المبحث العاشر: الحديث الموضوع

167 paragraphs · vol. 1, p. 1039

Page 2 of 5

  1. ٤ _ ومنهم من يضع انتصاراً للأوطان، كمن وضع في فضائل بلد، ومثالب آخر.

    vol. 1, p. 1046
  2. السبب الثالث: الترغيب في الأعمال الصالحة.

  3. وهذا يوجد في طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، يرغب في طاعة أو ينفر من معصية.

  4. ويكثر مثل هذا عند الوعاظ.

    قال أبو عمار الحسين بن حريث المروزي (وكان ثقة) : قيل لأبي عصمة (يعني نوح بن أبي مريم) : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: " إني قد رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة " (١) .

    1. (١)أخرجه الحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٥٤) ومن طريقه: ابنُ الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ١٦) وإسناده صحيح.
  5. وممن كان يفعل ذلك من أولئك الكذابين: ميسرة بن عبد ربه، وأحمد بن محمد بن غالب الباهلي المعروف بغلام خليل (٢) .

    1. (٢)انظر قصته في " الكامل " لابن عدي (١/ ٣٢٢).
  6. قال أبو زرعة الراوي وسئل عن ميسرة بن عبد ربه: " كان يضع الحديث وضعاً، قد وضع في فضائل قزوين نحواً من أربعين حديثاً، كان يقول: إني أحتسب في ذلك " (٣) .

    1. (٣)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٥٤)، قلت: فكأنه وضعها للترغيب في الرباط هناك.
  7. ومن هذا ما ذهب إليه بعض أهل الضلالة من جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، والثواب والعقاب؛ لأنه ليس كذباً عليه صلى الله عليه وسلم، إنما هو كذب لمصلحة الإسلام (٤) ، زعموا!

    1. (٤)وانظر: الموضوعات، لابن الجوزي (١/ ١٣٤ _ ١٣٩).
  8. السبب الرابع: الرغبة في استمالة السامعين، وصرف وجوه الناس إليه.

    vol. 1, p. 1047
  9. كشأن أحاديث القصاص.

    قال ابن الجوزي في تعليل صنيع هؤلاء: " يريدون أحاديث تنفق وترقق، والصحاح يقل فيها هذا، ثم إن الحفظ يشق عليهم، ويتفق عدم الدين، ومن يحضرهم جهال " (١) .

    1. (١)الموضوعات (١/ ٢٩) .......
  10. ومن مثال هذا صنيع (محمد بن أبان ابن عائشة القصراني) ، قال أبو زرعة الرازي: " أول ما قدم الري قال للناس: أي شيء يشتهي أهل الري من الحديث؟ فقيل له: أحاديث في الإرجاء، فافتعل لهم جزءاً في الإرجاء " (٢) .

    قلت: فهذا لم يفعل ذلك ينتصر به إلى مذهب، إنما قصد به استمالة وجوه العامة إليه.

    1. (٢)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٠٠).
  11. كذلك الإغراب بالروايات؛ لما يحصل به من الإعجاب.

  12. وذكر ابن عدي (جعفر بن أحمد بن علي الغافقي المصري المعروف بابن أبي العلاء) وكان قد أدركه، وكتب عنه، لكنه اتهمه بوضع الحديث وذلك أنه كان مغرماً بأبواب اعتنى بوضع الحديث فيها عن المصريين وغيرهم، وضع في فضل النخلة والتمر، وفي الفراعنة، والسرقة، وأكل الطين، أحاديث بألفاظ ركيكة واضحة في الوضع (٣) .

    1. (٣)انظر ترجمته في " الكامل " (٢/ ٤٠٠ _ ٤٠٥).
  13. ومن هذا: العمد إلى وضع أسانيد لأحاديث صحيحة مشهورة مروية بغير تلك الأسانيد، كما كان يصنع إبراهيم بن اليسع، وحماد بن عمرو النصيبي، وغيرهما من المذكورين بالكذب.

  14. [مصادر المتون الموضوعة]

    vol. 1, p. 1048
  15. متون الأحاديث الموضوعة ترجع إلى واحد من مصادر ثلاثة:

    الأول: من ذات واضعه، وذلك بأن يصنعه بألفاظ نفسه.

  16. والثاني: أن يكون مأثورا عن صحابي أو تابعي قولهما، أو قولا من الحكمة أو أمثال الناس السارية، إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  17. والثالث: أن يكون من الأخبار المستوردة من بني إسرائيل، والتي تسمى (الإسرائيليات) ، فتضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  18. وأما الأسانيد لتلك المتون، فإن من وضع المتن فلا يعجزه أن يركب له الإسناد، وقد يكون إسناداً لا يعرف إلا لذلك الخير، يكون الواضع قد صنعه كما صنع المتن، وهذا قليل (١) ، وقد يكون إسناداً معروفاً نظيفاً، ركب عليه الواضع ذلك المتن، وهذا هو الأكثر، ويفعلون لما يقع من الإغراء به لنظافة الإسناد في الظاهر.

