المبحث الثاني: تفسير عبارات الجرح والتعديل
400 paragraphs · vol. 1, p. 567
Page 10 of 10
- vol. 1, p. 628
ونقل الليث بن عبدة عن يحيى بن معين قال: " كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: أيش هذه الأحاديث؟ وكان ابن مهدي لا يبالي عمن روى، ويحيى ثقة في حديثه " (٩) .
vol. 1, p. 629قلت: لا يقبل من يحيى هذا الإطلاق في حق ابن مهدي.
- (٩)الكامل (٨/ ١٤٥).
-
وقد ذكرت في (صفة الناقد) ما روي عن ابن المديني قال: " إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد " (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٠/ ٢٤٣) بإسناد لين.
-
وإذ قال ابن معين هذه العبارة المشعرة بتساهل ابن مهدي وأشار إلى تقديم القطان عليه، فإنه أيضاً قال في موضع آخر: " كان يحيى بن سعيد القطان لا يروي عن إسرائيل، ولا شريك، وكان يستضعف عاصماً الأحوال، وكان يروي عمن هو دونه: مجالد " (٢) .
- (٢)تاريخ يحيى (النص: ٢٤٤٥) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٢) الكامل (٢/ ١٢٨)، ومجالد هو ابن سعيد.
-
وإنما كان ابن معين يتشدد، بل هو معروف بذلك، كما بينته في غير موضع.
-
وفي الجملة: فهذا جرح غير مفسر السبب، وربما كان مرجع التارك إلى علة لا تكون جرحاً قادحاً.
-
كما وقع من عبد الله بن المبارك، وكان من أئمة النقاد، وقد اعتدَّ أهل العلم بتركه فيمن ترك، وبروايته فيمن روى عنهم، كان ربما ترك الراوي فأعاد السَّبب إلى أنه اقتدى ببعض من يثق به في هذا العلم، وليس من أجل علة بينة بنى عليها تركه، كما قال عبد العزيز بن أبي رزمة (وكان ثقة) : جلس ابن المبارك بالبصرة مع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وذكر قوماً من أهل الحديث، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، لم تركت الحسن بن دينار؟ قال: " تركه إخواننا هؤلاء " (٣) .
vol. 1, p. 630وقال فيه ابن المبارك أيضاً: " اللهم إني لا أعلم إلا خيراً، ولكنَّ أصحابي وقفوا فوقفت " (١) .
- (٣)أخرجه أبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " (النص: ٢٠٧٩) ومن طريقه: ابن عدي (٣/ ١١٦) وابن حبان في " المجروحين " (١/ ٢٣٢) وإسناده صحيح.
- (١)أخرجه ابن عدي (٣/ ١١٦) وإسناده صالح.
-
٤٠ _ قولهم: (لم يحدث عنه فلان) .
-
قد تساوي " تركه فلان " ، فيكون لها معناها.
-
قال أحمد بن حنبل في (أبي الزبير محمد بن مسلم) : " قد روى عنه قوم واحتملوه، روى عنه أيوب وغير واحد، إلا أن شعبة لم يحدث عنه " (٢) .
- (٢)العلل ومعرفة الرجال، رواية المروذي وغيره (النص: ٦٧).
-
ولم يحدث مالك بن أنس عن جماعة من أهل المدينة، وقد قال علي بن المديني: " كلَّ مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء، ولا أعلم مالكاً ترك إنساناً إلا إنساناً في حديثه شيء " (٣) .
وقال أبو حاتم الرازي: " إذا رأيت الرجل لا يروي عنه الثوري " وأراه قال: " وشعبة، وقد أدركاه، فما ظنك به؟ " (٤) .
وقال عمرو بن علي الفلاس: سألت عبد الرحمن _ يعني ابن مهدي _ عن حديث (عمرو بن ثابت) فأبى أن يحدث عنه، وقال: " لو كنت محدثاً عنه، لحدثت بحديث أبيه عن سعيد بن جبير في التفسير " (٥) .
- (٣)أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ١٧٧) وإسناده صحيح.
- (٤)علل الحديث (١/ ٣٦٥).
- (٥)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٢٣).
-
قال أبو حاتم الرازي في (القاسم بن محمد بن أبي شيبة) : " كتبت عنه، وتركت حديثه " ، وقال أبو زرعة: " كتبت عنه ولم أحدث عنه بشيء " (٦) .
- (٦)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٢٠).
- vol. 1, p. 631
ويراد بها أيضاً أنه لم يتهيأ له السماع منه، فلذلك لم يكتب عنه شيئاً، وليست جرحاً أصلاً.
