المبحث الثاني: تحرير القول فيما يسلب العدالة

137 paragraphs · vol. 1, p. 379

Page 4 of 4

  1. وشأنه في الغلو في الرفض والدعوة إليه مشهور، ومن أبينه ما حكاه الثقة المتقن القاسم بن زكريا المطرز، قال:

    وردت الكوفة، وكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب، فلما

    vol. 1, p. 408فرغت ممن سواه دخلت عليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟ فقلت: الله خلق البحر، فقال: هو كذلك، ولكن من حفره، فقلت: يذكر الشيخ، فقال: حفره علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ثم قال: من أجراه؟ فقلت: الله، مجري الأنهار، ومنبع العيون، فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟ فقلت: يفيدني الشيخ، فقال: أجراه الحسين بن علي، (وذكر تمام القصة) (١) .

    1. (١)أخرجها الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٩) بإسناد جيد.
    vol. 1, p. 407
  2. وجاء أنه كان يشتم عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وقال ابن حبان: " كان رافضياً داعية إلى الرفض " (٢) .

    قلت: ومع ذلك فخرج حديثه البخاري في " الصحيح " ، وحكم بثقته غير واحد.

    1. (٢)المجروحين (٢/ ١٧٢).
  3. ٧ _ الحسين بن الحسن الأشقر.

    قال ابن الجنيد عن يحيى بن معين: " كان من الشيعة المغلية الكبار " ، قلت: فكيف حديثه؟ قال: " لا بأس به " ، قلت: صدوق؟ قال: " نعم، كتبت عنه " (٣) .

    قلت: فهذه المناهج لهؤلاء الأعلام من أئمة الحديث صريحة في عدم الاعتداد بالبدعة قادحاً في العدالة، ومن أجل هذا جرت ألفاظهم بالتعديل لهؤلاء الرواة مع ما عرفوا به من البدعة.

    1. (٣)سؤالات ابن الجنيد (النص: ٦٧٤) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٠٨).
  4. والتأويل بالبدع أوسع منه في المعاصي؛ لأن وجه المخالفة بها للشرع خفي، فإذا كنا عذرنا بالمخالفة تأويلاً في المنهيات الصريحة في الشرع كقتل المسلم، كالذي حصل بين الصحابة، فالعذر فيما كان وجه

    vol. 1, p. 409المخالفة في خفياً أولى، وإنما تكون العبرة بالصدق والإتقان، فإذا ثبت فحديثه مقبول.

    قال ابن جرير الطبري: " لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه " (١) .

    قلت: وإنما يخرج من هذا التأصيل: من كان من الرواة طعن عليه لبدعته وحديثه جيمعاً، فهذا مجروح من أجل حديثه، وذلك مثل: جابر الجعفي، وعمرو بن عبيد البصري.

    قال سفيان بن عيينة: " كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس " فقيل له: " وما أظهر؟ قال: " الإيمان بالرجعة " (٢) .

    قلت: فكأن سفيان جعل اتهامه في حديثه من أجل بدعته، والواقع أنه لا تلازم بينهما، لجواز أن يكون صاحب بدعة صدوقاً، كما تقدمت له أمثلة، وإنما المعنى أنه بعدما ظهرت منه هذه العقيدة ظهر منه في روايته ما اتهم فيه.

    1. (١)هدي الساري، للحافظ ابن حجر (ص: ٤٢٨).
    2. (٢)أخرجه مُسلمٌ في " مُقدمته " (ص: ٢٠) والعُقيلي في " الضعفاء " (١/ ١٩٤) وإسناده صحيح. وأما تفسير الرجْعة، فأحسن شيء يُبيَّن ذلك ما حكاه سُفيان بنُ عيينة نفسُه قال: " إن الرافضة تقول: إنَّ علياًّ في السحاب، فلا نَخرج مع مَن خرج من ولده حتى يُنادي مُنادٍ من السماء: اخرجوا معَ فلانٍ "، وحكى عن جابر الجُعفي في قوله تعالى {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي} [يوسف: ٨٠] قال: لم يجئ تأويلها. قال سُفيان: كذب. أخرجه مسلم في " مُقدمته " (ص: ٢١) وابنُ عدي (٢/ ٣٣١) بإسناد صحيح إلى سُفيان.
  5. وكذلك القول في عمر بن عبيد، مع ظهور الفسق وضعف التأويل في بعض ما جاء عنه، فقد تكلم بما لا يحتمل (٣) .

