ثالثا: تصرفات النقاد في مصنفاتهم
112 paragraphs · vol. 2, p. 475
Page 3 of 3
- vol. 2, p. 497
وقام أحد الباحثين بدراسة الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الأول، وهو ما رواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن
vol. 2, p. 498عبدالله، قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار» ، فذكر له عللا، أحدها أنه مختصر من متن مشهور، رواه الجماعة عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: «قربت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خبزا ولحما، فأكل، ثم دعا بوضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ» .
-
ونسب الباحث إعلاله بهذا إلى جمع من النقاد: أبي داود، وابن حبان، والبيهقي، بعد أن أخرجوا الحديث.
-
ولا إشكال في هذا، لكن الباحث ذكر علة أخرى للحديث وهي اضطراب المتن، ونقل عن ابن أبي حاتم قوله: «سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة ... ، فسمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو: «أن النبي أكل كتفا ولم يتوضأ» ، كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر، عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه».
-
ثم ذهب الباحث يشرح اضطراب المتن بكلام بناه على ما في ذهنه من معنى لكلمة (مضطرب) الورادة في كلام أبي حاتم، فمعنى المضطرب -كما تقدم شرحه في المبحث الرابع من الفصل الرابع- هو الحديث الذي يروى على أوجه ولا مرجح بينها، وقد يوصف بالاضطراب مع الترجيح.
-
والباحث لم يجد أن حديث شعيب قد روى على أوجه في متنه، إنما هو لفظ واحد، فخرج الباحث إلى عموم أحاديث الباب، وأن منها ما فيه ترك الوضوء مما مست النار، ومنها ما فيه الأمر بالوضوء مما مست النار.
- vol. 2, p. 499
وتفسير الاضطراب الذي في كلام أبي حاتم بهذا أبعد الباحث فيه النجعة جدا، فلا يمكن أن يكون مرادا لأبي حاتم، وإلا لناقض آخر كلامه أوله، وإنما وقع الباحث فيما وقع فيه بسب الالتزام الدقيق بالمصطلحات الواردة في كتب المصطلح، وأن حدودها جامعة مانعة، فَنَزَّل كلام أبي حاتم على تعريف مصطلح (المضطرب) .
-
والنقاد قد يستخدمون مصطلح (المضطرب) في الإسناد والمتن على معنى أعم، وهو وجود خلل في أحدهما، وإن لم يكن مرجعه إلى الاختلاف.
-
مثال ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم، قال: «سألت أبي عن حديث رواه ابن حمير، قال: حدثنا شعيب بن أبي الأشعث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المراء في القرآن كفر» ، قال أبي: هذا حديث مضطرب، ليس هو صحيح الإسناد، عروة، عن أبي سلمة لا يكون، وشعيب مجهول» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٧٤، وانظر: المسائل (٧٩)، (٢٨٣)، (٨٣٩)، (١٠٦١)، (١٤٤٠)، (١٤٥٥)، (١٩٨٤)، (٢٠٩٧)، (٢١١٦).
-
ومن المهم جدا بالنسبة للباحث وهو ينظر في الاختلاف، أن يدقق في سياق المصطلح الذي ذكره الناقد، فقد يريد به معنى غير ما عرف واشتهر فيما بعد قصره عليه، وذلك في عموم مصطلحات النقاد، مثل المرسل، والمرفوع، والمنكر، وغيرها.
vol. 2, p. 500قال الدوري: «سألت يحيى، عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أنها سئلت: ما كان يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته؟ ... » ، فقال يحيى: هو مرسل، هشام، عن رجل».
-
فالناظر لأول وهلة يظن أن المقصود في الجواب أن هشام بن عروة يرويه عن رجل، عن أبيه، فيكون الإسناد الأول مرسل، أي لم يسمعه من أبيه، لكن الطرق الأخرى -كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا- أفادت أن الإسناد ليس فيه: عن أبيه، والرجل يرويه عن عائشة، ففي كلام ابن معين تسمية ما فيه مبهم: مرسل (١) .
وروى جماعة فيهم حماد بن سلمة في رواية أكثر أصحابه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ... » الحديث (٢) .
- (١)وانظر: «معرفة علوم الحديث» ص ٢٧، و «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٤٤، و «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٥٦١ - ٥٦٤، ٥٧٣.
- (٢)«صحيح مسلم» حديث (٢٤٠٥)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٤٠٥ - ٨٤٠٦)، (٨٦٠٣)، و «مسند أحمد» ٢: ٣٨٤، و «سنن سعيد بن منصور» حديث (٢٤٧٤)، و «فضائل الصحابة» (١٠٣١)، (١٠٤٤)، (١٠٥٦)، (١١٢٢)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٦٩٣٤).
