المبحث الأول: مقدمات ضرورية لتحقيق القول في الراوي المختلف فيه
107 paragraphs · vol. 1, p. 518
Page 3 of 3
- vol. 1, p. 534
حكاية ألفاظ علماء الجرح والتعديل من قبل رواتها والناقلين لها عنهم قد يداخلها الوهم، فيكون الناقد قال تلك العبارة في راو، فيذكرها من أخذها عنه في راو آخر، ربما شابهه في اسمه أو نسبه، أو انتقل البصر من ترجمة إلى أخرى.
- vol. 1, p. 535
مثل ما نقله العقيلي وابن عدي عن البخاري قال: " زيد أبو عمر عن أنس، سكتوا عنه " (١) ، وأسند العقيلي لزيد هذا حديثاً عن أنس في ذكر الجهنميين، وقال بعده: " روي هذا المتن بغير هذا الإسناد بأسانيد جياد " .
- (١)الضعفاء، للعقيلي (٢/ ٧٢)، الكامل، لابن عدي (٤/ ١٦٥).
-
واعتمد ابن الجوزي على ما نقله العقيلي أو ابن عدي البخاري، فذكر الرجل في " الضعفاء " (٢) ، وكذا الذهبي، مع إقراره بكون المتن الذي رواه زيد محفوظاً (٣) ، وبعده ابن حجر، ولم يتعقب بشيء إلا بذكر ابن حبان للرجل في " الثقات " (٤) .
- (٢)الضعفاء، لابن الجوزي (١/ ٣٠٣).
- (٣)ميزان الاعتدال (٢/ ١٠٨).
- (٤)لسان الميزان (٢/ ٥٩٦)، والرجل في " الثقات " لابنِ حبان (٤/ ٢٥٠).
-
وجميع هذا وهم، فإن البخاري لم يقل العبارة المذكورة في (زيد أبي عمر) ، إنما قالها في الراوي الذي تلاه في " التاريخ الكبير " ، فبعد أن فرغ من ذكر (زيد أبي عمر) وحديثه في ذكر الجهنميين، قال: " زيد بن عوف أبو ربيعة، من بني عامر بن ذهل، ويقال: فهد، عن حماد بن سلمة، سكتوا عنه " (٥) .
- (٥)التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٤٠٤).
-
وأيد الوهم أن من تقدم ذكرهم جميعاً حين ترجموا لـ (زيد بن عوف) ، لم يذكروا هذه العبارة عن البخاري فيه.
-
كما يؤيده أن عبارة (سكتوا عنه) جرح بليغ من البخاري، وهذا الرجل لم يعرف إلا بحديث الجهنميين المشار إليه، وهو حديث محفوظ عن أنس من غير طريقه، لذا فقول ابن حبان في إيراده في (الثقات) هو الصواب، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً (٦) .
- (٦)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٧٦).
- vol. 1, p. 536
وهو بخلاف ابن عوف، فإنه رجل متروك الحديث.
-
وربما رجع أصل الوهم إلى رواية من نسخة من أصول " تاريخ " البخاري، لأن العقيلي وابن عدي إنما يرويانه عنه من جهتين مختلفتين.
-
وتارة يكون الوهم من قبل الناقد نفسه، كأن يسأل عن راو قد اشترك مع آخر مجروح عنده في اسم أو نسب، فيجيب بحكمه في المجروح، كالمثال المتقدم عن يحيى القطان في (المقدمة الخامسة) .
-
[المقدمة الحادية عشرة: التحقق من لفظ المنقولة عن الناقد]
-
ومن ذلك أن يأمن التصحيف أو التحريف للعبارة بما قد يحيل معناها، مثل ما وقع في كثير من الكتب من تحريف قول عبد الله بن عون البصري في (شهر بن حوشب) : " نزكوه " بالنون والزاي في أوله، حرفت إلى " تركوه " بتاء فوقية في أوله فراء، في كثير من المراجع، وبين العبارتين فرق كبير في المعنى، فمعنى: (نزكوه) قال مسلم بن الحجاج: " أخذته ألسنة الناس، تكلموا فيه " (١) ، وقال عياض: " معناه: طعنوا عليه، مأخوذ من النيزك، وهو الرمح القصير " (٢) .
- (١)مقدمة صحيح مُسلم (ص: ١٧) وقد أخرج الأثر عن ابنِ عونٍ بإسناد صَحيح.
- (٢)إكمال المعلم (١/ ١٣٤).
-
ومن قبيح التحريف أيضاً ما وقع في " الميزان " للذهبي في ترجمة (أبي صالح باذام مولى أم هانئ) : " وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألته عن شيء إلا فسره لي " (٣) . وصواب العبارة: " كان أبو صالح يكتب " (٤) .