    1. (٣)انظر ترجمته، وللدارقطني جُزءُ " أخبار عَمرو بن عبيد " نَشره المستشرقون (‍‍‍! ).
  6. ولا ريبة أن كثير من أهل البدع نصروا مذاهبهم برواية النكرات إسناداً ومتناً، وجماعات منهم عرفوا بوضع الحديث لأجل ذلك.

    vol. 1, p. 410
  7. وهو المعنى الذي خافه من شدد فرد أحاديث أهل البدع.

  8. لكن مادامت الخشية محصورة في كون صاحب البدعة قد تدفعه بدعته إلى المجيء بالمنكرات من الروايات نصرة لتلك البدعة، فالأمر إذاً عائد إلى القول في روايته، فإذاً تحرر لنا صدقه، وسلامة روايته من النكارة، فقد ذهب المحذور.

  9. فمن قال من المتأخرين: إذا روى صاحب البدعة ما تعتضد به بدعته رد، وإن روى غير ذلك قبل.

  10. فهذا مذهب وإن تداولته كتب علوم الحديث فليس صواباً؛ لأن قبول روايته حيث قبلناها فإنما حصل لأجل كونه بريئاً من الكذب معروفاً بالصدق والأمانة، فإذا صرنا إلى رد حديثه عند روايته ما تعتضد به بدعته فقد اتهمناه، وهذا تناقض، مع ملاحظته أن من ذهب مذهباً كان أحرص من غيره على حفظ ما يقوي مذهبه، فينبغي أن يقال: حفظ وأتقن؛ لأن داعية الإتقان متوفرة فيه، فيكون هذا مرجحاً لقبول تلك الرواية ما دام موصوفاً بالصدق.

  11. وعلى مظنة أن تدعو البدعة إلى الكذب في الرواية من معروف بالصدق، فهذا لا ينحصر في البدعة، فإن الهوى يكون في غيرها أيضاً.

  12. وأما إطلاق القول بتكذيب طائفة من أهل البدع على التعيين، كقول يزيد بن هارون: " لا يكتب عن الرافضة؛ فإنهم يكذبون " (١) ، فهذا مما يجري على غالب من أدرك يزيد ورأى من هؤلاء، وأن يكون أراد غلاتهم، غير أن واقع الأمر أن طائفة من الرواة وصفوا من قبل بعض النقاد بالرفض، كانوا من أهل الصدق، روى الأئمة عنهم الحديث وأثنوا عليهم، كما مثلت هنا بجماعة منهم.

    1. (١)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٨) وإسناده صحيح.
  13. وخلاصة الفصل في هذا: أن ما قيل من مجانبة حديث المبتدع، ففيه اعتبار الزمان الذي كانت الرواية فيه قائمة، ومرجع الناس إلى نقلة الأخبار في الأمصار، وما كان قد حصر يومئذ بيان أحوال الرواة، أما بعد أن أقام الله بأهل هذا الشأن القسطاس المستقيم (علم الجرح والتعديل) فميزوا أهل الصدق من غيرهم، وفضح الله بهذا العلم خلائق من أهل الأهواء والبدع وافتضحوا بالكذب في الحديث، فأسقطهم الله، كما أصاب الهوى بعض متعصبة السنة، فوقعوا في الكذب في الحديث كذلك، وهو وإن كانوا أقل عدداً من أصحاب البدع، إلا أنهم شاركوهم في داعية الهوى والعصبية، وقابل هؤلاء وأولئك من ثبت له وصف الصدق من الفريقين، فأثبت أئمة الشأن له ذلك، فلا يكون في التحقيق وصف من وصفوة بالصدق إلا من أجل ما روى.

    vol. 1, p. 411
  14. [السبب الخامس: الجهالة]

  15. الجهالة على ما يأتي من بيان معناها في الفصل التالي، كانت جهالة عين أو جهالة حال، فإن لحاقها بالجرح لا من أجل ثبوته في حق الراوي، وإنما هو من أجل اجتماعها في معنى رد حديث الراوي؛ ولذلك صار المصنفون من المتأخرين الذين أفردوا الرواة المجروحين بالتصنيف، إلى إدخال المجهولين كذلك في كتبهم.

  16. وهذا معنى صحيح عندما لا يتحرر إلحاقهم بالعدول، وهو على معنى التوقف فيهم؛ لما يشترط لإثبات العدالة من ثبوت شخص أحدهم، وسلامة حديثه من النكارة، على ما تقدم بيانه في التعديل.

  17. وعليه: فالقدح في العدالة بسبب الجهالة صحيح بالاعتبار الذي ذكرنا (١) .

    1. (١)وتتمة بيان ما يتصلُ بالجهالة في الفصْل التالي المعقود لها.