.
- vol. 1, p. 406
وسئل الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم عن (الفضل بن محمد الشعراني) ، فقال: " صدوق في الروية، إلا أنه كان من الغالين في التشيع " قيل له: فقد حدثت عنه في " الصحيح " فقال: " لأن كتاب أستاذي ملآن من حديث الشيعة " يعني مسلم بن الحجاج (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٨) وإسناده صحيح.
-
وفي " صحيح البخاري " عن جمع كبير من المنسوبين إلى البدع.
-
فهؤلاء الأعيان قدوة الناس في هذا الفن، وممن إليهم المرجع فيه.
وقال ابن حزم: " من أقدم على ما يعتقده حلالاً، فما لم يقم عليه في تحريمه حجة، فهو معذور مأجور وإن كان مخطئاً، وأهل الأهواء معتزليهم ومرجئيهم وزيديهم وإباضيهم بهذه الصفة، إلا من أخرجه هواه عن الإسلام إلى كفر متفق على أنه كفر، أو من قامت عليه حجة من نص أو إجماع فتمادى ولم يرجع فهو فاسق " (٢) .
قلت: ومن أمثلة ما يتنزل عليه هذا المذهب وهم ثقات محتج بهم:
١ _ عبد الله بن أبي نجيح.
قال علي بن المديني: " أما الحديث فهو فيه ثقة، وأما الرأي فكان قدرياً معتزلياً " (٣) .
وقال يحيى بن معين: " كان ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة " (٤) .
- (٢)الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٤٩).
- (٣)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٩٩).
- (٤)نقله عنه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " (ص: ٣٣٥ _ تاريخ المكيين).
-
٢ _ خالد بن مخلد.
قال الجوزجاني: " كان شتاماً معلناً بسوء مذهبه " (٥) .
- (٥)أحوال الرجال (النص: ١٠٨) قلت: ولا يصحُّ أن يُقبل جرح الجوزجاني فيمن فيه تشيُّع؛ لِما اتُّهم به من النصب.
- ٣ _ سالم بن عجلان الأفطس:
-
قال الجوزجاني: " كان يخاصم في الإرجاء، داعية، وهو متماسك " (١) .
- (١)أحوال الرجال (النص: ٣٢٧).
-
٤ _ عبد الرحمن بن صالح الأزدي.
قال يعقوب بن يوسف المطوعي (وكان ثقة) : كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضياً، وكان يغشى أحمد بن حنبل، فيقربه ويدنيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي، فقال: " سبحان الله! رجل أحب قوما من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم نقول له: لا تحبهم؟! هو ثقة " (٢) .
- (٢)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٠/ ٢٦٢) وإسناده صحيح.
-
وكان يحيى بن معين يعلم تشيعه، بل نعته بذلك، ومع فقد كتب حديثه وروى عنه، ووثقه، وكذلك وثقه غيره (٣) .
- (٣)انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١٠/ ٢٦١ _ ٢٦٣) وتهذيب الكمال (١٧/ ١٧٧ _ ١٨٢).
-
مع أن أبا داود السجستاني قال: " لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " (٤) .
- (٤)سؤالات الآجري (النص: ١٩٢٢)، وعن الحافظ موسى بن هارون الحمَّال بمعنى هذا، قال: " كانَ يحدث بمثالبِ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه " (تاريخ بغداد ١٠/ ٢٦٣).
-
٥ _ عمران بن حطان.
قال أبو داود السجستاني: " ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج " ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج (٥) .
- (٥)سؤالات الآجري (النص: ١٢٩٦) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٧).
-
٦ _ عباد بن يعقوب الرواجني.