قرينة الكثرة هي أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فالعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد كما قال الشافعي

160 paragraphs · vol. 1, p. 498

Page 3 of 4

  1. الثاني: يذكر بعض الباحثين قرائن في الموازنة بين أصحاب الراوي إذا اختلفوا عليه، مثل تقديم رواية أهل بيت الراوي المختلف عليه على غيرهم، وتقديم رواية أهل البلد على رواية الغرباء، ونحو ذلك، لوجود نصوص عن النقاد تعتمد هذه القرائن.

    vol. 1, p. 523
  2. فمن ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه الثوري، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كتب عمر إلى أمراء الأجناد ألا يأخذوا الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي» ، قال أبي: ومنهم من يقول: عن نافع، عن أسلم، عن عمر.

    vol. 1, p. 524قلت لأبي: فأيهما الصحيح، قال: الثوري حافظ، وأهل المدينة أعلم بحديث نافع من أهل الكوفة» (١) .

    1. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣١١، وانظر: «شرح معاني الآثار» ٤: ٢١٧.
  3. وروى عبدالله بن المبارك المروزي، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» (٢) .

    1. (٢)«صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و «سنن الترمذي» حديث (١٠٥٠)، و «مسند أحمد» ٤: ١٣٥.
  4. ورواه جماعة من الشاميين وغيرهم، منهم عيسى بن يونس، وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، وبشر بن بكر، عن ابن جابر، بإسقاط أبي إدريس (٣) .

    قال أبو حاتم حين سئل عن هذا الحديث: «الصحيح ما يقوله أهل دمشق، ليس بينهما أبو إدريس، وقد وهم ابن المبارك في زيادته أبا إدريس، لأن بسر بن عبيدالله روى عن واثلة، ولقيه، ولا أعلم أبا إدريس روى عن واثلة شيئا، وأهل الشام أضبط لحديثهم من الغرباء» (٤) .

    1. (٣)«صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و «سنن أبي داود» حديث (٣٢٢٩)، و «سنن الترمذي» حديث (١٠٥١)، و «سنن النسائي» حديث (٧٥٩)، و «مسند أحمد» ٤: ١٣٥، و «علل الدارقطني» ٧: ٤٣، و «المستدرك» ٣: ٢٢١.
    2. (٤)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٦٨، وانظر أيضا في هذا الحديث: ١: ٨٠، ٣٤٩، وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٤٦٢) , (٤٩٤)، (٨١٩) , (١٧٢٥) , و «الاستذكار» ١٠: ١٣٢.
  5. وهذا العمل من هؤلاء الباحثين بإفراد هذه القرائن بالذكر ليس عليه

    vol. 1, p. 525إشكال كبير، غير أن المتأمل في هذه القرائن يجدها تؤول إلى قرينة: درجات أصحاب الرواة، فمردها إليها، وعلتها واحدة، فالسبب في تقديم رواية أهل بيت الراوي، أو أهل بلده، يعود إلى قضية طول الملازمة، والخصوصية، وهذه إحدى الركائز الأساس في تصنيف أصحاب الراوي بصفة عامة -كما تقدم-.

  6. وقد كان الأئمة النقاد يهتمون كثيرا عند تصنيف أصحاب الراوي بقضية اختلاف البلد، فينصون على الغرباء منهم، وربما خصوا هؤلاء بتصنيف، وهؤلاء بتصنيف، كما فعل ابن المديني، ومسلم، في تصنيف أصحاب شعبة، فالثقات من أصحابه البصريين لهم تصنيف، والثقات الغرباء من أصحابه لهم تصنيف (١) .