    1. (١)مثل ما قاله ابنُ عدي في (الحسن بن علي بن صالح العدوي): " يضع الحديث، ويسرق الحديث، ويُلزقه على قوم آخرين، ويُحدث عن قوم لا يُعرفون، وهو متهم فيهم، فإن الله لم يخلقهم "، قلت: ومن أمثلة هؤلاء ممن ذكر ابنُ عدي رجلٌ يُقال له: (خِراشُ بن عبد الله) اصْطنعه العَدوي هذا وزَعم أنه خادِم أنس بن مالك، وبعد أن ساق ابن عدي له أحاديث عنه قال: " وهذه الأحاديث أربعة عشر حديثاً، وخِراش هذا لا يُعرف، ولم أسْمع أحداً يذْكر خراشاً غير العدوي " (الكامل ٣/ ١٩٥، ٢٠٤ _ ٢٠٥) .......
  19. فإن كان الواضع صير ما ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم عنه كالآثار والإسرائيليات، فتلك ربما مروية بإسناد، فيزيد فيه الواضع النسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، أو يصله إليه بزيادة ما يقتضيه الوصل، وربما وضع لتلك الآثار الإسناد أيضاً وركبها عليه.

  20. ومن تلك المتون ما لا سند له، وشاع بين الناس منسوباً إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    vol. 1, p. 1049وهذا أظهر في الوضع مما صيغت له الأسانيد؛ لأن الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل بدون الإسناد.

  21. والكذب في الحديث يعلم بطرق، تعود جملتها إلى ما يلي:

    الأولى: أن يقر واضعه بأنه وضعه.

  22. ووقع من بعض من عرفوا بالكذب اعترافهم بذلك، كنوح بن أبي مريم، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وزياد بن ميمون، وغيرهم.

    قال أبو داود الطيالسي: " أتينا زياد بن ميمون، فسمعته يقول: أستغفر الله، وضعت هذه الأحاديث " (١) .

    قلت: لكن كشف الحديث الموضوع المعين بهذا الطريق فيما في أيدي الناس من الحديث المروي لا يكاد يوجد، إنما كان طريقاً تكشف به حال أولئك المخذولين.

    1. (١)أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل " لأبيه (النص: ٢٩٩٧) بإسناد صحيح.
  23. الثانية: أن يكون ظاهراً منه بحيث كأنه ينزل منزل إقراره بوضعه.

  24. وذلك كما قال يحيى بن معين في (أبي داود النخعي) : " رجل سوء كذاب، يضع الأحاديث، انصرفنا من عند هشيم في أبواب من الطلاق، فقال: ليس منها شيء إلا وعندي بإسناد، كان يدخل فيضع الحديث ثم يخرج " ، قال يحيى " سمعت أبا داود يقول: حدثني خصيف وخصاف ومخصف، كذب كله " (٢) .

    قلت: كأن ابن معين يقول: كان الكذب ظاهراً في وجهه.

    1. (٢)من كلام أبي زكريا يحيى بن مَعين (النص: ٢١٨) .......
  25. وانكشف لكثير من النقاد حال طائفة من هؤلاء الكذابين، فقضوا بأنهم وضعوا الحديث المعين أو الأحاديث، مثل قطعهم بوضع ميسرة بن عبد ربه

    vol. 1, p. 1050كتاباً في أحاديث في فضل العقل، سرقه منه داود بن المحبر وغيره، وحكمهم على نسخ مجموعة من قبل بعض الكذابين بكونها موضوعة، كنسخة أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط، وغيره.

  26. الثالثة: أن يظهر من حال الراوي عند تحديثه به ما يدل على أنه وضعه.

  27. كالذي وقع من غياث بن إبراهيم حين دخل على الخليفة المهدي في زيادته في حديث: " لا سبق إلا في خف " ذكر الجناح، حين علم أن المهدي يحب الحماح، فأراد التزلف له، فكشف المهدي حقيقة أمره من ساعته (١) .

    1. (١)وتقدم في هذا المبحث سِياق قصته.
  28. وهذا طريق كان معتبراً في كشف روايات الكذابين لمن كان يقظاً عند مباشرة السماع منهم.

  29. الرابعة: أن يستدل بما عرف عن الراوي من أنه كان يكذب، بكون حديثه موضوعاً، وذلك حين تثبت نكارته، ولا يعرف له ما يدل على أن له أصلاً من غير طريقه.

