المبحث العاشر: الحديث الموضوع
167 paragraphs · vol. 1, p. 1039
Page 3 of 5
- vol. 1, p. 1053
وهذا طريق كشف عن حال كثير من الموصوفين بالكذب، وخصوصاً أولئك الذين عرفوا بالكذب في الأسانيد، كتوصيل منقطع يضع له أحدهم الإسناد يوصله به أو وضع إسناد مختلف لحديث صحيح معروف مروي بإسناد آخر صحيح.
-
ومثل هذا لا يقدح في متن الحديث، ولا يحكم بسببه بكونه موضوعاً، وإنما الموضوع هو الإسناد.
-
وذلك كحال (خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني) ، قال يحيى بن معين: " كان يزيد في الأحاديث الرجال، يوصلها لتصير مسندة " ، ويفسر ذلك أبو زرعة الرازي فيقول: " هو كذاب، كان يحدث الكتب عن الليث عن الزهري، فكل ما كان: الزهري عن أبي هريرة، جعله: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وكل ما كان: الزهري عن عائشة، جعله: عن عروة عن عائشة، متصلاً " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٣٤٧، ٣٤٨).
-
وترى الحكم بالوضع بهذا الطريق وقع من طائفة من متقدمي الحفاظ، كأبي حاتم الرازي في " علل الحديث " .
-
السابعة: أن يعرف بالتاريخ، كأن يوجد من الراوي ذكر السماع من قوم لم يدركهم، فيكون قرينة على كون ما حدث به عنهم كذباً، وهو معدود فيمن يسرق الحديث.
-
ولا يلزم منه أن يكون المتن أو حتى سائر الإسناد موضوعاً، إنما قد يكون الكل موضوعاً، وقد يكون حكم الوضع مقصوراً على رواية ذلك الكذاب عن ذلك الشيخ الذي لم يلقه، فتكون روايته تلك من طريقه ساقطة لا اعتداد بها؛ لأجله.
- vol. 1, p. 1054
والتاريخ من أبرز طرق كشف الكذب والكذابين في الحديث: يحدث الراوي عمن مات قبله، أو كان يوم مات الشيخ في سن لا يحتمل السماع منه.
قال حفص بن غياث: " إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين " يعني: احسبوا سنه وسن من كتب عنه (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٣) ومن طريقه: ابن عساكر في " تاريخه " (١/ ٥٤) وإسناده لا بأس به. وروُي في هذا المعنى عن سفيان الثوري قال: " لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ " أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (١/ ١٦٩ _ ١٧٠) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٣) وابنُ عساكر (١/ ٥٤) وفي إسناده من لم أقف عليه .......
-
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين وذكر المعلى بن عرفان: " قال: حدثنا أبو وائل قال: خرج علينا ابن مسعود بصفين " فقال أبو نعيم: " أتراه بعث بعد الموت؟ " (٢) .
قال البخاري: " وهذا لا أصل له؛ لأن عبد الله مات قبل عثمان، رضي الله عنه، وقبل صفين بسنين " (٣) .
وقال إسماعيل بن عياش: " كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هذا رجل يحدث عن خالد بن معدان، قال: فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بعد موته بسبع " ، قال إسماعيل: " مات خالد سنة ست ومئة " (٤) .
- (٢)أخرجه مسلم في " مقدمته " (ص: ٢٦) وعنه: ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٣٠) وإسناده صحيح إلى أبي نعيم.
- (٣)التايخ الأوسط (٢/ ٧٨).
- (٤)أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٧١) والحاكم في " المدخل إلى كتاب الإكليل " (ص: ٦٠ _ ٦١) والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٤٥) وإسناده جيد.
- vol. 1, p. 1055
وقال صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) في (محمد بن مهاجر الطالقاني أخي حنيف) : " أكذب خلق الله، يحدث عن قوم ماتوا قبل أن يولد هو بثلاثين سنة، وأعرفه بالكذب منذ خمسين سنة " (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٣/ ٣٠٣) وإسناده صحيح.
