المبحث الثالث: مقدمات أساسية لكشف العلة الخفية

151 paragraphs · vol. 1, p. 761

Page 3 of 4

  1. ومما ينبه عليه من هذا على التعيين أمور ثلاثة:

    أولها: أن يكشف الغلط في التصريح بالسماع من الثقة، وأن الصواب الإرسال، وهذا من أغمضها.

    vol. 1, p. 773
  2. مثل: سماع محمد بن كعب القرظي من ابن مسعود، والحسن البصري من أبي هريرة.

  3. ومن مثاله في روايات الثقات:

    ما رواه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر الطائي، قال: سمعت النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم؟ قال: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يعلمه الناس " (١) .

    قال أبو حاتم الرازي: " هذا حديث خطأ، لم يلق ابن جابر النواس " .

    قال ابن أبي حاتم: " الخطأ يدل أنه من أبي المغيرة فيما قال: (سمعت النواس) ، وذلك أن إسماعيل بن عياش روى عن صفوان بن عمرو عن يحيى بن جابر عن النواس، لم يذكر السماع، فيحتمل أن يكون أرسله، ويحيى بن جابر كان قاضي حمص، يروي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس " (٢) .

    قلت: وكذلك وقع في بعض الرواية عن أبي المغيرة على مثل ما ذكره ابن أبي حاتم عن ابن عياش (٣) ، وتابع ابن عياش على روايته كذلك:

    vol. 1, p. 774أبو اليمان الحكم بن نافع (١) ، وروى الحديث معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه، عن النواس، فكان دليلاً آخر على أن يحيى بن جابر أرسله؛ لما عرف من روايته عن النواس بواسطة (٢) .

    1. (١)أخرجه ابنُ أبي حاتم الرازي في " علل الحديث " (رقم: ١٨٤٩) والطبراني في " مُسند الشاميين " (رقم: ٩٨٠) والبيهقي في " الشعب " (٥/ ٤٥٧ رقم: ٧٢٧٣) من طرق عن أبي المغيرة، بذكْر السماع بين يحيى بن جابر والنواس.
    2. (٢)علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٨٤٩).
    3. (٣)أخرجه أحمد (٢٩/ ١٨٠ رقم ١٧٦٣٢) والدارمي (رقم: ٢٦٨٧) كلاهما عن أبي المغيرة بالعنعنة.
    4. (١)أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٣٣٩) والطبراني في " مسند الشاميين (رقم: ٩٨٠) وابن قانع في " معجم الصحابة " (٣/ ١٦٣) والبيهقي في " الشعب " (٦/ ٢٣٦ رقم ٧٩٩٥). قلت: عطف الطبراني رواية أبي المغيرة بذكر سماع يحيى بن جابر من النواس على رواية أبي اليمان، فقال: (حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو اليمان، ح، وحدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أبو المغيرة، قالا: حدثنا صفوان .. ). فحمل سِياق أبي اليمان على سياق أبي المغيرة، وذكْر السماع إنما هو في رواية أبي المغيرة، ولذا، فإن من أخرجه عن أبي اليمان مُفرداً لا يذكر فيه سَماعاً بين يحيى بن جابر والنواس.
    5. (٢)شرحت علة هذه الرواية بذكْر السماع في كتاب " علل الحديث " .......
  4. وثانيها: الانقطاع في محل قامت القرائن على قوة الاتصال فيه، كالإدراك والقدم واحتمال اللقاء.

  5. كرواية سعيد بن المسيب عن أنس.

  6. ومما ينبغي التنبه له هنا أيضاً: أن لا تغتر بترجيح الاتصال في موضع بينوا فيه الإرسال، استدلالاً بتصحيح بعض أهل العلم حديثاً جاء من ذلك الوجه، كما يقع بعض ما يصححه الترمذي، وإن كان قليلاً.

  7. وثالثها: ملاحظة الرواة الذين سمعوا من بعض الشيوخ حديثاً أو عدداً، ولم يسمعوا منهم ما سواها.

  8. كرواية الحكم بن عتيبة عن مقسم.

  9. ويلاحظ في هذا: من سمع يسيراً، وأخذ ما سواه إجازة أو وجادة، كالحسن البصري عن سمرة بن جندب، وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله، ولا أعني بذلك تسليم وقوف الإرسال هنا؛ لما قدمت في الكلام على (ركن

    vol. 1, p. 775الاتصال) أن الرواية بهذا الطريق متصلة، وإنما نبهت عليه ليلاحظ في كلام نقاد الحديث (١) .

    1. (١)وانظر ما سيأتي في (المقدمة الحادية عشرة).
  10. المقدمة الرابعة: تمييز ما يدخل على أحاديث بعض الثقات، وهماً أو تعمداً.

  11. مثل: ما حكاه ابن حاتم الرازي، قال سألت أبي عن حديث رواه أبو عقيل بن حاجب (٢) ، عن عبد الرزاق، عن سعيد بن قماذين (٣) ، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن حبشي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تطرقوا الطير في أوكارها؛ فإن الليل أمان لها " ؟

    فقال أبو حاتم: " يقال: إن هذا الحديث مما أدخله على عبد الرزاق، وهو حديث موضوع " (٤) .

