استخدم النقاد قرائن كثيرة في صفة الرواية ترجع إلى ثلاث قرائن
279 paragraphs · vol. 2, p. 5
Page 2 of 7
- vol. 2, p. 18
فترجيح الوقف على الرفع، والإرسال على الوصل، ينتظم كون الرفع والوصل أسهل على الراوي، إذ الحديث عادة يكون فيه صحابي، ويرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن ترك ذلك فهو الذي حفظ، وينتظم أيضا كون الوصل والرفع أرغب عند الرواة، لحرصهم على الرواية لحديثه - صلى الله عليه وسلم - سالما من شيء في إسناده، فمن ترك الرفع أو الوصل فقد حفظ.
-
ويؤكد هذا أن مجرد عدول الراوي عن الإسناد القوي، أو الإسناد العالي، إلى ضدهما, دليل على حفظه, خاصة إذا كان الأضعف، أو الأنزل، فيه وعورة، ولو لم يكن الآخر قد سلك جادة، وهو قد تركها، والترجيح بهذا حقه أن يكون قرينة مستقلة، فرغبة الراوي -خاصة إذا كان ذا معرفة وفهم- بالأقوى والأعلى،
vol. 2, p. 19فلا يعدل عنهما إلا وقد حفظ، والجامع بينه وبين سلوك الجادة، هو أن ترك الراوي لما يُرغب فيه مظنة لكونه هو الذي حفظ.
-
ومن أمثلة ذلك ما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الأول منه، وهو الاختلاف بين يحيى القطان، ووكيع، في الرواية عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، أو عن الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} ، وقول وكيع -وهو الذي يجعله عن الثوري، عن ليث-: «منصور كان أحب إلينا» .
-
وروى ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري، عن حميد، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه طاف على نسائه في غسل واحد» .
-
سئل عنه أبو زرعة، فقال: «هذا خطأ، أخطأ ضمرة، إنما هو: الثوري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس» ، ثم قال أبو زرعة: «لو كان عند الثوري عن حميد، عن أنس، كان لا يحدث به عن معمر، عن قتادة، عن أنس» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨، ورواية الثوري، عن معمر، عن قتادة، رواها عنه جمع من أصحابه، منهم عبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، وغيرهما، انظر: «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٣٦)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٥٨٨)، و «مسند أحمد» ٣: ١٨٥، و «مسند أبي يعلى» حديث (٣١٢٩)، و «شرح معاني الآثار» ١: ١٢٩، و «الضعفاء الكبير» ٤: ٤٥٤.
-
ومراد أبي زرعة أن إسناد الثوري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس, فيه نزول, فإن معمرا من أقران الثوري, فلو كان عنده عن حميد, عن أنس لم يحدث به بذلك الإسناد، ويدع هذا.
- vol. 2, p. 20
وروى إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: «أبردوا بالظهر» (١) .
ورواه أبو عوانة، عن طارق بن عبدالرحمن، عن قيس، قال: سمعت عمر بن الخطاب, قوله، ورواه وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس: كان يقال ... (٢) .
قال ابن أبي حاتم: «قال أبي: أخاف أن يكون هذا الحديث (يعني الموقوف على عمر) يدفع ذاك الحديث (يعني حديث المغيرة المرفوع) ، قلت: فأيهما أشبه؟ قال: كأنه هذا، يعني حديث عمر، قال أبي في موضع آخر: لو كان عند قيس، عن المغيرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث عن عمر موقوف» (٣) .
- (١)«سنن ابن ماجه» حديث (٦٨٠)، و «مسند أحمد» ٤: ٢٥٠.
- (٢)«التاريخ الكبير» ٢: ١٣٣.
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٦، وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٣٠٩)، (٥٧٣)، (١٢٤٧)، (١٨٥٨)، (٢٤٥٠) , و «التمهيد» ١١: ١١١.
-
والرواية لها قوانين، كما أن النقد له قوانين، وقوانين الرواية توظف أحيانا في النقد، كما هو واقع هنا، ومن أهم قوانين الرواية حرص الرواة على الأتم صورة ومعنى، وفي قصة لسفيان بن عيينة مع أصحابه ما يوضح هذا.