-
وقال ابن أبي حاتم الرازي في (محمد بن منده الأصبهاني) : " لم يكن عندي بصدوق، أخرج أولاً عن محمد بن بكير الحضرمي، فلما كتب عنه استحلى الحديث، ثم أخرج عن بكر بن بكار، والحسين بن حفص، ولم يكن سنه سن من يلحقها " (٢) .
- (٢)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٧).
-
وقال ابن عدي في (أحمد بن محمد بن الصلت أبي العباس) : " رأيته في سنة سبع وتسعين ومئتين يحدث عن ثابت الزاهد وعبد الصمد بن النعمان وغيرهما من قدماء الشيوخ، قوم قد ماتوا قبل أن يولد بدهر، وما رأيت في الكذابين أقل حياء منه، وكان ينزل عند أصحاب الكتب يحمل من عندهم رزماً، فيحدث بما فيها، وباسم من كتب الكتاب باسمه، فيحدث عن الرجل الذي اسمه في الكتاب، ولا يبالي ذلك الرجل متى مات، ولعله قد مات قبل أن يولد " (٣) .
- (٣)الكامل (١/ ٣٢٧ _ ٣٢٨).
-
ومثاله أيضاً: محمد بن عبدة بن حرب العباداني، أدركه ابن عدي وكتب عنه، وقال: " قوله: كتبت عن بكر بن عيسى كذب عظيم، وذاك أنه كان يقول: ولد سنة ثماني عشرة، وبكر مات أربع ومئتين، فكيف يكتب عنه؟ " (٤) .
- (٤)الكامل (٧/ ٥٦٥) .......
-
وقال ابن حبان في (أبي العباس أحمد بن محمد بن الأزهر) وقد أدركه: " قد روى عن محمد بن المصفى أكثر من خمس مئة حديث، فقلت
vol. 1, p. 1056له: يا أبا العباس، أين رأيت محمد بن المصفى؟ فقال: بمكة، فقلت: في أي سنة؟ قال: سنة ست وأربعين ومئتين، قلت: وسمعت هذه الأحاديث منه في تلك السنة بمكة؟ قال: نعم، فقلت: يا أبا العباس، سمعت محمد بن عبيد الله بن الفضيل الكلاعي عابد الشام بحمص يقول: عادلت محمد بن المصفى من حمص إلى مكة سنة ست وأربعين، فاعتل بالجحفة علة صعبة، ودخلنا مكة، فطيف به راكباً، وخرجنا في يومنا إلى منى، واشتدت به العلة، فاجتمع علي أصحاب الحديث، وقالوا: أتأذن لنا حتى ندخل عليه؟ قلت: هو لما به، فأذنت لهم، فدخلوا عليه، وهو لما به لا يعقل شيئاً، فقرأوا عليه حديث ابن جرير عن مالك في المغفر، وحديث محمد بن حرب عن عبيد الله بن عمر: ليس من البر الصيام في السفر، وخرجوا من عنده، ومات فدفناه. فبقي أبو العباس ينظر إلي " (١) .
قلت: فرواية الواحد من هؤلاء شيئاً عمن لم يدركوه يدعون السماع منه، كذب، وإسناد ذلك الراوي عن ذلك الشيخ موضوع.
- (١)المجروحين من المحدثين (١/ ١٦٤).
-
الثامنة: أن يختبر الراوي بسؤاله عن المكان الذي سمع فيه من شيخ معين، أو عن صفة ذلك الشيخ، فيذكر ما يخالف الحقيقة، فيكون تحديثه بما حدث به عن ذلك الشيخ كذباً.
-
مثل: سهيل بن ذكوان، فقد ادعى أنه سمع من أم المؤمنين عائشة، فسئل: أين لقيت عائشة؟ قال: بواسط، وعائشة ما دخلت واسط (٢) .
- (٢)الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (رقم: ١٥١).
-
كما قيل له: صف عائشة، فقال: كانت أدماء، أو: سوداء (٣) ، وكذب في ذلك.
