المبحث الثاني: التعليل بالزيادة

164 paragraphs · vol. 1, p. 669

Page 3 of 5

  1. وحين حدث محمد بن إسحاق بهذا الحديث عن الزهري، ذكر عنه هذا التلفيق وزاد، فقال عن الزهري: " كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدثني القوم "، قال محمد بن إسحاق: " وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن نفسها، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعاً، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع " (٤) .

    قلت: فمثل هذا لا يعل بمثل هذا التصرف؛ لكونه متصلاً، ويعود في جملته إلى رواية الثقات، وإن كان خلاف الأولى.

    1. (٤)السيرة النبوية، لابن هشام، عن ابن إسحاق (٣/ ٣٠٩ _ ٣١٠).
    vol. 1, p. 681
  2. وإنما يكون قادحاً معللاً لو كان بعض تلك الطرق مرسلة أو ضعيفة.

  3. وذلك كالإدراج الذي وقع من الزهري في روايته عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة:

    vol. 1, p. 682أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: " هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟ " ، فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ " .

  4. فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قلت: فهذه الجملة (فانتهى الناس. . ) إلى آخره، مما أدرجه الزهري في الحديث في قول عامة متقدمي النقاد ممن تعرض للقول في هذا الحديث، كالبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وأبي داود السجستاني والبيهقي والخطيب، وغيرهم، وبينوا وجه ذلك وحجته بما يطول المقام بتفصيله (١) .

    1. (١)شرحته في كتاب " علل الحديث ".
  5. وهي عبارة لا يقولها الزهري إلا بتوقيف؛ لأنها خبر، فلا بد أن يكون تلقاها بواسطة بينه وبين زمان النبوة، وليست تلك الواسطة في الراجح: ابن أُكيمة عن أبي هريرة، إذ لا تساعد الروايات على تصحيح ذلك، فهي إذاً رواية مرسلة.

  6. فيكون الزهري قد أدرج بعض ما هو مرسل فيما هو موصول.

  7. وهذا لا يدعى في شيء من الحديث حتى تقوم الحجة عليه، كما تراه وقع في هذا الحديث، أو تقوى الشبهة فيه.

  8. الصورة الثالثة: أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث.

  9. وإدراج الزيادة من هذا يبين عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به.

  10. وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة.

  11. مثاله: قول أبي داود السجستاني: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم، يعني ابن خالد، عن رباح بن زيد فذكر بإسناده حديثاً (١) .

    1. (١)سنن أبي داود (رقم: ١٣٢٤).
    vol. 1, p. 683
  12. فعبارة (يعني ابن خالد) إدراج من أبي داود، وعلامة الإدراج قوله: " يعني " ، ولو لم تأت هذه

    القرينة وجاء السياق بلفظ: (إبراهيم بن خالد) ، لم يصح ادعاء الإدراج في تفسيره وإنما هو تعريف مخلد نفسه بشيخه.

  13. ومما لايبين لظهوره مثلا، ما تراه في كتاب يعقوب بن سفيان، حيث يسوق إسناده إلى راو، لا يريد ذكر روايته، وإنما ينتهي إليه ليبين درجته في الحديث.

  14. كقوله مثلا: " حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن صلة بن أشيم، تابعي كوفي ثقة " (٢) .

    1. (٢)المعرفة والتاريخ (٣/ ٩٠).
  15. فعبارة (تابعي كوفي ثقة) ليست من كلام سفيان الراوي عن صلة وهو الثوري، ولا مدرجة من كلام أبي نعيم الفضل بن دُكيِّن، إنما هي من إنشاء الحافظ يعقوب بن سفيان، يستعمل ذلك كثيراً في كتابه هذا ومثله بين للمعتني بهذا العلم.

  16. فإن قلت: فماذا لو جاء الإسناد في موضع يقول فيه الثقة مثلا: (حدثنا حماد) ، ويأتي في مكان آخر يقول فيه ذلك الثقة: (حدثنا حماد بن زيد) ، فهل تكون زيادة (ابن زيد) مدرجة من قول من حدث بذلك الإسناد عن ذلك الثقة؟ أم هي من زيادة الثقة، يحفظ الزيادة في الإسناد كما يحفظ الزيادة في المتن، يذكرها بعض الرواة عنه ولا يذكرها بعضهم؟

    قلت: بل هي زيادة ثقة محفوظة كجزء من روايته، لا تنسب إلى غير ذلك الثقة المحدث بها عن ذلك الشيخ المهمل، ولا يدعى عليها الإدراج إلا بحجة تفسره، أو شبهة قوية تقوم دون التسليم بقبولها.