-
روى سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حنظلة بن قيس الزرقي، أنه سمع رافع بن خديج يقول: «كنا أكثر الأنصار حقلا ... » الحديث في قصة المخابرة، قال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان بن عيينة: «فقيل لسفيان: فإن مالكا يرويه عن ربيعة، عن حنظلة، وما كان يرجوه إذا كان عند يحيى،
vol. 2, p. 21ويحيى أحفظهما؟ فقال سفيان: لكنا حفظناه من يحيى» (١) .
- (١)والحديث مشهور عن الاثنين يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبدالرحمن، انظر: «صحيح البخاري» حديث (٢٣٣٢)، (٢٣٤٦)، (٢٧٢٢)، و «صحيح مسلم» حديث (١٥٤٧)، و «سنن أبي داود» حديث (٣٣٩٢ - ٣٣٩٣)، و «سنن النسائي» حديث (٣٩٠٧ - ٣٩١١)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢٤٥٨)، و «مسند أحمد» ٣: ٣٦٣، ٤: ١٤٠، ١٤٢، و «مسند الحميدي» حديث (٤٠٦)، ووقع في قصة سفيان سقط استظهرت تتمته من السياق، استئناسا برأي محقق النسخة.
-
والمعنى -والله أعلم- أنهم يسألون سفيان: لم يرويه مالك عن ربيعة، وهو عند يحيى بن سعيد، ويحيى أحفظهما؟ غرضهم من ذلك مراجعة سفيان خشية أن يكون غلط في روايته له عن يحيى بن سعيد، فأكد لهم حفظه له عن يحيى بن سعيد.
-
وفي ختام الحديث عن هذه القرينة أنبه إلى أنها إنما تستخدم في الاختلاف, حيث مدار مختلف عليه على وجهين أو أكثر, وأنبه على هذا وإن كان الكلام هنا كله في الاختلاف, والاختلاف لا بد له من مدار, لأني رأيت بعض الباحثين اختلط عليه الأمر, فيذكرها في موضع خطأ الراوي ونقله الحديث من إسناد إلى إسناد آخر جديد يخطئ فيه.
-
فمن ذلك توارد عدد من الباحثين على ذكر هذه القرينة في الحديث الماضي في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول, وهو ما رواه جرير بن حازم,
عن ثابت, عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» ، فإن
vol. 2, p. 22جريرا غلط فيه, فثابت لم يروه أصلا, وإنما رواه حجاج الصواف, عن يحيى بن أبي كثير, عن عبدالله بن أبي قتادة, عن أبيه, وقد حدث به حجاج في مجلس ثابت, فظن جرير أنه مما سمعه من ثابت, ومع خطأ جرير فليس هناك جادة سلكها وتركها غيره, وإنما يكون ذلك لو كان الصواب فيه مثلا أنه عن ثابت, عن عبدالله بن أبي قتادة, عن أبيه, فرواه جرير, عن ثابت, عن أنس.
- ثانيا: زيادة راو أو أكثر في الإسناد، وحذفه:
-
إذا زاد بعض الرواة راويا أو أكثر في الإسناد، وأسقطه بعضهم، فرواية من زاده راجحة، ورواية من أسقطه مرجوحة، ومردّ ذلك إلى السهولة والوعورة، فحذفه من الإسناد أسهل للحفظ، فمن ذكر الزيادة فقد حفظ، إذ سلوكه للطريق الوعرة يدل على حفظه.
-
فوجه ترجيح قبول الزيادة هو أن حذفها أسهل للحفظ، وذكرها يحتاج إلى مزيد حفظ وتيقظ. فمن ذكرها فروايته أرجح.
قال ابن القطان في تقرير ترجيح الزيادة في الإسناد: «المحدث إذا روى حديثا عن رجل قد عرف بالرواية عنه والسماع منه، ولم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، وإنما جاء به بلفظة (عن) ، فإنه يحمل حديثه على أنه متصل، إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس، فيكون له شأن آخر.
-
وإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعنا، غلب على الظن أن الأول منقطع، من حيث يبعد أن يكون
vol. 2, p. 23قد سمعه منه، ثم حدث به عن رجل عنه، وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله، وقيام الريب في ذلك.
-
ويكون هذا أبين في اثنين لم يعلم سماع أحدهما من الآخر، وإن كان الزمان قد جمعهما.