- (٣)التاريخ الكبير، للبخاري (٢/ ٢ / ١٠٤)، العلل، لأحمد بن حنبل (النص: ٩٨٨)، تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٢٤٨٦) .......
- vol. 1, p. 1057
التاسعة: أن يكون معلوماً أن زيداً من الرواة غير معروف بالرواية عن فلان، فيروي رجل حديثاً يذكر فيه رواية لزيد عن فلان هذا، فيستدل به على تركيبه الأسانيد، وأن ذلك الإسناد موضوع مركب.
-
مثل: (عبد الله بن حفص الوكيل) روى بإسناده عن سليمان التيمي عن حميد عن أنس حديثاً منكراً، فقال ابن عدي: " هذا موضوع المتن والإسناد، وذاك أن سليمان التيمي لا يحفظ له عن حميد شيء " (١) .
- (١)الكامل (٥/ ٤٣٥).
-
والوكيل هذا متهم بالكذب ووضع الحديث، ومثل هذه العلة دليل على أنه كان يركب الأسانيد.
-
العاشرة: أن يستدل بطراوة الخط في الكتاب العتيق أو بلون الحبر مثلاً على أن الراوي أضاف اسمه في طباق السماع، فادعى لنفسه السماع واتصال ما بينه وبين من روى عنه ذلك الحديث أو الكتاب، وإنما هو يكذب.
-
وصنيع هذا وقع من طائفة من المتأخرين بعدما صارت الرواية إلى الكتب، ولذا يلزم تتبع ذلك من النقلة لكشف صحة السماع أو عدمه، قال الحاكم: " يتأمل أصوله: أعتيقة هي أم جديدة، فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيحدثون بها، وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدثون بها " (٢) .
قلت: ومن أمثلة من فضحه الله بتزوير السماع: محمد بن عبد الخالق اليوسفي (٣) ، وأبو البقاء محمد بن محمد بن معمر بن طبرزد (٤) .
- (٢)معرفة علوم الحديث (ص: ١٦).
- (٣)انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (٣/ ٦١٣) ولسان الميزان (٥/ ٢٤٦) وتكملة الإكمال لابن نُقطة (٤/ ٤٨٦).
- (٤)انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠ _ ٣١) ولسان الميزان (٥/ ٣٦٥) .......
- vol. 1, p. 1058
ومنهم: محمد بن أيوب بن سويد الرملي، قال أبو زرعة الرازي: " أتيناه، فأخرج إلينا كتب أبيه أبواباً مصنفة بخط أيوب بن سويد، وقد بيض أبوه كل باب، وقد زيد في البياض أحاديث بغير الخط الأول، فنظرت فيها، فإذا الذي بخط الأول أحاديث صحاح، وإذا الزيادات أحاديث موضوعة ليست من حديث أيوب بن سويد، قلت: هذا الخط الأول خط من هو؟ فقال: خط أبي، فقلت: هذه الزيادات، خط من هو؟ قال: خطي، قلت: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: أخرجتها من كتب أبي، قلت: لا ضير، أخرج إلي كتب أبيك التي أخرجت هذه الأحاديث منها " ، قال أبو زرعة: " فاصفار لونه وبقي (١) ، وقال: الكتب ببيت المقدس، فقلت: لا ضير، أنا أكتري فيجاء بها إلي. . " قال: " فبقي ولم يكن له جواب، فقلت له: ويحك ! أما تتقي الله؟ ما وجدت لأبيك ما تفقه به سوى هذا؟ أبوك عند الناس مستور وتكذب عليه؟ أما تتقي الله؟ فلم أزل أكلمه بكلام من نحو هذا ولا يقدر لي على جواب " (٢) .
- (١)أي أفحِم وسكت.
- (٢)سؤالات البرذعي (٢/ ٣٩٠ _ ٣٩١).
