المبحث الثاني: التعليل بالزيادة

164 paragraphs · vol. 1, p. 669

Page 2 of 5

  1. واعلم أن الزيادة قد تكون مرجوحة شاذة، وذلك مثل ما رواه زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال:

    لبَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة والحج معاً، فقال: " لبيك بعمرة وحجة " .

    قال البخاري: " هذا خطأ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنساً " (٣) .

    1. (٣)العلل الكبير، للترمذي (١/ ٣٧٥).
    vol. 1, p. 674
  2. هشيم بن بشير (٤) ، ويحيى بن سعيد القطان (٥) ،

    vol. 1, p. 675وسفيان بن عيينة (١) ، ذكروا جميعاً عن حميد سمع أنساً.

    1. (٤)أخرجه أحمد (١٩/ ٢٢ رقم: ١١٩٥٨) ومُسلم (رقم: ١٢٥١) وأبو داود (رقم: ١٧٩٥) والنسائي (رقم: ٢٧٢٩) وابن خزيمة (رقم: ٢٦١٩) والطبراني في " الصغير " (رقم: ٩٦٨) والبيهقي في " الكبرى " (٥/ ٩).
    2. (٥)أخرجه أحمد (٢٠/ ٢٣٦ رقم: ١٢٨٧٠).
    3. (١)أخرجه الحُميدي (رقم: ١٢١٥) وأبو يعلى (٦/ ٣٢٥، ٣٩١ رقم: ٣٦٤٨، ٣٧٣٧ _ وسقط منه ذكر سُفيان في الموضع الأول).
  3. كما رواه غيرهم ما يزيد على ستة عشر نفساً من أصحاب حميد، عنه، لم يذكروا واسطة بينه وبين أنس، بما يأتي على رواية من ذكر السماع (٢) .

    1. (٢)كذلك قال: مُعتمر بن سليمان، عند أبي يعلى (٦/ ٤٣١ رقم: ٣٨٠٥)، وسفيان بن عيينة أيضاً، عند أحمد (١٩/ ١٤٣ رقم: ١٢٠٩١) والبغوي في " شرح السنة " (٧/ ٧٢ رقم: ١٨٨١)، ومحمد بن أبي عدي، عند ابن الجارود في " المنتقى " (رقم: ٤٣٠)، وأبو ضمرة أنس بن عياض، عند ابن حبان في " صحيحه " (٩/ ٢٤٢ رقم: ٣٩٣٣)، وحماد بنُ زيد، عند الترمذي (رقم: ٨٢١) وقال: " حديث حسن صحيح "، وإسماعيل بنُ عُلية، عند ابن أبي شيبة (٤/ ٩٩)، وعبد الله بن المبارك، عند أحمد (٢١/ ٣١٦ رقم: ١٣٨٠٦)، وشُعبة بن الحجاج، عند أحمد (٢١/ ٤١٢ رقم: ١٤٠٠٢)، ومروان بن معاوية، عند البغوي في " شرح السنة " (٧/ ٧٣ رقم: ١٨٨٢)، ويونس بن عبيد، عند الدارقطني (٢/ ٢٨٨) والحاكم (١/ ٤٧٢ رقم: ١٧٣٦) وقال: " صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه! "، ويزيد بن زُريع، عندَ الدارقطني (٢/ ٢٨٨)، ويزيد بن هارون، عند الدارمي (رقم: ١٨٥٩) والطحاوي في " المشكل " (٦/ ٢٢٩ رقم: ٢٤٤٢)، وحماد بن سلمة، عند الطحاوي في " شرح المعاني " (٢/ ١٥٣)، وعبْد الوهاب بن عطاء، عند ابنِ سعد في " الطبقات " (٢/ ١٧٥)، ومعاذ بن مُعاذ العنبري، عند البيهقي في " الكبرى " (٥/ ٤٠)، وداود الطائي، عند أبي نعيم في " أخبار أصبهان " (١/ ٢٥٠)، ومنيع بن عبد الرحمن، عند الخطيب في " تاريخه " (١٠/ ٨١)، جميعهم اتفقوا على روايته عن حميد عن أنس.
  4. فشذ زهير بن معاوية مع حفظه وإتقانه؛ لأن اتفاق جميع أصحاب حميد على ترك ما ذكره، وتأكيد ذلك بذكر السماع ممن ذكره، لا يقوم معه بعد احتمال أنه يكون من قبيل (المزيد في متصل الأسانيد) الآتي ذكره.

  5. الصورة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد.

  6. وهو الإسناد الصحيح الذي اتصل برواية العدل عن العدل بما لا يحتمل انقطاعاً، يأتي من وجه آخر صحيح يكون بعض رواته تلقى بواسطة

    vol. 1, p. 676عن شيخه في السند الأول، ولا يكون من باب الاختلاف الذي يدخله الترجيح، والذي يقال فيه: المحفوظ إحدى الروايتين والأخرى وهم.

  7. وشرحت مثال هذه الصورة في مبحث (الشاذ) .

  8. والصورة الثالثة: زيادة ذكر التحديث والسماع بدل العنعنة.