-
وعلى هذا المحدثون، وعليه وضعوا كتبهم، كمسلم في كتاب «التمييز» ، والدارقطني في «علله» ، والترمذي، وما يقع منه للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، تجدهم دائبين يقضون بانقطاع المعنعن إذا روى بزيادة واحد بينهما، بخلاف ما لو قال في الأول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت ... » (١) .
- (١)«بيان الوهم والإيهام» ٢: ٤١٥.
-
وقد يحكمون بقبول الزيادة وترجيحها، والحكم بالانقطاع، مع وجود التصريح بالتحديث، إذا قويت القرينة على ذلك.
-
ومن الأمثلة على استخدام النقاد لهذه القرينة، أن حجاجا الصواف روى عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى» ، وفي بعض الروايات عن حجاج الصواف تصريح عكرمة بالتحديث عن الحجاج بن عمرو (٢) .
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (١٨٦٢)، و «سنن الترمذي» حديث (٩٤٠)، و «سنن النسائي» حديث (٢٨٦٠ - ٢٨٦١)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٧٧)، و «مسند أحمد» ٣: ٤٥٠.
-
ورواه معاوية بن سلام، ومعمر، وسعيد بن يوسف الرحبي، عن يحيى بن
vol. 2, p. 24أبي كثير، عن عكرمة، عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة، عن الحجاج بن عمرو، وفي بعض رواياته أن عبدالله بن رافع سأل الحجاج بن عمرو عمن حبس وهو محرم، فروى له الحديث (١) .
قال البخاري: «رواية معمر، ومعاوية بن سلام أصح» (٢) .
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حافظ على ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بيت في الجنة» .
فقال أبي: لهذا الحديث علة، روى ابن لهيعة، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن مولى لعنبسة بن أبي سفيان، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبي: هذا دليل أن مكحولا لم يلق عنبسة، وقد أفسده رواية ابن لهيعة.
قلت لأبي: لم حكمت برواية ابن لهيعة، وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة حفظه» (٣) .
vol. 2, p. 25وروى الأعمش، ومنصور بن المعتمر -في المشهور عنهما- عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عمرو بن شرحبيل, عن ابن مسعود حديث: «سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم ... » .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (١٨٦٣)، و «سنن الترمذي» حديث (٩٤٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٧٨)، و «شرح مشكل الآثار» حديث (٦١٧)، و «شرح معاني الآثار» ٢: ٢٤٩، و «المعجم الكبير» حديث (٣٢١٤).
- (٢)«العلل الكبير» ١: ٣٩٥، و «سنن الترمذي» حديث (٩٤٠).
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٧١، وكتب في حاشية إحدى نسخ الكتاب: «هذا فقه في التعليل»، وقد وقع مثل هذا الاختلاف بهذا الإسناد في حديث: «من صلى أربعا قبل الظهر حرمه الله على النار»، ينظر: «تحفة الأشراف» ١١: ٣١٣، و «إتحاف المهرة» ١٦: ٩٥١.
-
ورواه واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ليس فيه عمرو بن شرحبيل (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٤٤٧٧)، (٤٧٦١)، (٦٠٠١)، (٦٨١١)، (٦٨٦١)، (٧٥٢٠)، (٧٥٣٢)، و «صحيح مسلم» حديث (٨٦)، و «سنن أبي داود» حديث (٢٣١٠)، و «سنن الترمذي» حديث (٣١٨١ - ٣١٨٣)، و «سنن النسائي الصغرى» حديث (٤٠٢٤ - ٤٠٢٥)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٣٦٨ - ١١٣٦٩)، و «مسند أحمد» ١: ٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٤، ٢٦٢، ٤٦٤.
-
قال الترمذي بعد أن ساق رواية الأعمش، ومنصور، من طريق سفيان الثوري عنهما، ورواية واصل الأحدب: «حديث سفيان عن منصور، والأعمش، أصح من حديث واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا» (٢) .
- (٢)وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (١٣٤٢) , (١٣٩٥) , (٢٦٥٥).
-
ويستمر ترجيح الزيادة ما لم يكن ذكر الزيادة أسهل في الحفظ وأسبق إلى الذهن، فيكون من زاد سلك الجادة، فيقدم عليه من ترك الزيادة، وهذا مقام دقيق جدا في طريقة تطبيق القرينتين.