-
واعلم أنه ليس كل من ادُّعي عليه أنه يفعل ذلك يكون مما يقدح فيه، فقد تكلم الحافظ ابن النجار، في شيخه (عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد عبد الكريم السمعاني) فقال: " كانت سماعاته التي بخط والده وخطوط المعروفين من المحدثين صحيحة، فأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه، فإنه كان يلحق اسمه في طباق لم يكن اسمه فيها إلحاقاً ظاهراً، ويدعي سماع أشياء لم يوجد سماعه منها، وكان متسامحاً " (٣) .
- (٣)المستفاد من ذيْل تاريخ بغداد، لابن النجار، انتقاء: الدمياطي (ص: ٢٨٩).
-
فاعتذر عنه ابن حجر، فقال: " هذا الذي قاله ابن النجار فيه لا يقدح بعد ثبوت عدالته وصدقه، أما كونه كان يلحق اسمه في الطباق، فيجوز أنه
vol. 1, p. 1059كان يحقق سماعه، وأما كونه ادعى سماع أشياء لم توجد، فهذا إنما يتم به القدح فيه لو وجد الأصل الذي ادعى أنه سمع فيه، ولم يوجد اسمه فيه، أما فقدان الأصول فلا ذنب للشيوخ فيه " (١) .
- (١)لِسان الميزان (٤/ ٧) .......
-
الحادية عشرة: أن يكون في نفس المروي قرينة تدل على كونه كذباً.
-
كالأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، أو تخالف البراهين الصريحة ولا تقبل تأويلاً بحال.
قال الشافعي: " لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أنه يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه " (٢) .
- (٢)الرسالة (الفقرة: ١٠٩٩).
-
وذكر ابن القيم (٣) لتمييز الحديث الموضوع بهذا الطريق علامات، إليكها ملخصة مقربة مع زيادة فائدة يقتضيها المقام:
[١] اشتمال الحديث على المجازفات في ترتيب الجزاء المبالغ في وصفه على العمل اليسير.
- (٣)في كتابه: " المنار المنيف في الصحيح والضعيف ".
-
مثل: " من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبيا " (٤) .
- (٤)وانظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٩٩٢).
-
[٢] مخالفة الواقع المحسوس.
-
مثل: " الباذنجان شفاء من كل داء " (٥) .
vol. 1, p. 1060قلت: كالذي روى العلاء بن زيدل، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال " العالم لا يخرف " .
- (٥)وانظر: المقاصد الحسنة، للسخاوي (رقم: ٢٧٩).
-
سئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث فقال: " العلاء ضعيف الحديث، متروك الحديث، قد وجدنا من ينسب إلى العلم: المسعودي، والجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعطاء بن السائب، وغيرهم " (١) .
قلت: يعني أنه كبروا فخرفوا.
- (١)علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٢٨٢١).
-
[٣] مناقضة السنن الإلهية في التشريع والتكليف.
-
مثل ما يروى في حرمة النار على من اسمه (محمد) أو (أحمد) (٢) .
- (٢)انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٣٢٦).
-
[٤] أن يشمل على تحديد تاريخ مستقبل، تقع فيه حوادث، فيقال: " إذا كانت سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت " (٣) .
- (٣)انظر من ذلك ما في " الموضوعات " لابن الجوزي (رقم: ١٦٨٨ _ ١٦٩٨).
-
ومن هذا ما يذكر في عمر الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة (٤) .
- (٤)انظر الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ١٧٩١) .......
-
والمبين لكذب هذا النوع من الأخبار: خلو أخبار الوحي المعروفة من ذلك بالاستقراء، مع ظهور كذب تلك الأخبار في الواقع المشاهد.
-
[٥] أن تقوم الشواهد الصحيحة، والعلم القاطع، للدلالة على بطلانه.
-
مثل: " إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي الزلزلة " .
-
[٦] أن يشمل على خلاف الصحيح الثابت.
-
مثل حديث وضع الجزية على يهود خيبر، فهو باطل لأن فيه شهادة
vol. 1, p. 1061سعد بن معاذ، ولم يكن حيا يومئذ، ولم يكن أسلم يومئذ والجزية لم تكن شرعت يومئذ، إلى قرائن أخرى.