    1. (١)انظر كتاب: «معرفة أصحاب شعبة» لمحمد التركي، وقد أشار في ثنايا الكتاب إلى أن مسلما تابع لابن المديني في هذا التصنيف، ينظر مثلا ص ١٢٠، ١٧٧.
  7. ولا شك أن كون الراوي من أهل بلد شيخه أدعى إلى طول الملازمة، وتكرار السماع، والمراجعة، كما في قول ابن معين: «كان إذا قدم -يعني أيوب- من الحج قال لهم: خذوا عني قبل أن يتفلت مني -حديث نافع، والمشايخ المدنيين- وأما حديث أهل مصره: هشام، وابن عون، فكان لا يبالي» (٢) .

    1. (٢)«معرفة الرجال» ٢: ٢٣٧, وهكذا النص فيه «هشام, وابن عون»، وهما من أقران أيوب.
  8. الثالث: كلام النقاد في تصنيف أصحاب الراوي قد لا يتيسر في كل الرواة الذين يقع الاختلاف بينهم، وقد يتيسر في بعضهم دون بعض، إما لأن النقاد لم يصنفوهم أصلا، أو لأن تصنيفهم لم يصل إلينا، فإذا قلنا إن تصنيف أصحاب

    vol. 1, p. 526الرواة، ووضع مراتب لهم، قد كفانا مؤونته الأئمة النقاد، فسهلوا علينا المهمة، لا بد أن نضيف إليه: بصفة عامة، وعليه يحتاج الباحث في الرواة الذين لا يجد لهم تصنيفا إلى استخدام ضوابط عامة تقوم مقام التصنيف الدقيق، وبواسطتها يستطيع الموازنة في الحديث الذي أمامه.

  9. وهذه الضوابط قد تكون عامة للرواة كلهم، كما في تقديم أهل بيت الراوي على غيرهم، وتقديم أهل البلد على الغرباء، وقد تكون في الرواة موضع الموازنة، وذلك باللجوء إلى بعض صور التوثيق والتضعيف المقيدين، الماضي شرحها في «الجرح والتعديل» (١) ، المتعلقة بالراوي مع شيوخه مثل تقوية الراوي أو تضعيفه في شيخ معين، وكذلك تقوية الراوي فيما رواه عن شيوخه الكبار الذين أدركهم في وقت قوة حافظته، وتضعيفه في شيوخه الصغار، فإذا وجدنا ذلك فيه وقد خالف غيره في رواية عنه أمكننا ترجيح روايته أو عدم ترجيحها بذلك، وإن لم نقف على تصنيف له في أصحاب الراوي، فإن هذا بمعنى التصنيف، ولهذا يذكره ابن رجب وغيره في معرض ذكرهم لكلام النقاد في مراتب أصحاب الرواة.

    1. (١)«الجرح والتعديل» ص ١٠٠ - ١١٢.
  10. مثال ذلك أن أبا معاوية الضرير لين الحديث في غير الأعمش كما تقدم (٢) ، وقد روى عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ما يلبسه المحرم، قال: «ولا يلبس ثوبا مسه الزعفران، إلا أن يكون غسيلا» (٣) .

    1. (٢)«الجرح والتعديل» ص ١٠٥.
    2. (٣)«مسند أحمد» ٢: ٤١، و «المناسك» ص ٤٢٩، و «شرح معاني الآثار» ٢: ١٣٧.
  11. ورواه جماعة كثيرون من أصحاب عبيدالله بن عمر، منهم يحيى بن سعيد القطان، وزكريا بن أبي زائدة، وسفيان بن عيينة، وبشر بن المفضل، وحفص بن غياث، وعبدالله بن نمير، وعبدة بن سليمان، فلم يذكروا قوله: «إلا أن يكون غسيلا» (١) .

    قال أحمد في نقد هذه الزيادة: «أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيدالله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره» (٢) .