  17. ويقع مثل ذلك الإدراج في المتون أيضاً، بقصد شرح لفظ غامض أو نحو ذلك.

    vol. 1, p. 684
  18. مثل: ما جاء في أثناء قول عائشة في حديث بدء الوحي: ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد. . الحديث (١) .

    1. (١)مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣، ٦٥٨١) ومُسلم (رقم: ١٦٠).
  19. فعبارة: (وهو التعبد) جزم بعض العلماء أنها مدرجة من قول الزهري يشرح بها معنى التَّحنُّث، وفي رواية عن الزهري جاءت العبارة معترضة بصيغة: (قال: والتَّحنُّث: التعبد) (٢) .

    1. (٢)نقل ابن حجر القول بكونها مدرجة عن الطيبي (فتح الباري ١/ ٢٣)، والرواية الأخرى عن الزهري عند البخاري (رقم: ٤٧٦٠).
  20. الأصل الثاني: الحكم في زيادة الثقة.

  21. ما هو محل للتعليل من صور زيادات الثقات: زيادة الوصل في محل الإرسال، أو الراوي في محل العنعنة، أو زيادة الرفع في محل الوقف، أو الزيادة في متن الحديث.

  22. وليس منه: المزيد في متصل الأسانيد، ولا زيادة التحديث في موضع العنعنة، فهذا لا أثر له فيما يأتي من الخلاف.

  23. ونقسم الكلام في حكم زيادة الثقة عند أهل العلم إلى قسمين:

    القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد: الوَصل، أو الرفع، أو راوياً في محل العنعنة.

  24. بين أهل العلم في هذا اختلاف، حصره الخطيب في المذاهب الأربعة التالية:

    vol. 1, p. 685المذهب الأول: عدم قبول الزيادة، والحكم لتاركها، حكاه عن أكثر أهل الحديث.

  25. المذهب الثاني: الترجيح بالعدد، فإن كان التارك أكثر فالقول قوله، وكذلك العكس.

    قال الزَّيلعيُّ: " إن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وهو قول ضعيف؛ لبعد احتمال الغلط على العدد الأكثر، ولهذا جعلت الشهادة على الزنا أربعة؛ لأنه أكبر الحدود " (١) ، وقال: " وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجا بهم من الطرفين " (٢) .

    1. (١)نصب الراية (١/ ٣٥٩).
    2. (٢)نصب الراية (١/ ٣٦٠). قلت: ويعني بالطرفين: طرف من زاد، وطرف من ترك.
  26. المذهب الثالث: الترجيح بالحفظ، فإن كان التارك أحفظ فقوله أرجح، وكذلك العكس. وهذه طريقة الدارقطني.

  27. فمع إقراره بمبدأ: (الزيادة من الثقة مقبولة) لكنه لا يرجح به، إنما يرجح الأحفظ.

  28. فقد سئل عن حديث اختلف فيه مطرف بن طريف وسفيان الثوري روياه جميعاً عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، فزاد مطَرِّف: عن عمر.

  29. فأجاب بأن ثلاثة رووه عن مطرف، أتقن ثقتان على روايته عنه بزيادة عمر، ورواه عنه شريك القاضي، فلم يذكر عمر، ثم قال الدارقطني: " مطرف من الأثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان، فأسنداه عن عمر، ولولا أن الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر، لأنه زاد، وزيادة الثقة مقبولة " (٣) .

    1. (٣)العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني (٢/ ٧٥).
  30. وسئل عن حديث رواه إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ما يقال عند الأذان. خالف ابن جعفر فيه: إسماعيل بن عياش، فرواه عن عمارة، عن خبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، كما خالفهما: يحيى بن أيوب الغافقي، فرواه عن عمارة عن خبيب موقوفاً؟ فقال الدارقطني: " إسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة " (١) .

    قلت: وهكذا رأيته فعل في مواضع، ثم الترجيح بالأحفظ هو القاعدة العامة التي جرى عليها الدارقطني في تعليله الأحاديث.

    1. (١)العلل (٢/ ١٨٣).
    vol. 1, p. 686
  31. المذهب الرابع: قبول الزيادة من العدل الضابط، مطلقاً كان التارك لها واحداً أو أكثر، مثله في الحفظ أو أحفظ منه.

  32. وهذا المذهب قال الخطيب: " هو الصحيح عندنا؛ لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضاً؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معاً عن قصد منه فغرض له فيه " (٢) .

    وقال الخطيب: " اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعاً، وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيراً في حديثه، فيرويه تارة مسنداًً مرفوعاً، ويقفه مرة أخرى قصداً واعتماداً، وإنما

    vol. 1, p. 687لم يكن هذا مؤثراً في الحديث ضعفاً،. . . لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد " (١) .

