١٠ - أن الباحث يتعود على تحليل النصوص، والتمعن فيها، وفحصها، ويتربى على تقبل الرأي المخالف
121 paragraphs · vol. 2, p. 442
Page 3 of 4
- vol. 2, p. 461
فمن ذلك أن زيد بن أبي أنيسة، روى عن أبي إسحاق، عن جرير بن
vol. 2, p. 462عبدالله مرفوعا حديث صيام أيام البيض (١) .
- (١)«سنن النسائي» حديث (٢٤١٩).
-
ورواه مغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن جرير موقوفا.
-
ونقل ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة ترجيح المرفوع، وعلل ذلك بأن زيدا أحفظ من مغيرة (٢) ، وهكذا نقل ابن الملقن عن ابن أبي حاتم أن أبا زرعة رجح المرفوع (٣) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٦.
- (٣)«البدر المنير» ٥: ٧٥٤.
-
وذكر ابن حجر نقلا عن ابن أبي حاتم عكس هذا، فقال: «رواه ابن أبي حاتم في «العلل» ، عن جرير مرفوعا، وصحح عن أبي زرعة وقفه» (٤) .
- (٤)«التلخيص الحبير» ٢: ٢٢٧.
-
وروى العباس بن محمد الدوري، عن روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عُرَيْن، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، قال: «زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - صبياننا عن أكل الجراد» ، ثم قال الدوري: «سمعت يحيى يقول: أخطأ فيه روح، إنما هي زينب بنت مُنَخَّل، قال يحيى: هذا الحديث ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» (٥) .
- (٥)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ١: ٢٧٩، ٢: ١٦٨، ٤: ٣٢٦، وقد وقع في المواضع الثلاثة في رواية روح: «منخل» فيما صوبه ابن معين: «منجل»، وهو خطأ مطبعي، والصواب عكسه، انظر: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني: ٤: ٢١٩٤، و «الإكمال» ٧: ٢٩٧، و «تهذيب مستمر الأوهام» ص ٣٢٨.
- vol. 2, p. 463
كذا في النسخة، وفي النص اضطراب، فقوله: «ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» يعارضه أن روح بن عبادة قد أسنده كما رواه الدوري عنه، وأيضا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم يقفانه على عائشة، قال الدارقطني: «يرويه عثمان بن غياث، واختلف عنه، فرواه روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عرين، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخالفه سعيد، وابن أبي عدي، روياه عن عثمان بن غياث، لم يذكرا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، موقوفا، وهو الصواب» (١) .
- (١)«علل الدارقطني» ١٤: ٤٤٦.
-
فالظاهر أن صواب العبارة: «هذا الحديث لم يسنده ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» .
-
وأخرج الترمذي عن أبي الوليد الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخف وأسفله» .
ثم قال الترمذي: «هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة، ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور، عن رجاء بن حيوة، قال: حدثت عن كاتب المغيرة، مرسل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكر المغيرة» (٢) .
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (٩٧)، و «تحفة الأشراف» ٩: ٤٩٧.
- vol. 2, p. 464
كذا نقل الترمذي هنا عن هذين الإمامين، وفيه قلب، فثور بن يزيد هو الذي يقول: حدثت عن رجاء بن حيوة، وليس رجاء بن حيوة هو الذي يقول: حدثت عن كاتب المغيرة، وقد نقله الترمذي في «العلل» عن أبي زرعة والبخاري، على الصواب (١) ، وكذا ذكره عن ابن المبارك جماعة آخرون من النقاد، كما تقدم ذكر هذا في «الاتصال والانقطاع» (٢) .
وروى عبدالحميد بن سليمان، عن محمد بن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ... » الحديث (٣) .
قال الترمذي بعد أن أخرجه في «السنن» : «حديث أبي هريرة قد خولف عبدالحميد بن سليمان في هذا الحديث، ورواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، مرسلا، قال محمد: وحديث الليث أشبه، ولم يعد حديث عبدالحميد محفوظا» (٤) .
- (١)«العلل الكبير» ١: ١٨٠.
- (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ٢٧٥.
- (٣)«سنن الترمذي» حديث (١٠٨٤)، و «العلل الكبير» ١: ٤٢٥.
- (٤)«سنن الترمذي» حديث (١٠٨٤)، و «تحفة الأشراف» ١١: ٩٩.
