إذا لم يتمعن الباحث في كلام الناقد، وسياقه، وما يحتف به، فربما فهمه على غير مراد الناقد، بل ربما اعترض عليه، ونماذج لذلك
53 paragraphs · vol. 2, p. 517
Page 2 of 2
- vol. 2, p. 528
وكأن أبا حاتم لم يقف على رواية أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، الموصولة بذكر أبي موسى، أو وقف عليها ولم يعتدَّ بها، فإن أبا أحمد الزبيري يخطئ، وقد خالفه محمد بن يوسف الفريابي، وعبيدالله بن موسى، فروياه عن إسرائيل مرسلا، كما تقدم، وفي رواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي بردة قصة، فلم
vol. 2, p. 529يضبطها أبو أحمد، عن إسرائيل، وضبطها محمد بن يوسف، وعبيدالله بن موسى، وذلك أن أبا إسحاق يروي هذا الحديث بأثر حديثه عن عبيد بن المغيرة -على اختلاف في اسمه على أبي إسحاق- عن حذيفة، ثم يقول أبو إسحاق: «فذكرته لأبي بردة بن أبي موسى فحدثني عن أبي موسى: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ... » ، هكذا رواه أبو أحمد الزبيري، عن إسرائيل، ورواه الآخران عنه فقالا: «فذكرته لأبي بردة، وأبي بكر، ابني أبي موسى، فقالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... » .
-
وعبيدالله بن موسى أثبت أصحاب إسرائيل (١) .
- (١)وجنح الدارقطني في «التتبع» ص ٥٤٥ إلى احتمال تدليس أبي إسحاق بوصله الحديث بذكر أبي موسى، أو أنه أخطأ فسلك الجادة، فذكر أبا موسى، كما فعل المغيرة بن أبي الحر في روايته عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، وما ذهب إليه أبو حاتم أولى، فالموصول لا يصح عن أبي إسحاق، والصواب عنه الإرسال، كما رواه إسرائيل في المحفوظ عنه.
-
ولم يتعرض أبو حاتم لرواية أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق الموصولة بذكر أبي موسى، وأشعث في نفسه ضعيف الحديث، ورواية إسرائيل المرسلة تدل على أن أشعث أخطأ أيضا على أبي إسحاق.
-
هذا ما يؤخذ من كلام أبي حاتم، وسياق السؤال والجواب، ولم يتعرض أبو حاتم للرواية المشهورة عن أبي بردة، بجعله عن الأغر، فلا يستقيم جعله مخالفا للجمهور، وهذا نص السؤال والجواب:
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أبو نعيم، عن مغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
vol. 2, p. 530-ونحن قعود-، فقال: «ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مئة مرة» .
قال أبي: رواه موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر، وأبي بردة -ابني أبي موسى-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه، ولم يذكر أبا موسى، قال أبي: وحديث إسرائيل أشبه، إذ كان هو أحفظ» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٧.
-
ويؤكد هذا أن أبا حاتم سئل مرة أخرى عن رواية حميد بن هلال للحديث عن أبي بردة، عن رجل من المهاجرين، فقال: «يقال: إن هذا الرجل هو الأغر المزني، وله صحبة» (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٣٦.
-
فأرجع أبو حاتم رواية حميد إلى الرواية المشهورة: عن أبي بردة، عن الأغر.