-
مثاله: قال أبو الحسن الميموني لأحمد بن حنبل وقد ذكر له دخوله الرقة وسماعه من بعض أهلها: فكيف لم تكتب عن عبد الله بن جعفر (يعني الرقي) ؟ فقال: " ما كان عبد الله بن جعفر تلك الأيام يذكر " ، قلت: فقد أتيتها بعد ذاك، فكيف لم تكتب عنه؟ قال: " لم أكتب عنه " ، قلت: تركته من علة؟ قال: " لا، ولكن لم أكتب عنه شيئاً " (١) .
- (١)تهذيب الكمال، للمزي (٢٨/ ٣٢٧ _ ٣٢٨).
-
كذلك كقول أبي حاتم الرازي في (عبيد بن جناد الحلبي) : " صدوق، لم أكتب عنه " (٢) .
- (٢)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٤٠٤).
-
وقول أبي زرعة الرازي في (عبد الله بن الجهم الرازي) : " كان صدوقاً، رأيته ولم أكتب عنه " (٣) .
- (٣)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٧).
-
٤١ _ قولهم: (سكتوا عنه) .
-
هي عبارة محالة، خبر من قائلها عن غيره، لا ينشئ بها شيئاً من جهته.
-
فهي بمنزلة قول الناقد وقد اطلع على كلام غيره من أهل الحديث: (تكلموا فيه) ، أو (طعنوا عليه) ، ودلَّ الاستقراء لحال من قيلت فيه أنها مساوية لإخبار الناقد عن غيره بقوله: (تركوه) .
-
لذا فهي من عبارات الجرح المجملة، ولولا دلالة الاستقراء لكانت في جملة ما لا يصح الاعتماد عليه في جرح الرواة حتى يوقف على تفسيره.
-
وقد عرف استعمالها عن البخاري، وندرت جداً عن غيره، كأبي حاتم الرازي وأبي زرعة ومسلم بن الحجاج.
- vol. 1, p. 632
ولا يعاب استعمالها منهم فيمن قالوها فيه، إلا قول البخاري في (أبي حنيفة النعمان بن ثابت الإمام الفقيه) : " سكتوا عنه، وعن رأيه، وعن حديثه " (١) .
- (١)التاريخ الكبير (٤/ ٢ / ٨١).
-
فهذه حكاية من البخاري عن أهل الحديث، ومن تأمَّل فاحصاً منصفاً متبرئاً من العصبية وجد هذا القول خطأ، وذلك _ بإيجاز _ من جهتين:
الأولى: دلالة الاستقراء على أن أهل الحديث قد اختلفت عباراتهم في أبي حنيفة، بين معدِّل وجارح، علماً أن الجرح عند من جرح لم يفسر بسبب حديثه، فكيف سكتوا عنه , وفيهم من أثنى عليه وأطراه ورفع من شأنه.
-
والثانية: أن عبارات الجارحين وقع فيها من المبالغة والتَّهويل، وذلك بسبب الشِّقاق الذي كان بين أهل الرأي وأهل الحديث في تلك الفترة، علماً بأن كثيراً من تلك الأقاويل لا تصح نسبتها إلى من عزيت إليه.
-
وأبو حنيفة شغله الفقه عن الحديث، ولعله لو اشتغل به اشتغال كثير من أهل زمانه، لم يمكن مما مُكِّن فيه من الفقه، ومع ذلك فإنه قد روى وحدث، نعم، ليس بالكثير على التحقيق؛ للعلة التي ذكرنا، وهي انصرافه إلى فقه النصوص دون روايتها.
-
٤٢ _ ومن عباراتهم في الجرح: قياس المجروح بالمجروح.
-
من مسالك نقاد النقلة أن يستدل لبيان حال الراوي بقياسه براو هو أظهر في حاله، فإذا أردت الوقوف على قدر الجرح في مراد الناقد لزمك النظر في رأيه في المقيس عليه، فإذا لم تجد له فيه نصاً مفسراً، نظرت تفسيره في كلام غيره من النُّقَّاد، ومن أمثلته:
قول أحمد بن حنبل في (مطر بن طهمان الورَّاق) : " كان يحيى بن
vol. 1, p. 633سعيد (يعني القطان) يشبه مطر الورَّاق بابن أبي ليلى " يعني في سوء الحفظ (١) .
- (١)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٨٥٢).
-
ويبيِّن هذا قول أحمد بن حنبل في (ابن أبي ليلى) : " كان سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، وكان فقه ابن أبي ليلى أحبَّ إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب " (٢) .
- (٢)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣٢٣).
-
ومن مثاله أيضاً: قول أحمد في (سليمان بن داود الشَّاذ كونيِّ) : " هو من نحو عبد الله بن سلمة الأفطس "، لكن هذا فسَّره أبو بكر الأثرم بقوله: يعني الكذب (٣) .