    1. (١)«سنن النسائي» حديث (٢٦٦٩)، و «مسند الحميدي» حديث (٦٢٧)، و «مسند ابن عمر» حديث (٤٧)، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٥٩٧ - ٢٥٩٨)، (٢٦٨٤)، و «فتح الباري» ٤: ٥٣.
    2. (٢)«فتح الباري» ٣: ٤٠٤، وانظر مثالا آخر لأبي معاوية في «مسائل أبي داود» ص ٤٠٤, وانظر: «شرح علل الترمذي» ٢: ٨١٢.
    vol. 1, p. 527
  12. وكذلك المغيرة بن مسلم القسملي في أبي الزبير، قال ابن معين: «ما أنكر حديثه عن أبي الزبير» (٣) .

    1. (٣)«سؤالات ابن الجنيد» ص ٢٣٣.
  13. وقد روى عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا: «الصبي إذا استهل ورث وصلي عليه» (٤) .

    1. (٤)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٣٥٨)، و «المستدرك» ٤: ٣٤٨.
  14. وخالفه ابن جريج، فرواه عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا (٥) .

    قال النسائي: «هذا (يعني الموقوف) أولى بالصواب، وعند المغيرة، عن

    vol. 1, p. 528أبي الزبير غير حديث منكر، وابن جريج أثبت من المغيرة» (١) .

    وقال أحمد في منصور بن المعتمر: «منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، إلى أبي إسحاق، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، روى حديث أم سلمة في الوتر، خالف فيه ... » (٢) .

    1. (٥)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٣٥٩).
    2. (١)«تحفة الأشراف» ٢: ٣٣٠، ٣٤٨.
    3. (٢)«شرح علل الترمذي» ٢: ٨٠١.
  15. وحديث أم سلمة في الوتر يرويه منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن أم سلمة، وقيل عنه، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، عن أم سلمة، وخالفه شعبة، وسفيان بن حسين، فروياه عن الحكم، عن مقسم، عن الثقة، عن عائشة، وميمونة، إلا أن سفيان بن حسين لم يرفعه، وفي بعض الطرق إلى شعبة: عن الثقة، عن الثقة، عن عائشة، وميمونة (٣) .

    1. (٣)«سنن النسائي الصغرى» حديث (١٧١٣ - ١٧١٥)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٣١ - ٤٣٣)، (١٤٠٣ - ١٤٠٦)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١١٩٢)، و «مسند أحمد» ٦: ١٩٣، ٢٩٠، ٣١٠، ٣٢١، ٣٣٥، و «التاريخ الصغير» ١: ٢٩٣، و «تاريخ بغداد» ٥: ١٣٧.
  16. والخلاصة أن الباحث مطالب بالاستفادة من كل شاردة وواردة من كلام النقاد للخروج برأي في مراتب الرواة الذين اختلفوا على شيخهم في الحديث موضع البحث، سواء بالنص من الناقد أو بالإشارة، وهو مجال واسع لظهور تفاوت قدرات الباحثين، وتحصيلهم العلمي، وبمثله نستطيع أن نبرز نقد المرويات على حقيقته، ذا روح تنبض بالحيوية والنشاط.

  17. الرابع: في كلام النقاد على مراتب أصحاب الرواة يقع بينهم اختلاف في تصنيفهم، وفي منزلة الراوي في شيخه، وليس هذا بالقليل، وأكثره في أصحاب المرتبة الواحدة، لتقارب حالهم في شيخهم، فإذا عرفنا -مثلا- أن المرتبة الأولى من أصحاب نافع مولى ابن عمر فيها مالك، وعبيدالله بن عمر العمري، وأيوب السختياني، يقع الاختلاف بين النقاد في أي الثلاثة هو المقدم في نافع (١) .

    1. (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٦٧.
    vol. 1, p. 529
  18. وربما تناظر النقاد فيمن يقدم من أصحاب الراوي في قصص هي الغاية في النقد والتتبع والسبر، كما في مناظرة أحمد لابن المديني، فكان أحمد يذهب إلى أن مالكا هو المقدم في الزهري، بينما ذهب ابن المديني إلى تقديم سفيان بن عيينة، وتناظرا في ذلك (٢) .