-
وأكثر ما يظهر هذا في حذف الصحابي من الأسانيد المشهورة، أو وقف
vol. 2, p. 26الحديث، فإذا روى الحديث راو عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه آخر عن الأعمش، عن أبي صالح مرسلا، فقول من أرسله أولى أن يكون راجحا، فإن ذكر أبي هريرة أسهل في الحفظ، وأسبق إلى الذهن، لكثرة ما روى أبو صالح، عن أبي هريرة، وهكذا يقال في الرفع والوقف، وقد تقدم هذا في قرينة سلوك الجادة.
-
وكذلك لو زاد أحد الرواة عن شيخه اسم راو دون الصحابي هو جادة له، وحذفه آخر، فالراجح أن من حذفه قد حفظ، كما لو روى بعض أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، ورواه بعضهم عن يحيى بن سعيد، أنه بلغه عن عائشة, فالقول قول من حذف عمرة.
-
ومثاله حديث أبي مرثد الماضي في المبحث الثاني, فقد راوه ابن المبارك, عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر, عن بسر بن عبيدالله, عن أبي إدريس, عن واثلة بن الأسقع, عن أبي مرثد, ورواه جماعة عن ابن جابر فأسقطوا واثلة.
قال أبو حاتم: «بسر سمع من واثلة, وكثيرا ما يحدث بسر عن أبي إدريس, فغلط ابن المبارك, فظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس, عن واثلة, وقد سمع هذا الحديث من واثلة نفسه ... » (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٠, وانظر: ١: ٣٤٩, ٣٦٨.
-
ويظهر كذلك في مجيء اسم شخص في متن الحديث في رواية، ومجيئه في الإسناد في رواية أخرى، فالذي ذكره في الإسناد سلك الجادة، إذ المتبادر إلى
vol. 2, p. 27الذهن حين ورود اسم شخص أن يكون راويا، فمن ذكره في المتن قد ترك الجادة، وروايته حينئذ هي الراجحة.
-
وأكثر ما يرد ذلك في الصحابي، فيجعله بعض الرواة من مسنده، ويجعله بعضهم في القصة، أي في متن الحديث، وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» أمثلة لهذا (١) .
- (١)«الاتصال والانقطاع» ص ٣١ - ٤٧.
-
ومن دقيق أمثلة هذا النوع ما رواه جرير بن عبدالحميد، عن مغيرة بن مقسم، عن أبي وائل، عن عبدالله، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (٢) .
- (٢)«سنن النسائي» حديث (٣٤٨٦)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٤١٠٤).
-
فالناظر في الإسناد لأول وهلة لا يتردد في أن صحابيه هو عبدالله بن مسعود، لشهرة أبي وائل بالرواية عنه، لكنه ليس هو، ولذا احتاج النسائي إلى أن يقول بعد إخراجه: «ولا أحسب هذا عن عبدالله بن مسعود» .
-
وهو كما قال، فإن عبدالله هو ابن حذافة السهمي، وليس هو في إسناد الحديث على الراجح، وإنما يروي أبو وائل قصته مرسلة، قال البخاري وقد سئل عن رواية جرير بن عبدالحميد الموصولة: «إنما هو: مغيرة، عن أبي وائل مرسلا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ، وإنما هو: قال عبدالله بن حذافة للنبي - صلى الله عليه وسلم -» (٣) .
- (٣)«العلل الكبير» ١: ٤٥٧، وهذا المرسل أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ٤: ١٨٩ من طريق أبي عوانة، عن مغيرة، وأخرجه أيضا الحاكم في «المستدرك» ٣: ٦٣١، من طريق سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»، وهو في القسم المفقود، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥: ١٥.
- vol. 2, p. 28
ويأتي أيضا فيمن دون الصحابي، ومثاله ما رواه أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن ابن مُعَيْن (أو معيز) ، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه قال لرسول مسيلمة: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك» (١) .
- (١)«مسند أحمد» ١: ٤٠٤، و «سنن الدارمي» حديث (٢٥٠٦)، و «شرح معاني الآثار» ٣: ٢١١.
-
ورواه سفيان الثوري، والمسعودي، وسلام أبو المنذر، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به (٢) .
قال أبو حاتم بعد أن سئل عن رواية أبي بكر بن عياش، والثوري: «الثوري أحفظ من أبي بكر، وأرى أن عاصما حكى عن أبي وائل: أن رجلا يقال له أبو مُعَيْن مر بمسجد بني حنيف ... ، فجعل أبو بكر: عن ابن مُعَيْن، والثوري أفهم» (٣) .