- (٣)ميزان الاعتدال (١/ ٢٩٦).
- (٤)الضعفاء، للعُقيلي (١/ ١٦٥)، والكامل، لابن عدي (٢/ ٢٥٦).
-
ومن ذلك أن يقف على سياق لفظ الناقد بتمامه، لا يبني على اللفظ
vol. 1, p. 537المختصر، فربما صدر لفظ الناقد في راو بما يوهم الجرح حين سئل عنه وعمن هو أوثق منه على سبيل المقارنة، كأن يقول: (فلان ثقة، وفلان ضعيف) ، أي مقارنة بمن ذكر معه، لا مطلقاً، وربما نقلت العبارة عنه بتصرف، فإذا تم الوقوف على نصها كانت على دلالة أخرى، وربما نقلت على المعنى، كأن يقال: (وثقه فلان) أو: (ضعفه فلان) أو (تركه فلان) ، ولا تذكر الصيغة المفيدة لذلك، وربما عكس الأمر، فيكون أصل المنقول: (تركه فلان) فتحكى عنه قولا: " متروك " .
قال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذكر مسلمة بن علي، قال: " لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: (فلان ضعيف) ، فأما أن يقال: (فلان متروك) فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه " (١) .
- (١)المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩١) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٨١).
- وله أمثلة كثيرة، منها:
-
نقل العقيلي عن يحيى بن سعيد القطان قوله في حسين المعلم وقد ذكر أحاديثه: " فيه اضطراب " ، فصدر العقيلي بقوله: " حسين بن ذكوان المعلم، بصري، مضطرب الحديث " (٢) ، أخذها من عبارة يحيى القطان متوسعاً فيها حتى جعل الوصف اللازم لحسين هذا أنه مضطرب الحديث.
- (٢)الضعفاء (١/ ٢٥٠).
-
ومن هذا أيضاً: الاختصار في نقل عبارة الناقد، أو حكايتها بالمعنى، مما يقع به الخروج عن أصل دلالتها.
-
المقدمة الثانية عشرة: التيقظ إلى ما يقع أحياناً من المبالغة في صيغة النقد
وذلك كاستعمال العبارات المشعرة بشدة جرح الراوي، كأن يحمل
vol. 1, p. 538خطأه على الكذب، وإنما هو الوهم، أو يحمل منكراً رواه، عليه، وإنما هو التدليس.
-
مثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: كان يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة الحراني كان يكذب، فعظم ذلك عنده جداً، قال: " هؤلاء _ يعني أهل حران _ يحملون عليه، كان أبو قتادة يتحرى الصدق، لربما رأيته يشك في الشيء " ، وأثنى عليه وذكره بخير. قال أحمد: " لعله كبر واختلط، الشيخ وقت ما رأيناه كان يشبه الناس ما علمته، كان يتحرى الصدق " . وقال: " أظن أبا قتادة كان يدلس " (١) .
قلت: وفي هذا كذلك فرق ما بين نعت الناقد العارف بهذا الشأن وأدبه، وغيره، فيعقوب بن إسماعيل هذا ليس معدوداً فيمن يعرف هذا الشأن.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ترى المسيب بن شريك كان يكذب؟ قال: " معاذ الله، ولكنه كان يخطئ " (٢) .
- (١)العلل ومعرفة الرجال (النص: ١٥٣٣)، ومعناه في (النص: ٢١٦، ١٠٦٥).
- (٢)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٦٣٨).
-
وكان يحيى بن معين ربما بالغ في عبارة النقد، فكن يقظاً لذلك.
-
وذلك كقوله وقد ذكر له عبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح، فقال له رجل: قوم يقدمون عبد الرحمن بن مهدي؟ فقال: " من قدم عبد الرحمن على وكيع _ فدعا عليه _ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (٣) .
- (٣)تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٢٦٧٧).
-
فهذا مما عيب على يحيى، وأنكر منه.
قال يعقوب بن سفيان: " كان غير هذا الكلام أشبه بكلام أهل العلم، ومن حاسب نفسه وعلم أن كلامه من عمله لم يقل مثل هذا " (٤) .
vol. 1, p. 539وقال الذهبي: " هذا كلام رديء، فغفر الله ليحيى، فالذي أعتقده أنا أن عبد الرحمن أعلم الرجلين وأفضل وأتقن، وبكل حال هما إمامان نظيران " (١) .
- (٤)المعرفة والتاريخ (١/ ٧٢٨).
- (١)سير أعلام النبلاء (٩/ ١٥٢).