-
كذا قال الترمذي في هذا الموضع، جعل رواية الليث عن أبي هريرة، وهو سبق نظر وقلم، انتقل إليه من الإسناد الموصول، وقد ذكر النص عن البخاري في «العلل» على الصواب، وفيه: «رواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عبدالله
vol. 2, p. 465بن هرمز، عن النبي، مرسلا ... » (١) .
- (١)«العلل الكبير» ١: ٤٢٦.
-
ورواية الليث أخرجها أبو داود في «المراسيل» عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عبدالله بن هرمز اليماني (٢) .
- (٢)«المراسيل» حديث (٢٢٥)، و «تحفة الأشراف» ٩: ١٤١، ١٣: ٢٦٦.
-
وقد ذكر أحد الباحثين كلام الترمذي في الموضعين، فخطأ الصواب، وصوب الخطأ (٣) .
- (٣)وانظر مواضع أخرى وقع فيها إشكال في كلام الترمذي، بسبب السقط والتحريف في النسخ: «العلل الكبير» ١: ٤٠٥، ٥٦٨، وفي طبعة السامرائي ص ١٤٤، ٢١٥.
-
ونقل ابن حجر «في النكت» كلام النسائي على ما رواه عن يزيد بن سنان، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... » ، ووقعت العبارة في النسخة هكذا: «هذا حديث مفصل، لا أعلم من رواه غير مكي، لا بأس به، لا أدري من أنبأني» (٤) .
- (٤)«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٥٧٦.
-
وقد تقدمت العبارة على الصواب في الفصل الأول من الباب الثاني، حيث ذكرت الحديث هناك لمناسبة أخرى.
-
والباحث متى وجد اضطرابا في النص فهو ملزم بالنظر فيه ومعالجته، ولا يصح له أن ينقله كما هو، وهو حين نقله إلى بحثه متحمل لعهدة الخطأ والاضطراب في النص، وإذا نظر فيه وفحصه ولم يستطع تصويبه فلينبه قارئه،
vol. 2, p. 466ليشاركه النظر فيه، فقد يراه مستقيما، وقد يكون لديه معلومات إضافية تساعد على حلِّ إشكاله.
-
ومن أمثلة ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه موسى بن داود، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في ثواب واحد» .
قال أبي: هذا خطأ، إنما هو ما حدثنا به عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... » ، » (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦١.
-
فهذا الجواب للسؤال فيه إشكال، وهو يتعارض مع جواب سابق لأبي حاتم، وأبي زرعة، عن السؤال عينه، قال ابن أبي حاتم: «قالا: هذا خطأ، قال أبو زرعة: إنما هو على ما رواه الثوري، ومعتمر، عن حميد، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه صلى في ثوب واحد» فقط، دخل لموسى حديث في حديث، يحتمل أن يكون عنده حديث عبدالعزيز قال: ذكر لي عن أم الفضل: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالمرسلات» ، وكان بجنبه: عن حميد، عن أنس، (يعني بحديث الصلاة في الثوب الواحد) ، فدخل له حديث في حديث، والصحيح: حميد، عن أنس ...
قال أبي: ومما يبين خطأ هذا الحديث ما حدثنا به كاتب الليث (هو عبدالله بن صالح) ، عن عبدالعزيز الماجشون (وهو عبدالعزيز بن أبي سلمة) ، عن حميد، عن أنس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في ثوب واحد» ، قال عبدالعزيز: وذكر لي عن أم الفضل:
vol. 2, p. 467«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالمرسلات، وكان هذا آخر صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض» ، فجعل موسى الحديث كله عن أم الفضل» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٤.
-
فهذا الجواب يوضح أن الجواب في الموضع الثاني فيه إشكال، لا يستقيم كما هو، وقد مَرَّ عدد من الباحثين على الإسناد الوارد في الجواب، وهو: عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل، ولم يذكروا مصدرا لتخريجه، فالذي يظهر لي أن النسخ من «علل ابن أبي حاتم» وقع فيها خلل في هذا الموضع (٢) .
- (٢)وانظر أمثلة أخرى لنصوص فيها إشكال فيما يظهر لي: «العلل ومعرفة الرجال» (٢٠١٢)، و «مسائل أبي داود» (١٩٤٥)، و «مسائل إسحاق بن هانئ» (٢١٧٨)، و «علل ابن أبي حاتم» (٣٠٢)، (١٦٨٧).