    قلت: والعلة فيما حكاه أبو حاتم أن عبد الرزاق الصنعاني، وهو ثقة حافظ، قد ذهب بصره بعدما كبر، فصاروا يلقنونه ما ليس من حديثه الذي في كتبه، فيتلقن، فلقن أحاديث موضوعة.

    1. (٢)واسمه مُحمد بن حاجب، يُلقَّب ب (شاه) المروزي، صدوق.
    2. (٣)هو سعيد بن مسلم بن قماذين اليماني.
    3. (٤)علل الحديث (٢/ ٤٨) .......
  12. وهكذا كل ثقة كان يقبل التلقين بأخرة، كالذي جاء أيضاً عن سويد بن سعيد الحدثاني، وعثمان بن صالح بن صفوان المصري، وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، وعليه محمل ما روي عنهم من المنكرات بالأسانيد النظيفة.

  13. وصح عن بسر بن سعيد، قال: " اتقوا الله وتحفظوا من الحديث،

    vol. 1, p. 776فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحدثنا عن كعب (١) ، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا بجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) .

    1. (١)يعني كعْب الأحبار.
    2. (٢)أخرجه مسلم في " التمييز " (ص: ١٧٥) وإسناده صحيح.
  14. وقد يقع مثل هذا بسبب تدليس التسوية (٣) .

    1. (٣)سيأتي بيانُ معناه في (القسم الثاني) من هذا الكتاب.
  15. كما قال الهيثم بن خارجة: قلت للوليد بن مسلم: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة، وقرة، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي، فلم يلتفت إلى قولي (٤) .

    قلت: فأحاديث الضعفاء تدخل على الثقة بمثل هذا، فتفطن إليه، ولاحظ له المقدمة التالية.

    1. (٤)أخرجه ابن عساكر في " تاريخه " (٦٣/ ٢٩١ _ ٢٩٢) بإسناد صحيح.
  16. المقدمة الخامسة: تمييز التدليس، ومعرفة ما يقع من بعض الثقات من تدليس الأسماء.

  17. وفيه أصول:
  18. أولها: تمييز من عرف بالتدليس عن المجروحين والمجهولين.

  19. ثانيها: تمييز من اشتهر بالتدليس وكثر منه، فيطلب سماعه.

  20. وثالثها: تمييز المقلين من التدليس، وإسقاط تأثير الوصف بالتدليس في حديثهم، ما لم يثبت التدليس في حديث بعينه.

    vol. 1, p. 777
  21. رابعها: تمييز ما لم يدلس فيه المدلس مع عدم ذكره للسماع.

  22. كرواية يحيى القطان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة (١) ، وروايته عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر الشعبي (٢) .

    1. (١)تقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ٢٤١).
    2. (٢)أخرج ذلك أحمد في " العلل " (النص: ١٢١٨، ٣٥٦٧، ٤٣٢٠)، وكذلك نقل عليُّ بن المديني عن يحيى القطان، كما في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ١٧٥). وفي " جامع التحصيل " للعلائي (ص: ١٧٣) استثناءُ خمس روايات: خبر المغيرة بن شعبة في شأن الثلاثة الذين شهدوا عليه، وقول للشعبي في الجراحات، وشِعر يُروى عن أيمن بن خُريم، وخبر عن الشعبي في رجل خيَّر امرأته، والخامسة عن علي في رجل تزوَّج امرأة على أن يعتق أباها. والخبران الأخيران خاف يحيى أن لا يكون إسماعيل سمعهما من الشعبي .......
  23. خامسها: تمييز من كان يدلس، لكنه لا يدلس عن بعض الشيوخ.

  24. سادسها: تمييز ما أطلق من وصف (التدليس) على الراوي وأريد به الإرسال، ظاهراً كان أو خفيا.

  25. في تفصيل تبينه مما يأتي في الكلام على (الحديث المدلس) .

  26. المقدمة السادسة: تمييز بلدان الرواة، ومعرفة ما يتفردون به من السنن.

  27. فما من أهل مصر من الأمصار الكبرى في صدر الإسلام بعد انتشار الصحابة في البلاد إلا ووقع لهم من السنن التي ليست لغيرهم، يرويها أهل تلك البلاد بأسانيدهم.

  28. فأهل المدينة أعلم بالسنن عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد

    vol. 1, p. 778الخدري وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأهل مكة أعلم بالسنن التي نقلها عبد الله بن عباس، وأهل الكوفة بالسنن التي نقلها علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأهل البصرة بالسنن التي نقلها أنس بن مالك، وأهل الشام بالسنن التي نقلها معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وأهل مصر بالسنن التي نقلها عبد الله بن عمر بن العاص، وأهل مرو بالسنن التي نقلها بريدة الأسلمي، وهكذا.

  29. فإذا روى المدني سنة عن ابن مسعود ليست عند أهل الكوفة، أو الكوفي سنة عن ابن عمر ليست عند أهل المدينة، كان ذلك عند الناقد شبهة وعلامة على العلة.