  9. وهذا كثير في الأسانيد، خصوصاً لما بينا في الكلام على العنعنة أنهم كانوا يتخففون بذكرها عن سياق ألفاظ السماع، ولا ريب أن حفظها زيادة تدفع الشبهة عن حديث الموصوف بالتدليس من الثقات، بل تنفي على أي حال شبهة الانقطاع.

  10. وقبولها مشروط إضافة إلى كون الراوي الحافظ لها ثقة بأن يصح الإسناد إليه، وأن يسلم ذلك من المعارض الراجح، فقد تقوم الحجة على وهم الثقة في ذكر السماع (١) .

    1. (١)واستفد مِثاله مما تقدم ذكْره في خطأ من روى عن عبد الجبار بن وائل سماعَه من أبيه وائل بن حجر، في (اتصال الإسناد).
  11. والصور المتقدمة كان السلف من أئمة هذا العلم يعتنون بتمييزها وحفظها، ويعيبون على من يقع له الحديث على وجهين: ظاهر الاتصال في أحدهما، ومنقطع في الآخر، فيحدث بما ظاهره الاتصال دون المنقطع.

  12. كما قال الميموني: تعجب إلي أبو عبد الله _ يعني أحمد بن حنبل _ ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، ثم قال: " وربما كان المنقطع أقوى إسناداً وأكبر " ، قلت: بينه لي، كيف؟ قال: " يكتب الإسناد متصلاً وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسناداً منه، وهو يرفعه ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم " ، معناه: لو كتب الإسنادين جميعاً عرف المتصل من المنقطع، يعني: ضعف ذا، وقوة ذا (٢) .

    1. (٢)أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٥٧٦) وإسناده صحيح.
  13. رابعاً: الزيادة في متن الحديث.

    vol. 1, p. 677
  14. وهي ما يقع في ألفاظ متن الحديث الواحد المتحد في أصله، كحديث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من مفردة، أو مفردات، أو جملة، أو مقطع، أو قصة، أو ما يزيد حتى يبلغ أن يكون بمنزلة حديث آخر.

  15. وهو كثير في الأحاديث، ويمكن أن يستفاد بعض مثاله مما بينته من مثال لفوائد المستخرجات على " الصحيحين " ، وما يقع فيها من زيادات الرواة في المتون.

  16. وربما كان تمام الحديث بتلك الزيادة، ومن لم يذكرها اختصره، ففوت باختصاره ما قد يدل عليه من العلم أصل سياقه.

  17. وقد اعتنى به جماعة من فقهاء المحدثين، كأبي داود السجستاني في " السنن " ، وأبي بكر النيسابوري في " الزيادات على كتاب المزني " ، والبيهقي في " السنن " .

  18. وجمع ألفاظ الحديث، وتبيين ما يزيد الثقات في متنه على بعضهم يحرر أصول كثير من الأحاديث، وربما أبان عن معنى يتحصل بتلك الزيادة، أو بتمام السياق لم يكن ليحصل بدونه.

  19. بل في اختلاف الفقهاء مسائل كثيرة يعود سبب اختلافهم فيها إلى هذا المعنى كاختلافهم في كفارة المواقع في رمضان، وهل هي لإفطاره بأي سبب، أو لإفطاره بالمواقعة خاصة، وحكم القضاء له، أو عدمه، وكاختلافهم في صفة القعود للتشهد من صلاة الصبح بالتورك أو الافتراش، لما جاء به الرواة لحديث أبي حميد السَّاعديِّ في صفة الصلاة اختصاراً وتماماً، وغير ذلك.

  20. ومن مثاله الذي يتنازع أئمة الحديث قبوله: زيادة " وإذا قرأ فأنصتوا " في حديثي أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، من قبل بعض الثقات في حديث كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " ، وهو حديث معروف الصحة، سوى هذه الزيادة، فقد اختلفوا فيها قبولاً وردا.

  21. وقد أورد مسلم الحديث بها في " صحيحه " (١) من حديث أبي موسى، ولم يبال بما قاله غيره من تفرد سليمان التيمي بها عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، من أجل ما عرف من إتقان التيمي.

    1. (١)صحيح مسلم (١/ ٣٠٤).
    vol. 1, p. 678
  22. بينما أحجم مسلم أن يسوق الحديث بها في " صحيحه " من حديث أبي هريرة مع حكمه بصحته، من أجل شدة إنكارهم لها على محمد بن عجلان، إذ تفرد بها عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

  23. قال إبراهيم بن سفيان راوي " الصحيح " عن مسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث (٢) ، فقال مسلم: " تريدُ أحفظ من سليمان؟ " ، فقال أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: " هو عندي صحيح " ، فقال: لِمَ لم تضعه ههنا؟ قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه (٣) .

    1. (٢)يعني زيادة سُليمان التيميِّ في حديث أبي موسى.
    2. (٣)صحيح مُسلم (١/ ٣٠٤)، والكلام حول الحديثين تفصيلاً في كتابي " الإعلام بحكم القراءة خلف الإمام ".
  24. تنبيه:
  25. ربما أطلق بعض العلماء عبارة: (زيادة الثقة) على ما يأتي به الصحابي من العلم في حديث يشاركه فيه صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الآخر لا يذكر تلك الزيادة في حديثه.