-
ويبقى نظر آخر في هذا الاختلاف، وكلام النقاد عليه، وهو أن جمهور النقاد الذين رجحوا كونه عن الأغر لم يرد في كلامهم ذكر للمرسل، فلم لا يقال: ترجيحهم لرواية من جعله عن الأغر إنما هو بالنسبة لرواية المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، ولو ذكروا المرسل لربما رجحوه في النهاية، كما قلتم في صنيع أبي حاتم، وأن غرضه الموازنة بين من جعله عن أبي موسى الأشعري، ومن أرسله، ولا يدل ذلك على أنه لا يرجح في النهاية ما رجحه جمهور النقاد، بجعله عن الأغر؟
- vol. 2, p. 531
والجواب: أن جمهور النقاد رجحوا وجها تاما، وهو جعله عن الأغر المزني، وهو الوجه المشهور عن أبي بردة، ولو كان هناك وجه يعله ويضعفه هو الراجح عندهم لبادروا بإحضاره، وكان غرضهم تعليل رواية المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، لئلا يظن أنه حديث آخر، فبينوا غلطه، وأما المرسل فلو صح عن أبي إسحاق، أو عن أبي بردة، لم يؤثر هذا شيئا بعد ثبوت وجه الأغر، فالمرسل إذا ترجح الوجه الموصول دخل فيه، كما تقدم شرح هذا في المبحثين الثاني، والثالث، من الفصل الرابع من هذا الباب، سواء قيل: التقصير من أبي إسحاق، أو قيل: أبو بردة أرسله حين حدث به أبا إسحاق، وسياق القصة يؤيده، فكأن أبا بردة حين سأله أبو إسحاق أجاب: نعم، قد قاله - صلى الله عليه وسلم -، مع أنه عنده عن الأغر.
-
وأما أبو حاتم فزاد على النقاد طريقا آخر يجعله عن أبي موسى، وهو طريق موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، وبين أن هذا لا يصح أيضا، فالصواب إرساله عن أبي إسحاق، فكلام أبي حاتم إذن متمم لكلام النقاد، في تعليل حديث أبي موسى، وليس معارضا لهم في ترجيحهم لوجه الأغر، والله أعلم.
-
وأخرج البخاري من طريق عبدالرحمن بن مغراء، عن يزيد بن أبي حبيب، عن اللجلاج، عن عبدالله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة مرفوعا في ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (١) .
- (١)«التاريخ الكبير» ٣: ٤٧٩.
- vol. 2, p. 532
فذكر هذا بعض الباحثين، وعقبه بأن البيهقي نقل عقيب هذا الإسناد عن البخاري قوله: «وحديث مالك أصح» (١) .
ثم قال الباحث مفسرا كلام البخاري: «يشير إلى ما وقع في روايته من تسمية الراوي: جلاح، كما سلف برقم ... ، واللجلاج خطأ» .
- (١)«معرفة السنن والآثار» ١: ١٣٥.
-
كذا قال الباحث، ورواية مالك ليس فيها ذكر لهذا الراوي أصلا، ومقصود البخاري بالأصحية هنا فيما يتعلق بعبدالله بن سعيد المخزومي، فإن مالكا وغيره يسمونه: سلمة بن سعيد، وهم يروونه عن صفوان بن سليم، عن سلمة بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بردة به، لا ذكر للجلاح في إسناده (٢) .
- (٢)«موطأ مالك» (الطهارة) حديث (١٢)، و «سنن أبي داود» حديث (٨٣)، و «سنن الترمذي» حديث (٦٩)، و «سنن النسائي» حديث (٥٩)، و (٣٣١)، (٤٣٦١)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٨٦)، (٣٢٤٦)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٣٧، ٣٦١، ٣٩٢، و «المستدرك» ١: ١٤١، و «معرفة السنن» حديث (٣ - ٤).
-
وقد تابع صفوان بن سليم: الجلاح أبو كثير، فرواه عن سلمة بن سعيد، هكذا رواه عن الجلاح: عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، من رواية الليث عنه، ورواه ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، فاضطرب في تسمية الجلاح، وفي تسمية سلمة بن سعيد (٣) .
- (٣)«مسند أحمد» ٢: ٣٧٨، و «سنن الدارمي» حديث (٧٣٤)، و «التاريخ الكبير» ٣: ٤٧٨، و «المستدرك» ١: ١٤١، و «سنن البيهقي» ١: ٣، و «معرفة السنن» حديث (٥)، (٧ - ٨).