  30. ولا طريق إلى معرفة هذا دون تمييز هذه المقدمة.

  31. المقدمة السابعة: تمييز المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب.

  32. وقد بينت أهمية هذا النوع من العلم للكشف عن حقيقة الراوي، إذ الاشتباه قد يصير الحديث الواهي صحيحاً، كأن يجد الطالب حديثاً يأتي في إسناده (عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير) فيفسره على أنه (عبد الكريم بن مالك الجزري) وهو ثقة، فيقضي بصحة الإسناد، وحقيقته (عبد الكريم بن أبي المخارق) وهو واه متروك.

  33. وتأمل أثر ذلك في المثال التالي: ......

  34. روى الفضل بن موسى السيناني، عن حسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن " ، فقام رجل من القوم فاتخذه، فجاء به، فقال: " في أي شيء كان هذا؟ " ، قال: في عكة ضب، قال: " ارفعه " (١) .

    vol. 1, p. 779قلت: هذا الحديث بإسناد إذا نظره الطالب قال: هذا إسناد نظيف، جميع رجاله ثقات لا يعرفون بتدليس، وأيوب عن نافع عن ابن عمر من أصح الأسانيد، إذ أيوب إذا جاء في مثل هذا الإسناد فهو السختياني الإمام الثقة الحافظ.

    1. (١)أخرجه أبو داود (رقم: ٣٨١٨) وابن ماجة (رقم: ٣٣٤١) والطحاوي في " شرح المعاني " (٤/ ١٩٩) والعقيلي في " الضعفاء " (١/ ٢٥١) والبيهقي في" الكبرى " (٩/ ٣٢٦) و " الشعب " (٥/ ١١٣ رقم: ٦٠٠٢) من طرُق عن الفضل بن موسى، به. وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١٠/ ٢٣٤ رقم ١٥٠٧٨) من طريق أبي تُراب عسْكر بن الحصين النخشبيِّ الزاهد، حدثنا نُعيم بن حماد ومعاذ بن أسد، قالا: عن الفضل، به. لكنه قال: (أيوب السختياني)، وقد رواه الطحاوي من طريقين آخرين عن نعيم بن حماد، والعقيلي من طريق آخر عن معاذ بن أسد (تحرف إلى راشد)، ولم يذْكرا (السختياني)، فزيادته وهْمٌ من أبي تراب، أو إدراج ممن دونه.
  35. لكن أئمة الشأن ردوه وأنكروه:
  36. فمنهم من حمل فيه على حسين بن واقد، كما قال الثقة أحمد بن أصرم: سمعت أحمد بن حنبل، وقيل له في حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام في الملبقة؟ فأنكره أبو عبد الله، وقال: " من روى هذا؟ " ، قيل له: الحسين بن واقد، فقال بيده، وحرك رأسه، كأنه لم يرضه (١) .

    1. (١)أخرجه العقيلي (١/ ٢٥١).
  37. ومنهم من قال: أيوب هذا ليس بالسختياني. كما قال أبو داود بعد أن أخرج الحديث: " هذا حديث منكر، وأيوب ليس هو السختياني " .

  38. ومنهم من عين أن أيوب هذا هو أيوب بن خوط أحد المتروكين الهلكى، ووجدوا حسين بن واقد يروي عنه كما يروي عن السختياني، فدخلت الشبهة من الاشتراك.

  39. فسأل ابن أبي حاتم أباه عن الحديث؟ فقال: " هذا حديث باطل، ولا يشبه أن يكون من حديث أيوب السختياني، ويشبه أن يكون من حديث أيوب بن خوط " .

    vol. 1, p. 780قال ابن أبي حاتم: قلت: فأيوب بن خوط، يروي عن نافع؟ قال: " نعم، وهو متروك الحديث " ، قلت: فحسين بن واقد، روى عن أيوب بن خوط شيئاً؟ قال: " لا أدري " (١) .

    قلت: وفي " الجرح والتعديل " ذكر أبو حاتم أن ابن خوط هذا روى عن نافع، وروى عنه حسين بن واقد (٢) .

    1. (١)علل الحديث (٢/ ١٩ رقم: ١٥٣١).
    2. (٢)انْظر: " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٤٦) .......
  40. ولابن حبان كلمة فصل في (الحسين بن واقد) ، قال: " ربما أخطأ في الروايات، وقد كتب عن أيوب السختياني، وأيوب بن خوط، جميعاً، فكل حديث منكر عنده عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، إنما هو أيوب بن خوط، وليس بأيوب السختياني " (٣) .

    قلت: فتطابقت كلمات النقاد في إنكار الحديث حيث لم يكن عند أحد من أصحاب أيوب السختياني المتقن الحافظ المكثر، ووجدوه من باب أحديث ابن خوط المتروك، فتعين التفسير للإهمال به، استدلالاً بما ظهر من نكارة الحديث، وبما اعتضد به ثقة حسين بن واقد في سائر حديثه، مع ما قام من الدليل عند بعضهم أن حسيناً روى عن الرجلين.

    1. (٣)الثقات (٦/ ٢٠٩ _ ٢١٠).