-
[المقدمة الثالثة عشرة: قد تطلق العبارة لا يراد ظاهرها]
-
جرى في لسان العرب إطلاق لفظ الكذب على معناه المتبادر عند الإطلاق، الذي هو ضد الصدق، كما أنهم ربما أطلقوه على إرادة مجرد الخطأ.
-
وتكرر وقوعه بهذا المعنى في مواضع في المنقول عن السلف، ومن أمثلته:
ما حدث به أبو نهيك الأزدي:
أن أبا الدرداء كان يخطب الناس، فيقول: لا وتر لمن أدركه الصبح. قال فانطلق رجال إلى عائشة، رضي الله عنها، فأخبروها، فقالت: كذب أبو الدرداء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح فيوتر (٢) .
- (٢)حديث صحيح. أخرجه ابنُ نصْر في " كتاب الوتر " (ص: ٣٠٦ _ ٣٠٧) وابنُ عدي (١/ ١٢٤) _ ومن طريقه: البيْهقي في " الكبرى " (٢/ ٤٧٨ _ ٤٧٩) _ من طريق أبي عاصم النبيل، حدثنا ابنُ جريج، أخبرني زِياد، أن أبا نَهيكٍ أخبره، به. قلت: وهذا إسنادٌ صحيح، وزِياد، هوَ ابن سعْد. كذلك أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٢) من طريق روْح بن عُبادة، والطبراني في " الأوسط " (٣/ ٧٩ رقم: ٢١٥٣) من طريق أبي عاصم، قالا: حدثنا ابنُ جريج بإسناده، لكن لم يذكر فيه اللفظة مَحل الشاهد: (كذب .. ). وراوه عبد الرزاق في " المصنف " (٣/ ١١ رقم: ٤٦٠٣) عن ابن جريج، قال: أُخبرتُ عن أبي الدرداء، به. قلت: ولا أثر لهذا، فقد بيَّن ابنُ جريج إسنادَه به لأبي عاصم وروْحٍ.
-
ومن هذا أنهم ربما أطلقوا على الراوي وصف (الكذب) وعنوا في رأيه ومذهبه، لا في حديثه وروايته.
- vol. 1, p. 540
مثل: (تليد بن سليمان المحاربي الكوفي) ، كان أحد من سمع منهم أحمد بن حنبل وأثنى عليه (١) ، لكنهم نقموا عليه مذهبه في التشيع، وغلظ يحيى بن معين فيه العبارة حتى قال: " كذاب " ، لكني بحثت عن سبب تكذيبه له، فوجدته قد أحاله على مذهبه لا على حديثه، إذ نص مقالة يحيى كما رواها عنه الدوري: " تليد كذاب، كان يشتم عثمان، وكل من يشتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دجال، لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (٢) .
- (١)ووقع في كتاب " الكامل " لابن عدي (٢/ ٢٨٤): قال السعدي (يعني الجوزَجاني): سَمعتُ أحمد بن حنبل يقول: " حدثنا تليد بن سليمان، وهوَ عندي كانَ يكذب، وكان مُحمد بن عبيد يُسيءُ القول فيه "، ونظيرها حكى العُقيلي في " الضعفاء " (١/ ١٧١) عن الجوزجاني. وأقول: هكذا جاءت العبارة، وفيها تكذيبٌ صريحٌ من أحمد له، وجميع من نقل العبارة عن ابن عدي أو العقيلي فقد حكاها هكذا، والواقع أنه قد حُذف منها ما أفْسدها، بحيث أصْبح ذلك التكذيب من قول أحمد، بينما نصُّ العبارة في " أحوال الرجال " للجوزجاني (النص: ٩٢): " سمعتُ أحمد بن حنبل يقول في كتابي: حدثنا تليد بن سُليمان الخُشني. قال إبراهيم: وهُو عندي كان يكذب، كان مُحمد بن عُبيد يُسيءُ القول فيه "، قلت: وإبراهيم هذا هو الجوزَجاني، فتأمل! ثم إننا حرَّرنا في هذا الكتاب أن الجوزجاني لا يُقبل جرْحه في أهل الكوفة. قال المروذي عن أحمد: لم يَرَ به بأساً (العلل، للمروذي وغيره، النص: ١٨٩)، وروى عنه في " المسند " حديثاً (رقم: ٩٦٩٨) ولم يتفطن مُحققوه لما ذكرْت، فأطلقوا أن تليداً اتفقوا على ضَعفه، مع أنه عدَّله أيضاً غيرُ أحمد. وهذا مثال أيضاً لوجوب تحرير العبارة عن الناقد.
- (٢)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٢٦٧٠).
-
فتأثرت طائفة جاءوا من بعد بعبارة يحيى، وليس الأمر كما ذهبوا إليه، إنما علته مما ذكرت، فتأمل !