    1. (٢)«المعرفة والتاريخ» ٢: ١٦٣، و «تاريخ بغداد» ٩: ١٧٠، و «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧١.
  19. ويقع الاختلاف أيضا بين مراتب متفاوتة، فقد جعل ابن المديني أصحاب نافع مولى ابن عمر تسع طبقات، وكذا فعل النسائي، لكنهما اختلفا في تصنيف الرواة في بعض الطبقات، فالليث بن سعد -مثلا- عند ابن المديني في الطبقة السادسة، وهو عند النسائي في الرابعة، وجويرية بن أسماء عند ابن المديني في الطبقة الثامنة، وهو عند النسائي في الرابعة أيضا (٣) .

    1. (٣)«ضعفاء النسائي» ص ١٣١، و «شرح علل الترمذي» ٢: ٦١٥ - ٦٢٠.
  20. وربما وجد الاختلاف عن الناقد الواحد، ففي رواية يقدم راويا، وفي رواية ثانية يقدم غيره عليه.

  21. ولا يخفى أن تصنيف أصحاب الراوي، وبيان منزلة كل منهم في شيخه، جزء من جرح الرواة وتعديلهم، غير أنه من قضايا الجرح والتعديل الدقيقة، بل هو أدقها، إذ يلاحظ فيه درجة الراوي في نفسه، ثم درجته في شيخه، ثم مقارنته بغيره في ذلك الشيخ.

    vol. 1, p. 530
  22. والنظر في أحكام النقاد على الرواة جرحا وتعديلا له ضوابط، تقدم الحديث عنها بشكل مفصل في «الجرح والتعديل» ، وهذه الضوابط تدور حول أربعة أمور: ثبوت النص، وسلامته، وقائله، ودلالته، وشرحت هناك ما يتعلق بموضوعنا هنا: تصنيف الرواة في شيخهم، وضوابطه (١) .

    1. (١)«الجرح والتعديل» ص ٤٣٨ - ٤٥١.
  23. الخامس: هناك نوع من تصنيف أصحاب الراوي يكون سببه الراوي نفسه، فالراوي له أحوال مختلفة قوة وضعفا، فمن روى عنه في حال قوته فله مرتبة، ومن روى عنه في حال ضعفه له مرتبة أخرى، وذلك مثل أن يكون اختلط في آخر عمره، أو ساء حفظه، أو كان يوثق في كتابه، ويضعف في حفظه، أو يوثق في رواية أهل بلد عنه لكونه ضبط حين حدثهم، ويضعف في رواية أهل بلد آخر عنه لكونه لم يضبط، أو يكون مدلسا ومن أصحابه من لا يأخذ عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، فيتم تصنيف الرواة عنه بحسب أحواله.

  24. فهذا التصنيف لا ينبغي أن يختلط على الدارس للحديث الذي وقع فيه الاختلاف بالتصنيف للرواة على أساس مراتبهم في أنفسهم في شيخهم، وهو

    vol. 1, p. 531المقصود هنا في هذه القرينة، وأما ما كان بسبب الراوي نفسه فقد تقدم في المبحث الأول، في القرائن الخاصة بالراوي المختلف عليه، وإنما نبهت على هذا هنا لدقة الفرق بين التصنيفين، وورودهما في كلام النقاد أحيانا دون تمييز.

  25. فالناقد إذا وازن بين أصحاب راو في روايتهم لحديث اختلفوا فيه على شيخهم، والتصنيف الذي اتكأ عليه راجع إلى درجاتهم هم في شيخهم، فالاختلاف سببه في نظر هذا الناقد من التلاميذ أنفسهم، أما إذا كان التصنيف راجعا إلى حال الشيخ، فالناقد يحمله هو عهدة الاختلاف، والاضطراب منه.

