المبحث الثالث: مقدمات أساسية لكشف العلة الخفية
151 paragraphs · vol. 1, p. 761
Page 4 of 4
- vol. 1, p. 780
فتأمل مادل عليه اعتبار توضيح المشتبه في هذا الباب.
-
المقدمة الثامنة: تمييز المقلين من الرواة والمكثرين.
-
وهذا الأصل معتبر في الصحابة فمن بعدهم من الرواة.
-
فأما في الصحابة ففائدته معرفة من عليهم مدار السنن، وأن لا يستغرب أن يوجد عند المكثر من أفراد الحديث ما ليس عند غيره، كأبي هريرة في كثرة ما روى، حتى ندر من الأبواب ما لا توجد له فيه رواية.
- vol. 1, p. 781
بينما ترى الرواية عن الخلفاء الراشدين مثلاً قليلة.
قال علي بن المديني: " أحاديث أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة قليلة " (١) .
- (١)التاريخ وأسماء المحدثين، للمقدمي (ص: ١٦١) .......
-
والأحاديث عن علي بن أبي طالب مع تأخره عنهم أيضاً قليلة، وأكثر ما ينسب أو يروي عنه من الحديث لا يصح.
-
كذلك الصحابي لا يعرف له إلا الحديث الواحد أو الأحاديث اليسيرة، فإن روي عنه الشيء غيره كان ذلك المروي عند الناقد محلاً للنظر.
-
وأما غير الصحابة، فالزهري مثلاً في كثرة حديثه لا ينكر له التفرد، بينما الراوي لا يروي إلا القليل، يروي ما لا يشارك فيه فهو محل نظر، وإن كان ثقة، فقلة حديثه تنبئ عن ضعف اهتمامه بالنقل، وإن كان اكتسب ثقته من أجل عدم ظهور وجه القدح فيه في نفسه وفي شيء مما رواه، إلا أن حال مثله حال في قلة الحديث توجب تحرياً لإثبات حفظه لما رواه.
-
ولذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيراً على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الاعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته.
-
المقدمة التاسعة: تمييز أصح ما يروى في الباب.
-
ومن هذا قولهم: (أصح شيء في الباب حديث فلان) أو (حديث كذا) ، وهو كثير في الأبواب التي وردت فيها الأحاديث المختلفة.
-
كقول أحمد بن حنبل في حديث ثوبان: " أفطر الحاجم والمحجوم " : " هو أصح ما روي في هذا الباب " (٢) .
- (٢)أخرجه الحاكم في " المستدرك " (١/ ٤٢٧ بعد رقم: ١٥٥٩) وإسناده صحيح.
- vol. 1, p. 782
وقال علي بن المديني في حديث رافع بن خديج في ذلك: " لا أعلم في الحاجم والمحجوم حديثاً أصح من هذا " (١) .
وقال البخاري في أحاديث الوضوء من مس الذكر: " أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة " (٢) .
- (١)أخرجه الحاكم (١/ ٤٢٨ بعد رقم: ١٥٦١) وإسناده صحيح.
- (٢)نقله الترمذي في " الجامع " (بعد الحديث: ٨٤).
-
وقال الترمذي في حديث عبد الله بن زيد في مسح الرأس في الوضوء: " أصح شيء في هذا الباب وأحسن " (٣) ، وله مثل هذا نظائر أخرى.
- (٣)الجامع (رقم: ٣٢) .......
-
هذه العبارة لا تفيد صحة الحديث عند قائلها، لكن فائدتها أن جميع ما سوى ذلك الحديث عند الناقد صاحب العبارة فهو دونه في القوة، ففيها إذا الإشارة إلى منزلة سائر الأحاديث في الباب.
-
والناقد يقول العبارة فيه قد يخالفه فيها غيره من النقاد، كما بين عبارة أحمد بن حنبل وابن المديني في شأن أصح شيء في الحاجم والمحجوم، إذ كل منهما قال غير مقالة الآخر، ولكن المقصود أن يحيط المعتني بتمييز علل الحديث بمثل هذا كما يحيط بأقاويلهم في بيان أحوال النقلة، ويعمل على تحرير الراجح منها.
-
المقدمة العاشرة: تمييز الأبواب التي لا يثبت فيها حديث.
-
هذا أصل خصه بالتصنيف بعض الحفاظ، كالحافظ عمر بن بدر الموصلي (المتوفى سنة: ٦٢٢) في كتاب " المغني عن الحفظ والكتاب، في قولهم: لا يصح شيء في هذا الباب " .
-
وهذا باب يدخله اجتهاد، ويرجع إلى قدر إحاطة العلم بطرق الأحاديث، لكن العبارة فيه إذا كانت من مقدمي أئمة هذا العلم، فقلما تترك سبيلاً للتعقب بضدها.
- vol. 1, p. 783
وفي كلام الأئمة النقاد كثير من العبارات في ذلك، من أمثلتها:
١_ البسملة عند الوضوء.
قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فما وجه قوله: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " ، قال: " فيه أحاديث ليست بذاك، وقال الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} ، فلا أوجب عليه، وهذا التنزيل، ولم تثبت سنة " (١) .
- (١)تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (١/ ٦٣١ _ ٦٣٢).
-
٢ _ الغسل من غسل الميت.
قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) ذكر فيمن غسل ميتاً فليغتسل؟ فقال: " ليس يثبت فيه حديث " (٢) .
- (٢)مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٠٩).
-
وهكذا نقل البخاري عن أحمد وعلي بن المديني قالا: " لا يصح من هذا الباب شيء " (٣) .
- (٣)العلل الكبير، للترمذي (١/ ٤٠٢).
-
٣ _ زكاة العسل.
قال البخاري: " ليس في زكاة العسل شيء يصح " (٤) .
- (٤)العلل الكبير، للترمذي (١/ ٣١٢) .......
-
المقدمة الحادية عشرة: تفقد صيغ التحمل والأداء، كالسماع والإجازة والعنعنة والوجادة.
-
فقد يقوم الدليل على خطأ ذكر السماع في أي محل من الإسناد، كما أن طائفة من العلماء أعلت بالرواية ببعض هذه الطرق، كالوجادة.
- vol. 1, p. 784
كما قال أحمد بن صالح المصري في (عطاء بن دينار) : " هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره فيما يروي عن سعيد بن جبير صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير " ، وقال أبو حاتم الرازي: " صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٣٢) .......
-
وقد بينت ما يتصل بذلك وما يقبل وما لا يقبل منه في محله من هذا الكتاب، وإنما المقصود أن يعتبر الباحث عن علل الحديث هذه الطرق، وصحتها حيث ترد.
-
وتفطن منها إلى العنعنة، فإن الثقة قد يروي الحديث بها، ولا يذكر بالتدليس، لكنها مظنة للإرسال، فتأمل ذلك واستقصه، حتى تنتفي مظنته.
-
المقدمة الثانية عشرة: تمييز الإدراج للألفاظ في سياقات المتون.
-
وهذا يتبين بالاعتناء بجمع ألفاظ الحديث عند استقصائه من محال تخريجه، وجمع متابعاته، فذلك طريق كشف زيادات الرواة، واستظهار القرائن الدالة على الإدراج.
-
وهو أمر يهمله أغلب المتعرضين لعلم الحديث من المتأخرين، وخصوصاً المعاصرين، مع أن تحرير المتون هو الغاية من النظر في الأسانيد.