-
الأمر الخامس: الأئمة المشهورون بالكلام في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، وهو ما يعرف بعلم العلل، هم بعض أئمة الجرح والتعديل، وقد تقدم هناك في «الجرح والتعديل» (٣) من الكلام عن تصنيفهم من جهة طبقاتهم الزمانية، ومن جهة كثرة وقلة ما ورد عنهم من الجرح والتعديل، وكذلك أقسامهم من جهة التشدد والتساهل.
- (٣)«الجرح والتعديل» ص ٣٧٥ - ٤٠١.
-
أما ما يختص بعلم العلل فكذلك هم على طبقات، أولاها فيها شعبة، وسفيان الثوري.
-
ثم تلامذتهما، كيحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي.
- vol. 2, p. 468
ثم بعد هؤلاء أحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو بن علي الفلاس.
-
ثم طبقة محمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ويعقوب بن شيبة، والدارمي، وخلق كثير في هذه الطبقة.
-
ثم طبقة الترمذي، وعبدالله بن أحمد، وأبي بكر البرديجي، والنسائي، والبزار، والساجي، وموسى بن هارون، وعلي بن الحسين بن الجنيد.
-
ثم طبقة ابن خزيمة، ويحيى بن صاعد، وابن المنذر.
-
ثم طبقة العقيلي، وأبي بكر النيسابوري، وابن أبي حاتم.
-
ثم طبقة، ابن حبان، وابن عدي، وأبي علي النيسابوري، والإسماعلي.
-
ثم طبقة الدارقطني، وابن منده، والحاكم.
-
ثم طبقة البرقاني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي نعيم الأصبهاني.
-
ثم طبقة الخليلي، والعتيقي.
-
ثم طبقة البيهقي، والخطيب، وابن عبدالبر.
-
ثم بعد ذلك لم تخل طبقة من متكلم في علل الأحاديث، وإن كان قد تناقص هذا الأمر.
-
ولا شك أن أهل الطبقتين الأولى، والثانية، هم الذين وضعوا أسس هذا العلم كعلم مستقل، وإن كانت تطبيقاتها موجودة أيضا عند من قبلهم.
-
وكذلك فإن الطبقات الثالثة، والرابعة، والخامسة، هي أزهى طبقات
vol. 2, p. 469النقد، لكثرتهم، وكثرة ما نقل عنهم وتمكنهم في هذا العلم.
-
وأما من جاء بعدهم فهو متمم لعملهم، يعتمد كثيرا على ما نقل عنهم في الأحاديث التي تكلموا فيها، وهم مع ذلك أصل في أحاديث وأسانيد ظهرت أو وقع الغلط فيها بعد تلك الطبقات.
-
وللعلماء كلام في تصنيف أصحاب هذه الطبقات الثلاث من جهة التمكن في هذا العلم، مثل قول الذهبي في حديثه عن النسائي: «لم يكن أحد في رأس الثلاثمئة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة» (١) .
وقال الذهبي أيضا في أبي حاتم الرازي: «هو من نظراء البخاري، ومن طبقته» (٢) .
- (١)«سير أعلام النبلاء» ١٤: ١٣٣.
- (٢)«سير أعلام النبلاء» ١٣: ٢٤٧.
-
فهاتان درجتان، إحداهما فيها البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والأخرى فيها مسلم، وأبو داود، والترمذي، ويظهر أن هناك درجة عنده فوق هاتين، وفيها: أحمد، وابن المديني، وابن معين.
-
وللعلماء كلام كثير في المفاضلة بين أصحاب الدرجة الأولى وهم أحمد، وابن المديني، وابن معين، وربما جرى ذكر غيرهم من طبقتهم والطبقة التي تليهم، فقد كانت هاتان الطبقتان مليئتين بالحفاظ النقاد غير هؤلاء، كإسحاق بن راهويه،
vol. 2, p. 470ومحمد بن يحيى الذهلي، والدارمي، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن صالح المصري، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم.
-
وابتدأت هذه المفاضلة في وقت مبكر، فقد كان أحمد يقول: «أعلمنا بالعلل علي بن المديني» (١) .
- (١)«المجروحين» ١: ٥٥.
-
واتفقت الكلمة على قول أحمد هذا، فقد كان ابن المديني مبرزا في هذا الشأن، ثم ابن معين، وأحمد، وتميز أحمد بكثرة المنقول عنه في الاختلاف والعلل (٢) .
- (٢)انظر: «سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ٣٠٦، و «الجرح والتعديل» ١: ٢٩٣، ٣١٩، و «تاريخ بغداد» ١٠: ٧٠، ١١: ٤٦٤، و «شرح علل الترمذي» ١: ٤٨٣.