  26. وقد تقدم في المبحث الأول أمثلة لأحاديث كان الاختلاف فيها بسبب الشيخ، وتقدم في مبحثنا هذا أمثلة للنوع الآخر، غير أني أذكر هنا مثالا واحدا يتضح به الأمر، وهو حديث اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فأبو إسحاق للنقاد تصنيف لأصحابه المشهورين سببه أبو إسحاق نفسه، وتغير حفظه لما شاخ وكبر، حتى أن بعضهم وصفه بالاختلاط، وفي هذا المثال يتضح الفرق بين هذا النوع من التصنيف، وبين النوع الذي سببه التلاميذ.

    قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه شريك، وزهير، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه كان يلبي: لبيك اللهم لبيك» ، قال أبي: رواه سفيان، وأبو الأحوص، وإسرائيل، وغيرهم، ولم يرفعوه.

    قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال أبي: سفيان، وإسرائيل أتقن، وزهير متقن،

    vol. 1, p. 532غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق» (١) .

    1. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨٣، والمرفوع أخرجه أحمد ١: ٢٦٧، ٣٠٢. وانظر مثالين آخرين في «علل ابن أبي حاتم» (٢٧٩)، (٨٥٨).
  27. فأبو حاتم حين رجح رواية سفيان، وإسرائيل، ومن معهما، وذكر إتقانهما، عاد فنص على أن زهيرا متقن أيضا، لكن الخلل هنا جاء من المدار، وهو أبو إسحاق، فقد تأخر سماع زهير منه، وأبو إسحاق بآخره تغير حفظه.

  28. وزهير هو ابن معاوية، وهو ثقة ثبت يقارن بسفيان الثوري في الحفظ والإتقان، وقد روى عن أبي إسحاق أحاديث يخالف فيها غيره، فجعل النقاد العهدة في ذلك على أبي إسحاق، وتأخر سماع زهير منه، ولو كانت العهدة على زهير لصار هناك شيء من التعارض بينه وبين ما وصف به من الحفظ والإتقان.

  29. فمثل أبي إسحاق هناك تصنيفان لأصحابه، تصنيف لهم من حيث القوة، فقد روى عنه أيضا متوسطو الحفظ، وضعفاء، ومتروكون، فلا يصح أن يحمل هو عهدة ما خالفوا فيه، وتصنيف لهم من حيث قدم السماع وتأخره، فالعهدة عليه، فإذا كان من النوع الأخير فالترجيح حينئذ ليس سببه ترجيح بعض أصحاب الراوي على بعض من جهة حفظهم لحديثه وضبطهم له، وإنما من جهة المختلف عليه نفسه، وتفاوتهم في حال الرواية عنه، والعهدة عليه في الاختلاف.

  30. وقد يقال: الحصيلة واحدة، فقد عرفنا الراجح من الاختلاف، وهذا هو المقصود، غير أن هذه نظرة فيها شيء من القصور، فمعرفة الراجح لا يكفي من

    vol. 1, p. 533دراسة الحديث، فهناك أغراض أخرى، من أهمها ما تقدمت الإشارة إليه، وهو أن درجة الراوي نتيجة للنظر في حديثه، فإذا حملناه خطأ غيره أثر هذا في الدرجة التي يستحقها، وإذا برأناه من عهدة خطأ وقع منه أثر هذا في درجته أيضا.

  31. مثال ذلك عباد بن العوام الواسطي، وثقة النقاد، ورفع أحمد من شأنه فقال: «كان يشبه أصحاب الحديث» (١) ، وقد قال فيه أحمد أيضا: «مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة» (٢) .

    1. (١)«المعرفة والتاريخ» ١: ٤٢٧.
    2. (٢)«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم ٦: ٨٣.
  32. فتقييد الاضطراب في حديثه بسعيد له دلالته، فسعيد قد اختلط، فكأن أحمد يشير إلى تأخر سماعه منه.

