٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟
94 paragraphs · vol. 9, p. 5
Page 2 of 3
- vol. 9, p. 13
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَمْرِهِ ﷺ بِالْقِتَالِ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَأْمِينِهِ ﷺ لَهُمْ بِأَنْ يَكُونَ التَّأْمِينُ عُلِّقَ بِشَرْطٍ وَهُوَ تَرْكُ قُرَيْشٍ الْمُجَاهَرَةَ بِالْقِتَالِ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا إِلَى دُورِهِمْ وَرَضُوا بِالتَّأْمِينِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنَّ أَوْبَاشَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ وَقَاتَلُوا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ أَنْ تَكُونُ الْبَلَدُ فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْأُصُولِ لَا بِالْأَتْبَاعِ وَبِالْأَكْثَرِ لَا بِالْأَقَلِّ، وَلَا خِلَافَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُجْرِ فِيهَا قَسْمَ غَنِيمَةٍ وَلَا سبي مِنْ أَهْلِهَا مِمَّنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ أَحَدٌ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ فَتْحُهَا عَنْوَةً.
-
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ غَنِمْتُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَجَنَحَتْ طَائِفَةٌ - مِنْهُمُ الْمَاوَرْدِيُّ - إِلَى أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ عَنْوَةً لِمَا وَقَعَ مِنْ قِصَّةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ. وَالْحَقُّ أَنَّ صُورَةَ فَتْحِهَا كَانَ عَنْوَةً وَمُعَامَلَةَ أَهْلِهَا مُعَامَلَةَ مَنْ دَخَلَتْ بِأَمَانٍ، وَمَنَعَ جَمْعٌ مِنْهُمُ السُّهَيْلِيُّ تَرَتُّبَ عَدَمِ قِسْمَتِهَا وَجَوَازِ بَيْعِ دُورِهَا وَإِجَارَتِهَا عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ إِذَا انْتُزِعَتْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَبَيْنَ إِبْقَائِهَا وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ بَيْعِ الدُّورِ وَإِجَارَتِهَا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَدْخُلُ الْأَرْضُ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَضَى كَانُوا إِذَا غَلَبُوا عَلَى الْكُفَّارِ لَمْ يَغْنَمُوا الْأَمْوَالَ، فَتَنْزِلُ النَّارُ فَتَأْكُلَهَا وَتَصِيرُ الْأَرْضُ عُمُومًا لَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الْآيَةَ. وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطِيلُ بِهَا هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ دُورِ مَكَّةَ فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
-
٤٢٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ.
-
[الحديث ٤٢٨١ - أطرافه في: ٤٨٣٥، ٥٠٣٤، ٥٠٤٧، ٧٥٤٠]
-
٤٢٨٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا قال النبي ﷺ : " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ"
- vol. 9, p. 14
٤٢٨٣ - "ثُمَّ قَالَ: " لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ " قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ قَالَ وَرِثَهُ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْح"
-
٤٢٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "قال رسول الله ﷺ : " مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفُ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ "
-
٤٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "قال رسول الله ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا: "مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْر" .
-
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا سِتَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ خلف أَنَّهُ وَقَعَ بَدلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةٍ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِيَاسٍ أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَأَبُو إِيَاسٍ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
-
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ قِرَاءَةً لَيِّنَةً.
-
قَوْلُهُ: (يُرَجِّعُ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَالتَّرْجِيعُ تَرْدِيدُ الْقَارِئِ الْحَرْفَ فِي الْحَلْقِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَجْتَمِعَ النَّاسَ) الْقَائِلُ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ رَاوِي الْحَدِيثِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ وَفِي أَوَاخِرِ التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ عَنْ شُعْبَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَلَفْظُهُ ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النَّبِيُّ ﷺ . فَقُلْتُ لَمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: أأأ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلِلْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلُ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ لَقَرَأْتُ بِذَلِكَ اللَّحْنِ الَّذِي قَرَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
-
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ وَسَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى هُوَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ اللَّخْمِيُّ أَبُو يَحْيَى الْكُوفِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقٍ، وَسَعْدَانُ لَقَبُهُ، وَهُوَ صَدُوقٌ. وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى لِينِهِ. وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ مَيْسَرَةُ بَصْرِيٌّ يُكْنَى أَبَا سَلَمَةَ، صَدُوقٌ. ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ. وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْحَجِّ قَرَنَهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ.
-
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا؟) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
-
قَوْلُهُ: (قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: مَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
-
قَوْلُهُ: (وَرِثَهُ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ) ، تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ. وَكَانَ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الْحُكْمِ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْهِجْرَةُ لَمَّا وَقَعَتِ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ عَلَى مَا خَلَفَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا خَلَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ
vol. 9, p. 15كَانَ شَقِيقَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ مَوْتِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ثُمَّ وَقَعَتِ الْهِجْرَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ طَالِبٌ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ عَقِيلٍ اسْتَوْلَيَا عَلَى مَا خَلَفَ أَبُو طَالِبٍ، وَمَاتَ طَالِبٌ قَبْلَ بَدْرٍ وَتَأَخَّرَ عَقِيلٌ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِتَرْكِ تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَقِيلٍ فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ عَقِيلٌ قَدْ بَاعَ تِلْكَ الدُّورَ كُلَّهَا. وَاخْتُلِفَ فِي تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عَقِيلًا عَلَى مَا يَخُصُّهُ هُوَ. فَقِيلَ: تَرَكَ لَهُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ، وَقِيلَ اسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا، وَقِيلَ: تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تُصَحَّحُ أَنْكِحَتُهُمْ.