-
ورواه عبدالله بن جعفر والد علي بن المديني، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عمر، وكذلك رواه أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، عن سهيل (٣) .
vol. 2, p. 501قال الدوري: «سمعت يحيى بن معين يقول في حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عمر: «لأعطين الراية ... » ، قال يحيى: إنما هو عن أبي هريرة موقوف» (١) .
- (٣)«علل الدارقطني» ١٠: ١١٠، و «المستدرك» ٣: ١٢٥.
- (١)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٢٦٢.
-
فالوقف هنا يراد به أنه من رواية أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس من رواية أبي هريرة، عن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروى عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية، ويثيب عليها» (٢) .
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عيسى» (٣) .
- (٢)«صحيح البخاري» حديث (٢٥٨٥)، و «سنن أبي داود» حديث (٣٥٣٦)، و «سنن الترمذي» حديث (١٩٥٣)، و «مسند أحمد» ٦: ٩٠.
- (٣)«تحفة الأشراف» ١٢: ١٨٩، وهو في «السنن» مطولا، لكن سقط منه لفظة «مرفوعا».
-
فكلام الترمذي قد يفهم منه أن غير عيسى بن يونس يرويه موقوفا، لذكره الرفع في وصف رواية عيسى، وليس هذا مراده، فمراده الإرسال: هشام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليس فيه: عن أبيه، عن عائشة.
-
وللنقاد عبارات أخرى في هذا الاختلاف، فقال أحمد: «كان عيسى بن يونس يسند حديث الهدية، والناس يرسلونه» (٤) .
vol. 2, p. 502وقال ابن معين: «عيسى بن يونس يسند حديثا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ... ، والناس يحدثون به مرسل» (١) .
وقال أبو داود: «تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل» (٢)
- (٤)«تهذيب الكمال» ٢٣: ٦٨، وانظر: «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧٩.
- (١)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٤٦٧.
- (٢)«فتح الباري» ٥: ٢١٠.
-
فهذه ثلاث مصطلحات عبر بها النقاد عن ذكر عيسى بن يونس في روايته عروة، وعائشة، مخالفا بذلك من لم يذكرهما من أصحاب هشام، وهي: الرفع، والإسناد، والوصل، وأقلها استخداما بهذا المعنى: الرفع، وهو الذي قاله الترمذي.
-
ولما أراد ابن حجر نقل قول الترمذي احتاج إلى أن يذكره بالمعنى، فعبر بالمشهور، فقال: «قال الترمذي، والبزار: لا نعرفه موصولا إلا من حديث عيسى بن يونس» (٣) .
- (٣)«فتح الباري» ٥: ٢١٠. وانظر مثالا آخر في «المراسيل» ص ٢٤٣، في كلام أبي زرعة، وابن أبي حاتم على رواية يحيى بن أبي كثير، عن أنس، ومثالا آخر في «علل الدارقطني» ١٤: ١٤٧.
-
وسئل أبو حاتم عن الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو حديث: «من ترك الجمعة فليتصدق بدينار» ، وقد اختلف فيه على قتادة، فقال: «له إسناد صالح، همام يرفعه، وأيوب أبو العلاء يروي عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، لا يذكر سمرة ... » (٤) .
- (٤)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٦.
- vol. 2, p. 503
فقول أبي حاتم: «همام يرفعه» يريد به وصله بذكر سمرة، لا الرفع الذي هو مقابل الوقف، إذ الجميع يروونه مرفوعا بهذا المعنى.
-
وإذا كان الباحث ينبه إلى ضرورة تنزيل كلام النقاد على مرادهم، والاستعانة بالسياق إذا ظهر للباحث استخدام الناقد لمصطلح على غير ما اشتهر في كتب المصطلح المتأخرة، فمن باب أولى أن لا يعترض الباحث على صنيع إمام في استخدامه لذلك المصطلح.
-
ذكر عبدالحق الإشبيلي قول الحاكم في حديث رواه من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا: «لا أعلم أحدا رفعه» (١) ، فعلق عليه ابن القطان بقوله: «وأما قول الحاكم: لا أعلم أحدا رفعه، فإنه إن كان عنى به أنه لا يعلم أحدا أسنده ووصله فصدق، ولكن ليست هذه العبارة مشهورة عن هذا المعنى، وإنما يقال ذلك فيما يكون موقوفا، وإن كان يعني بهذا أن أحدا لم يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا خطأ، فقد ذكر ابن وهب في ذلك مرسلين، أحدهما أحسن من هذا» (٢) .
- (١)«الأحكام الوسطى» ٤: ١٤، وهو في «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٣٦ بلفظ: «ثم لا نعلم أحدا من الرواة وصله ... ».