  26. مثل ما وقع في حديث عبد الله بن مغفل في غسل الإناء من ولوغ الكلب: " وعفروه الثامنة بالتراب "، فجعل غسلة التراب غير الغسلات السبع، وأبو هريرة حين روى ذلك جعل غسلة التراب من السبع، قال البيهقي: " أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى "، فتعقبه الناقد ابن

    vol. 1, p. 679التركماني الحنفي فقال: " بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصاً من مثله " (١) .

    1. (١)انظر: " السنن الكبرى " للبيهقي (١/ ٢٤٢)، و " الجوهر النقي " لابن التركماني، بهامشها (١/ ٢٤١).
  27. وصاغ ذلك ابن حجر بصيغة أخرى، فقال: " هي زيادة ثقة، فيتعين المصير إليها " (٢) .

    1. (٢)التلخيص الحبير (ا / ٢٤)، وظاهر السياق نِسبة العبارة إلى ابن مندَه، وليست كذلك، وانظُر: " البدر المنير " لابن الملقَّن (٢/ ٣٢٩). وذكرت هذا من أجل التمثيل، وفي تسليم القول بخصوص هذين الحديثين على وَفْقِ ما أوردت أن تكون هذه زيادة، نظرٌ، إذ الأبين تعارضُ الروايتين في بيان ليس هذا محله.
  28. وكذلك وقع في كلام طائفة من العلماء (٣) .

    1. (٣)انظر مثاله في كلام بعض المتأخرين: ابن قدامة في " المغني " (١/ ٤١٩، ٥٠٣، ٥٥٣) و " الكافي "
  29. وهذا من جهة الاصطلاح واسع، لكنه ليس المراد بكلامهم في زيادات الثقات عادة، وإنما يعنون بها زيادات الرواة الثقات فيمن دون الصحابي أصل الحديث، على اعتبار أن رواية الصحابي حديث مستقل لذاتة، بخلاف ما تتفرع به الأسانيد منه، فإنها جميعاً تنتهي إليه (٤) .

    1. (٤)نبَّه على شيء من معنى هذا ابن رجب في " شرح علل الترمذي " (٤٢٤).
  30. وكما يكون ذلك في الزيادة يكون كذلك في الموافقة والمخالفة، ففي الموافقة فكل منهما شاهد لحديث الآخر، وفي المخالفة يتبع طريق النظر في مشكل الحديث.

  31. غير أنك لو استعملت هذه العبارة فقلت: (زيادة ثقة) فيما اتحدت فيه القصة مما يحدث به الصحابيان فأكثر يزيد بعضهم على بعض، فليس في ذلك من حرج، وإنما المقصود التنبيه على طريقة القوم.

  32. خامساً: الإدراج.

    vol. 1, p. 680
  33. ويقع في الإسناد والمتن.

  34. ولوقوعه في روايات الثقات صور ثلاث:
  35. الصورة الأولى: أن يكون وهماً من الثقة، وهو أن يدخل حديثاً في حديث، كأن يسوق إسناداً، ثم يدخل عليه متناً مروياً بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث) ، وسيأتي مثاله في (التعليل بالغلط) .

  36. الصورة الثانية: أن يقع الحديث للراوي بإسنادين أو أكثر، ربما اختلفت وصلاً وإرسالاً، أو تفاوتت فيما بينها في المتن زيادة ونقصاً، فيحمل رواية بعضهم على بعض، ولا يبين حديث هذا من حديث هذا.

  37. وادعي أنه ربما فعله سفيان بن عيينة، ولم أقف له على مثال، وعيب على محمد بن إسحاق (١) .

    1. (١)انظر ما سأذكره في مبحث (الحديث المدرج) في (القسم الثاني) من هذا الكتاب.
  38. ومثله قادح في الحديث، تعل به الرواية.

  39. وكان الزهري يجمع بين الروايات المسندة من روايات الثقات من شيوخه، ويحمل ألفاظ بعضهم على بعض.

  40. كما قال في سياقه لقصة حديث الإفك: " أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصاً (٢) ، وقد وعيت عن كل واحد منهم

    vol. 1, p. 681الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، ذكروا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت " الحديث (١) .

    قال القاضي عياض: " هو مما انتقد قديماً على الزهري؛ لجمعه الحديث عنهم، وإنما عند كل واحد منهم بعضه، وقيل: كان الأولى أن يذكر حديث كل واحد منهم بجهته، ولا درك (٢) على الزهري في شيء منه؛ لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات أئمة لا مطعن فيهم، فقد علم صحة الحديث، ووثق كل لفظة منه، إذ هي أحد هؤلاء الأربعة الأقطاب عن عائشة " (٣) .

    1. (٢)أي سياقاً للقصة.
    2. (١)مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٢٥١٨، ٣٩١٠، ٤٤٧٣) ومسلم (رقم: ٢٧٧٠).
    3. (٢)أي لا تَبعةَ، أو مؤاخذة.
    4. (٣)إكمال المُعلم، للقاضي عياض اليَحصُبي (٨/ ٢٨٦).