قلت: وليس كما قال، ولم يكن ذلك وجه المشابهة، وذلك أنك إذا عدت إلى النظر في حال (الأفطس) في رأي أحمد وغيره لم تجد أحداً اتَّهمه بالكذب، إنما كان متروكاً عند أحمد وغيره لأمر آخر، هو سوء الخلق، قال أحمد: " كان سيئ الخلق، وتركنا حديثه وتركه الناس " (٤) ، وكانت بينه وبين يحيى بن سعيد القطَّان خصومة، فتحدى يحيى وتكلم فيه يحيى، وعلى قاعدة ترك الكلام في الأقران إذا علم أن الشُّبهة قامت دون اعتبار ذلك الجرح، فاعتماد قول يحيى فيه محل نظر.
- (٣)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ١١٥).
- (٤)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٤٥٤٥).
-
فالرجل لم يترك في التحقيق من أجل كذب، إلا ما يوحيه بعض قول يحيى فيه، وهو قابل للتأويل أيضاً، إنما الأمر كما قال أحمد: " كان خبيث اللسان " (٥) ، وقال أبو زرعة الرازي: " صدوق، ولكنه كان يتكلم
vol. 1, p. 634في عبد الواحد بن زياد ويحيى القطان " (١) ، وقال أيضاً: " إنما قيل فيه من أجل لسانه " (٢) .
- (٥)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٤٥٤٦).
- (١)أسئلة البرذعي لأبي زرعة (٢/ ٣٢٨).
- (٢)أسئلة البرذعي (٢/ ٤٨٧).
-
وعلى هذا فتفسير أبي بكر الأثرم لقياس أحمد للشَّاذ كونيِّ على الأفطس بأنه في الكذب، تفسير غير مسلِّم، وإنما ينبغي حمله على موضع اتفاق بين الرجلين، والذي كان في الشَّاذ كونِّي مما يشبه ما كان في الأفطس هو سوء خلق ذكر به الشَّاذ كونِّي أيضاً، أما الكذب فابن الشَّاذ كونيِّ أظهر فيه من أن يقاس بالأفطس.
-
وقال أبو حاتم الرازي فيه (عبد العزيز بن حصين بن الترجمان المروزي) : " ليس بقوي، منكر الحديث، وهو في الضعف مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم " (٣) .
- (٣)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٨٠).
-
وقد قال أبو حاتم في (ابن أسلم) : " ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحاً، وفي الحديث واهياً، ضعفه علي بن المديني جداً " (٤) .
- (٤)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٣٣ _ ٢٣٤).
-
فعبد العزيز عند أبي حاتم واهي الحديث ضعيف جداً كذلك.
-
وقال أبو حاتم في (عقبة بن علقمة أبي الجنوب اليشكري) : " ضعيف الحديث، وهو مثل أصبغ بن نُباتة وأبي سعيد عقيصاً متقاربين في الضعف، ولا يشتغل بهم " (٥) .
وقال في (أصبغ) : "لين الحديث " قال ابنه: وعقيصا؟ فقال: " بابتهم، غير أن أصبغ أشبه " (٦) .
- (٥)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣١٣).
- (٦)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٢٠).
- vol. 1, p. 635
ولم ينقل ابنه عنه في (عقيصا) شيئاً، فإذا وازنت أمر الثلاثة في رأي أبي حاتم وجدت رأيه لم يبلغ بهم الترك وإن كان قال: " لا يشتغل بهم " ، فهذه العبارة ليست صريحة في الترك، لذلك تجد عبارة أبي حاتم بين (ضعيف الحديث) و (لين الحديث) ، وقوله: " أصبغ أشبه " كأنه يقول: في حديثه ما قد يعتبر به.
-
وحاصل هذا النوع من ألفاظ الجرح: اللِّحاق بألفاظ الجرح المجمل، حتى يوقف على معناه بالتَّتبُّع والنظر والتَّحري.
- تنبيهات:
-
الأول: لم أذكر ألفاظ الوصف بالكذب ووضع الحديث، لظهورها واستغنائها باللفظ عن التفسير.
-
الثاني: وقولهم: (يسرق الحديث) فسرتها في (تفسير الجرح) بتفصيل أمثلتها، كذلك لم أذكر تفسير (مجهول) ، و (لا أعرفه) وما في معناها؛ لكوني استوعبته في (تفسير الجهالة) .
-
الثالث: سائر العبارات المحالة في صيغتها على الغير كقولهم: (فيه مقال) ، و: (تكلموا فيه) ، و: (ضعفوه) ، و: (ضعِّف) ، و: (تركوه) ، و: (تُرِك) ، وشبهها، أعرضت عن ذكرها، وإن كثرت عند المتأخرين، لأن إجمال القول فيها: كُلُها من الجرح الذي لا يقبل ولا يعوَّل عليه حتى يوقف على فاعل القول فيه، فإن تحقَّق وجب تمييز ما يرجع إليه من تفسير أو إجمال.