- (٢)بيان الوهم والإيهام» ٢: ٣٤٥، واعتراض ابن القطان على الحاكم بالمرسلين اللذين ذكرهما ابن وهب يدل على أنه لم يتنبه لمراد الحاكم، وسأشرح هذا في المبحث الذي يلي هذا، وأوضح سببه.
-
وروى سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، كتاب
vol. 2, p. 504النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصدقات (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (١٥٧٣)، و «سنن الترمذي» حديث (٦٢١)، و «مسند أحمد» ٢: ١٥.
-
ورواه يونس بن يزيد، وسليمان بن كثير، عن الزهري، عن سالم مرسلا ليس فيه ابن عمر (٢) .
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (١٥٧٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٨٠٥)، و «الأموال» لأبي عبيد حديث (٩٣٥ - ٩٣٧).
-
قال الترمذي في رواية سفيان بن حسين الموصولة بعد أن أخرجها: «حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، بهذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين» .
-
وذكر ابن حجر هذا عن الترمذي، ثم قال: «وقول الترمذي: ولم يرفعوه، وإنما مراده: لم يرفعوا إسناده إلى منتهاه، وكان ينبغي أن يعبر باصطلاح القوم، بأن يقول: فأرسلوه، أو لم يسندوه» (٣) .
- (٣)«تغليق التعليق» ٣: ١٦.
-
وصنيع هذين الإمامين -ابن القطان، وابن حجر- لا يحسن أن يقلدا فيه، فلا يعترض على استخدام ناقد متقدم لمصطلح على غير المشهور عندنا، إذ هم أهل الاصطلاح، وتحرير المتأخر لمصطلحاتهم أخذه من عملهم، فإذا كانوا قد خرجوا عما حرره في معنى المصطلح فلا بد من أحد أمرين، أن يكون سبر المتأخر ناقصا، أو يكون المتأخر قصر المصطلح على معنى لاشتهاره عند الأولين،
vol. 2, p. 505أو لكونه يتميز به عن غيره، وكل هذا لا يصح أن يحاسب عليه المتقدم.
-
وهذا كله إذا كان الناقد المتقدم قد خرج عما هو مشهور في زمنهم في معنى المصطلح المعين، فَتَجَوَّز استعانة بالسياق، وأما إذا كان استخدم المصطلح على معنى مشهور عندهم، والمتأخرون هم الذين أخرجوه في تحريرهم للمصطلح، فالخطب أعظم.
-
ومثاله أن المتقدمين يستخدمون مصطلح المنكر لما تفرد به راويه، وترجح فيه خطؤه، سواء كان ثقة، أو لا، وسواء خالف أو لم يخالف، والمتأخرون قصروه على تفرد الضعيف، وقد تقدم شرح هذا في الفصل الثالث من الباب الثاني.
-
وقد ذكر ابن حجر قول أبي داود في حديث همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس في وضع الخاتم عند دخول الخلاء، وقوله عنه إنه حديث منكر، ثم قال ابن حجر: «وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شاذ في الحقيقة، إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذا» (١) .
- (١)«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦٧٦. والحديث أخرجه أبو داود حديث (١٩)، وفيه حكمه عليه بالنكارة، وسبب ذلك، والترمذي حديث (١٧٤٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٩٥٤٢)، وفيه قوله عنه إنه غير محفوظ، وابن ماجه حديث (٣٠٣).
-
فقول أبي داود إنه حديث منكر، وقول النسائي إنه غير محفوظ، هما بمعنى واحد، ولا يقال إن عبارة أحدهما أصوب من الأخرى، بناء على ما اختاره المتأخرون في معنى المصطلح، سواء في تعريفه، أو في القاعدة والحكم.
- vol. 2, p. 506
وخلاصة ما تقدم أن من المهم جدا بالنسبة للباحث قبل أن يستدل برأي الناقد، أو يصنفه، أو يعترض عليه، أن يفهمه جيدا، وينزله وفق مراد الناقد، وقد يحتاج في سبيله إلى هذا أن يتأمل في السياق، وفي طرق الحديث، وكلام الناقد في مكان آخر إن وجد، وكلام النقاد الآخرين.
-
ويتأكد الأمر حين يكون غرض الباحث من النص الاستدلال به على قاعدة في النقد، أو إثبات سماع راو من آخر، أو يريد بالنص نقض قاعدة اشتهرت عند الناس، يراها غير صحيحة، خاصة مع تسرع بعض الباحثين، واكتفائهم بالمثال والمثالين لتحرير قاعدة، أو لنقضها، فإذا كانت الأمثلة -مع قلتها- لم يفهم الباحث مراد الناقد منها كبر خطؤه حينئذ، ولولا ضيق المقام هنا لشرحت ذلك بأمثلته، لكن المقصد الأساس هنا التأكيد على تأني الباحث في فهم كلام الناقد حين تناوله للاختلاف، أيا كان غرضه منه.