    1. (٢)الكفاية (ص: ٥٨١).
    2. (١)الكفاية (ص: ٥٨٧ _ ٥٨٨).
  33. ولهذا انتصر ابن حزم، ولم يعد الاختلاف في ذلك مؤثراً في رواية الثقة موصلة (٢) .

    1. (٢)الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٨، ١٤٩).
  34. وهذه في التحقيق طريقة كبار النقاد من الأئمة، كما هو الشأن في إطلاق من أطلق: (زيادة الثقة مقبولة) ، كأحمد بن حنبل، كما سيأتي، وغيره.

  35. وسئل البخاري عن حديث إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لا نكاح إلا بولي "؟ فقال: " الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث " (٣) .

    1. (٣)أخرجه البيهقي في " الكبرى " (٧/ ١٠٨) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٢) وإسناده جيد.
  36. والبخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقاً، إنما يعتبر في ذلك قوة الحفظ، فإنه أعل أخباراً بالاختلاف فيها وإرسالاً، أو رفعاً ووقفاً، ولا يقبل فيها زيادة الوصل أو الرفع، في أمثلة في " التاريخ " وعلل الترمذي " . وقال مسلم بن الحجاج: " والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذي لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم " (٤) .

    1. (٤)التمييز (ص: ١٨٩).
  37. وقال أبو زرعة الرازي في شأن زيادة وصل لعبد الله بن المبارك: " إذا زاد حافظ على حافظ قبل، وابن المبارك حافظ " (٥) . كما قال كذلك في زيادة الوصل أيضاً: " زيادة الحافظ على الحافظ تقبل " (٦) .

    vol. 1, p. 688قلت: والعمل بهذا الإطلاق يشبه أن يكون عليه عمل عامة المتأخرين من علماء الحديث، كالحاكم والبيهقي وابن الجوزي، ومن بعدهم.

    1. (٥)علل الحديث، لابن أبي حاتم (١/ ٣١٨).
    2. (٦)علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ٣٠٢).
  38. قال أبو يعلى الخليلي، وهو يذكر نوعاً من أنواع علل الحديث: " أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال " (١) . وقال ابن القطان الفاسي من المتأخرين بعد أن ذكر حديثاً أعل بالإرسال والواصل ثقة: " هو نظر غير صحيح أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه غبره مرسلا؛ لأجل مخالفة غيره له، والأمر يحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه من خالفه، وإذا كان المروي من الوصل والإرسال عن رجل واحد ثقة، لم يبعد أن يكون الحديث عنده على الوجهين، أو حدث به في حالين، فأرسل مرة، ووصل في أخرى، وأسباب إرساله إيَّاه متعددة:

    فقد تكون أنه لم يحفظ في الحال حتى راجع مَكتوباً إن كان عنده، أو تذكَّر، أو لأنه ذكره مُذاكرا ً به، كما يقول أحدنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِما هو عنده بسنده، أو لغير ذلك من الوجوه.

    1. (١)الإرشاد (١/ ١٦٣).
  39. وإنما الشأن في أن يكون الذي يُسند ما رواه غيره مَقطوعاً أو مُرسلاً، ثقة. فإنه إن لم يكن ثقة لم يُلتفت إليه ولو لم يُخالفه أحدٌ، فإذا كان ثقة فهو حُجة على من لم يَحفظ.

  40. وهذا هو الحق في هذا الأصْل، وكما اختاره أكثر الأصوليون فكذلك أيضاً اختاره من المحدثين طائفة، وإن كانَ أكثرهم على الرأي الأول، فمَّمن اختار ما اخترناه: أبو بكر البزار، ذهب إلى أنه إذا أرْسل الحديث جَماعة،

    vol. 1, p. 689وحدَّث به ثقةٌ مسندا، كان القول قول الثقة (١) ، فيجيءُ على قوله أحرى وأولى بالقبول: ما إذا أرسل ثقةٌ ووصل ثقة، فإنه إذا لم يُبال بإرسال جماعة إذا وصله ثقة، فأحرى أن لا يُباليَ بإرسال واحدٍ إذا أسْنده ثقة " (٢) .

    1. (١)وذلك في قول البزار عقب حديث أبي سعيد مرفوعاً: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة .. " قال: " وهذا الحديث قد رواه غيرُ واحد عن زيد عن عطاء بن يسار مرسلاً، وأسنده عبدُ الرزاق عن معمر والثوري، وإذا حدث بالحديث ثقةٌ فأسنده كان عندي الصواب، وعبد الرزاق ثقةُ " نقله ابنُ القطان في " بيان الوهم " (١/ ٣١٠).
    2. (٢)بيان الوَهم والإيهام، لابن قطان (٥/ ٤٣٠).