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه سفيان بن حسين، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، وعن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم، عن شريح بن أرطاة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في المباشرة للصائم.
- (٢)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٦٧٦)، و «مسند أحمد» ١: ٣٩٠، ٣٩٦، ٤٠٦ و «مسند أبي يعلى» حديث (٥٠٩٧).
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٣.
-
فقالا: هذا خطأ، رواه شعبة، عن الحكم، فحدثنا أبي، عن آدم، وعبدالله بن رجاء، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، قال: كان علقمة، وشريح بن أرطاة، عند عائشة، فقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل، ويباشر، وهو صائم» (٤) .
- (٤)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٢، ورواية شعبة المرسلة رواها عنه أيضا عبدالرحمن بن مهدي، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن جعفر، وسليمان بن حرب، ورواه الحسن بن محمد، عن ابن أبي عدي, عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، وشريح بن أرطاة، عن عائشة، هكذا موصول، والقول فيه أيضا ما قاله أبو حاتم، وأبو زرعة، انظر هذه الطرق في «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٨٧)، (٣٠٨٨)، (٣٠٩١ - ٣٠٩٢)، و «مسند أحمد» ٦: ١٢٦، و «مسند الطيالسي» حديث (١٥٠٢)، و «سنن البيهقي» ٤: ٢٢٩.
- vol. 2, p. 29
وفي كثير من الأحيان تجتمع القرينتان، ولهذا صور، من أشهرها أن يروي الحديث راو عن شيخ على الجادة المشهورة، ثم يرويه آخر عن الشيخ نفسه بزيادة راو في الإسناد، فتترجح رواية الثاني بالقرينتين، قرينة ترك الجادة، وقرينة زيادة الراوي.
-
ومن أمثلة ذلك حديث أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود: «سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم؟ ... » ، الآنف الذكر، فالجادة المعروفة أن يروي أبو وائل، عن ابن مسعود مباشرة، ليس بينهما أحد، وقد روي بها أحاديث كثيرة، وأبو وائل معروف بالرواية عن ابن مسعود، من كبار أصحابه، فلما جاءت زيادة عمرو بن شرحبيل، كان من زادها ترك الجادة، فدل على حفظه، وزاد في الإسناد رجلا فدل على حفظه أيضا.
-
ومن ذلك أن هشاما الدستوائي، وعلي بن المبارك، رويا عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلني وهو صائم» (١) .
- (١)«سنن النسائي» حديث (٣٠٦٢ - ٣٠٦٥)، و «مسند أحمد» ٦: ١٩٣، ٢٤١، ٢٥٢، و «مسند إسحاق» حديث (٨٤٣)، و «العلل الكبير» ١: ٣٤٥، و «شرح معاني الآثار» ٢: ٩١، و «التمهيد» ٢٢: ١٣٩، ورواية هشام عند النسائي في حديث (٣٠٦٢)، ليس فيه عروة بن الزبير.
- vol. 2, p. 30
ورواه شيبان بن عبدالرحمن، ومعاوية بن سلام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمر بن عبدالعزيز، عن عروة، عن عائشة (١) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (١١٠٦)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٦٦ - ٣٠٦٧)، و «مسند أحمد» ٦: ٢٨٠، ورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، لكن اختلف فيه على الأوزاعي اختلافا كثيرا، ينظر حاشية «مسند أحمد» تحقيق الأرنؤوط ٤٢: ٣٩٢.
-
ورواه عقيل بن خالد، ومعمر، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، وفي رواية عقيل تصريح أبي سلمة بالتحديث عن عائشة (٢) .
قال البخاري: «كأن حديث شيبان عندي أحسن» .
وقال أبو حاتم وقد سئل عن حديث الزهري: «روى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبلها وهو صائم» ، وروى معاوية بن سلام، وشيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمر بن عبدالعزيز، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، [و] حديث يحيى بن أبي كثير أشبه من حديث عقيل، كان الزهري أضبط من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن أخاف أن يكون لم يضبط عقيل عنه» (٣) .
- (٢)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٥٧ - ٣٠٥٩)، و «مسند أحمد» ٦: ٢٢٣، ٢٣٢.
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥١.