  30. وهذا طريق يستعمله عامة النقاد في الحكم على كثير من الأحاديث الموضوعة، وهو الطريق الواجب اعتباره فيما لم تقم قرينة أخرى على اعتباره كذباً؛ وذلك لإمكان إجرائه في الواقع.

  31. وبيانه: أنك تجد الحديث يرويه رجل من المعروفين بالكذب بإسناد له، لا يوجد له أصل من وجه آخر بحيث لا تبرأ عهدة ذلك الكذاب منه، فتقول: هذا حديث موضوع، آفته من جهة هذا الكذاب.

  32. مثل: ما رواه أحمد بن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق

    vol. 1, p. 1051المروزي، قال: حدثنا الحسين بن عيسى، قال: أنبانا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

    " من سقى مسلماً شربة من ماء في موضع يوجد فيه الماء فكأنما أعتق رقبة، فإن سقاه في موضع لا يوجد فيه الماء فكأنما أحيا نسمة مؤمنة " .

    قال ابن عدي: " هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

  33. وحكم على (أحمد بن علي) رواية بقوله: " يضع الحديث عن الثقات " (١) .

    1. (١)الكامل (١/ ٣٣٨) .......
  34. وهكذا ترى أحكامه وأحكام ابن حبان وابن الجوزي وغيرهم على الأحاديث الكثيرة بالوضع، فإنما هو لكونها لم تعرف إلا من طريق من هو مذكور بالكذب، وربما يكون كذب ذلك الراوي لهم قد انكشف بالمجيء بمثل تلك الأحاديث، فصح لهم أن يستدلوا على كذبه بها، وعلى كذبها به.

  35. الخامسة: أن يكون الحديث شبيهاً بحديث الكذابين، وإن كان لا يتهم بوضعه معين في إسناده، بل ربما كان من رواية مجهول، أو مما أدخل على بعض الرواة الضعفاء، أو دلس اسم الكذاب الذي تلصق به التهمة.

  36. وقد ذكرت في (تفسير الجرح) من نماذج الرواة من لزمه الجرح بسبب إدخال الموضوعات عليه وهو لا يعلم، ومن أجله رد من المدلس المعروف بالتدليس عن المجروحين ما لم يبين فيه السماع لو كان ثقة.

  37. ومن مثال هذه الصورة ما ذكره عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثت أبي بحديث حدثنا خالد بن إبراهيم أبو محمد المؤذن، قال: حدثنا

    vol. 1, p. 1052سلام بن رزين قاضي أنطاكية، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال:

    بينما أنا والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرقات المدينة، إذا أنا برجل قد صرع، فدنوت فقرأت في أذنيه، فاستوى جالساً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ماذا قرأت في أذنه يا ابن أم عبد؟ " ، قلت: فداك أبي وأني، قرأت: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: ١١٥] ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي بعثني بالحق، لو قرأها موقن على جبل لزال " ؟ أحمد من جهة

    قال أحمد بن حنبل: " هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين، منكر الإسناد " (١) .

    قلت: هو حديث لم يتعين واضعه، أو واضع إسناده، وجائز أن تكون حجة أحمد من جهة أن الأعمش معروف الحديث، وليس هذا عند أحد من أصحابه، فكيف صار مثله إلى رجل مجهول كسلام هذا، وجائز أن تكون الحجة أن الحديث معروف من حديث عبد الله بن لهيعة، رواه عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن مسعود (٢) .

    1. (١)العلل (النص: ٥٩٧٩) وعنه: العقيلي في " الضعفاء " (٢/ ١٦٣) وابن الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ٤٩٨).
    2. (٢)أخرجه أبو يعلى (رقم: ٥٠٤٥) وابن السني في " اليوم والليلة " (رقم: ٦٣١) والحكيم: الترمذي في " نوادر الأصول " (رقم: ٨٤٧ _ تنقيح) والطبراني في " الدعاء " (رقم: ١٠٨١) وأبو نُعيم في " الحلية " (١/ ٣٨ رقم: ١١) من طريقين عن ابن لهيعة به .......
  38. ولم يأت من ابن لهيعة ذكره السماع في روايته، ومعروف أنه وقعت في روايته المنكرات، تارة من جهة حفظه، وتارة من مظنة التدليس.

  39. ومن أثبت الروايات عنه رواية عبد الله بن وهب، وقد رواه عنه بإسناده إلى حنش، مرسلاً (٣) .

    1. (٣)كذلك أخرجه ابنُ أبي حاتم في " تفسيره " (٨/ ٢٥١٣)، وأيضاً هوَ مرسلٌ عند الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٣١٢) من طريق عفيف بن سالم الموصلي عن ابن لهيعة.
  40. السادسة: أن يدل جمع الطرق وتتبع الروايات على عورة الكذاب فيه.

    vol. 1, p. 1053