  33. وقد تقدم في «الجرح والتعديل» (٣) أن الإسماعيلي -فيما حكاه ابن حجر- نقل كلمة أحمد فأطلقها، أي لم يخصصها بسعيد، فصار الإشكال من جهتين، من جهة الإطلاق، والاضطراب في كلام أحمد مقيد بشيخ معين، ومن جهة كون الشيخ المعين هو سعيد بن أبي عروبة، وقد اختلط، فيحتمل أن تكون العهدة عليه، وقد قال أحمد فيه مرة أخرى، وذكر له عدة أحاديث عن سعيد بن أبي عروبة: «عند عباد، عن سعيد، غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بأخرة أم لا» (٤) .

    1. (٣)«الجرح والتعديل» ص ٣٥٩.
    2. (٤)«مسائل أبي داود» ص ٤٠٠، ويحتمل أن يكون صواب العبارة: «فلا أدري سمع منه بأخرة أم لا».
  34. ومر بي قول أحمد فيما رواه الثوري, عن حصين, عن إبراهيم النخعي,

    vol. 1, p. 534عن عبدالله بن مسعود «كان يرفع يديه في أول شيء ثم لا يعود» ، وقد سئل عنه أحمد فقال: «حدثنا هشيم, قال: حدثنا حصين, لم يجز به إبراهيم, وهشيم أعلم بحديث حصين» (١) .

    1. (١)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٧٠.
  35. فوضعت هذا النص في أمثلة استخدام النقاد لقرينة القوة في الشيخ, وعلى هذا فهشيم أقوى من سفيان الثوري في حصين بن عبدالرحمن خاصة, ويستثنى هذا مما توارد عليه الأئمة أن الثوري لا يخالفه أحد إلا كان القول قوله, كما تقدم هذا (٢) .

    1. (٢)«الجرح والتعديل» ص ١٥٩ - ١٦٠.
  36. ثم تبين لي أن هذا بسبب حصين, وأنه اختلط, فسماع الثوري منه متأخر, وعليه فالثوري لم يخطئ عليه, والوجهان محفوظان عنه, قال حرب بن إسماعيل: «سمعت أبا عبدالله يقول: ليس أحد أصح سماعا من حصين بن عبدالرحمن من هشيم, وقال: هو أصح من سفيان, وكأنه قال: إن حصينا تغير بآخره» (٣) .

    1. (٣)«مسائل حرب» ص ٤٧٥, وانظر: «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٩٣, و «تهذيب التهذيب» ٢: ٣٨٢.
  37. وغرضي من التأكيد على هذه المسألة هو تنبيه المتخصص إلى ضرورة النظرة الشمولية لقواعد هذه العلم، لئلا يقع في التناقض، وتتعارض قواعد العلم في ذهنه، خاصة عند التطبيق، وأيضا فإن ما يفرق العالم المتخصص في فن من الفنون عن غيره فهم الأحكام والقواعد لهذا الفن، وهو ما يعرف بمعرفة الحق بدليله أو تعليله.

  38. وأمر آخر لا يقل أهمية عما مضى، وهو اختيار العبارة المناسبة لنتيجة النظر في الاختلاف موضع الدراسة, وعدم التناقض في العبارات, وهذا سيأتي شرحه في المبحث الرابع من الفصل الخامس.

    vol. 1, p. 535
  39. الرابعة: جوانب القوة والضعف في الراوي:
  40. اهتم النقاد بجوانب القوة والضعف في الراوي، فتلمسوا كل صغيرة وكبيرة يمكن أن تدل على ذلك، فإذا تحصل الناقد بعد سبره لحديث الراوي على عدد من الأحاديث تدل على أن الراوي قوي في جهة ما، أو ضعيف في جهة ما، أصدر حكمه عليه في تلك الجهة، تارة بقوله فيه ابتداء، وتارة حين يسأل عنه، إما لوحده أو مقارنا له بغيره، وتارة في كلامه على حديث من أحاديثه، وناسب السياق ذكر هذا الحكم.