-
وَفِي قَوْلِهِ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ لَنَزَلَ فِيهَا، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَنْزِلِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا لِأَنَّهَا دُورٌ هَجَرُوهَا فِي اللَّهِ - تَعَالَى - بِالْهِجْرَةِ، فَلَمْ يَرَ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَأَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالتَّرْكِ إِنَّمَا هُوَ إِقَامَةُ الْمُهَاجِرِ فِي الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ، لَا مُجَرَّدَ نُزُولِهِ فِي دَارٍ يَمْلِكُهَا إِذَا أَقَامَ الْمُدَّةَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِيهَا، وَهِيَ أَيَّامُ النُّسُكِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ (أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ) طَرِيقُ مَعْمَرٍ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي الْجِهَادِ.
-
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ (حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْحِ) أَيْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ، وبَقِيَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَمَعْمَرٍ، أَوْثَقُ وَأَتْقَنُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ.
-
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الْأَعْرَجُ.
-
قَوْلُهُ: (مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ) هُوَ لِلتَّبَرُّكِ.
-
قَوْلُهُ: (إِذَا افْتَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفُ) هُوَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَنْزِلُنَا، وَلَيْسَ هُوَ مَفْعُولُ افْتَتَحَ. وَالْخَيْفُ مَا انْحَدَرَ عَنْ غِلَظِ الْجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ الْمَاءِ.
-
قَوْلُهُ: (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) يَعْنِي قُرَيْشًا (عَلَى الْكُفْرِ) أَيْ لَمَّا تَحَالَفَ قُرَيْشٌ أَنْ لَا يُبَايِعُوا بَنِي هَاشِمٍ وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ وَحَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَبْعَثِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا شَرْحُهُ فِي بَابِ نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
-
قَوْلُهُ في الطريق الثانية: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا) أَيْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ غَزْوَةَ حُنَيْنٍ عَقِبَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ وَلَا مُغَايِرَةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِطَرِيقِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ هُنَاكَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ قَالَ وَهُوَ بِمِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ لَا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قِيلَ: إِنَّمَا اخْتَارَ النَّبِيُّ ﷺ النُّزُولَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَذَكَّرَ مَا كَانُوا فِيهِ فَيَشْكُرَ اللَّهَ - تَعَالَى - عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْفَتْحِ الْعَظِيمِ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ ظَاهِرًا عَلَى رَغْمَ أَنْفِ مَنْ سَعَى فِي إِخْرَاجِهِ مِنْهَا وَمُبَالَغَةً فِي الصَّفْحِ عَنِ الَّذِينَ أَسَاءُوا وَمُقَابَلَتِهِمْ بِالْمَنِّ وَالْإِحْسَانِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
-
٤٢٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلْهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا.
-
٤٢٨٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ
vol. 9, p. 16يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ.
-
٤٢٨٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأُخْرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الأَزْلَامِ فَقال النبي ﷺ : "قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ" ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ "
-
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.
-
قَوْلُهُ: (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ.
-
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ.
-
قَوْلُهُ: (الْمِغْفَرُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ لِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ مِثْلُ الْجَمَاعَةِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَشَرَةٍ عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رَأَى مِنْكُمُ ابْنَ خَطَلٍ فَلْيَقْتُلْهُ وَمِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَكَانَ ابْنُ خَطَلٍ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّعْرِ.
-
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اقْتُلْهُ) زَادَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهِ فَقُتِلَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عَائِذٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُرَيْثٍ، وَأَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا: مِنْهَا أَنَّ قَاتِلَهُ شَرِيكُ بْنُ عَبْدَةَ الْعَجْلَانَيُّ، وَرَجَّحَ أَنَّهُ أَبُو بَرْزَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُعِيذُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فِي الْحَرَمِ. وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهَا الْقِتَالُ بِمَكَّةَ، وصَرَّحَ بِأَنَّ حُرْمَتَهَا عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، وَالسَّاعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مِنْ صَبِيحَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ إِلَى الْعَصْرِ. وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ صَبْرًا بَيْنَ زَمْزَمَ وَمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: لَا يُقْتَلَنَّ قُرَشِيٌّ بَعْدَ هَذَا صَبْرًا، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِي أَبِي مَعْشَرٍ مَقَالًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الحديث الخامس.
-
قَوْله: (عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح) فِي رِوَايَة الْحَمِيدِيّ فِي التَّفْسِير عَنْ اِبْن عُيَيْنَة حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نَجِيح وَهُوَ عَبْد اللَّه وَاسْم أَبِي نَجِيح يَسَار، وَتَقَدَّمَ فِي الْمُلَازَمَة عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نَجِيح وَلِابْنِ عُيَيْنَة فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْغَفَّار بْن دَاوُدَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ جَامِع بْن أَبِي رَاشِد عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود.
-
قَوْله: (عَنْ أَبِي مَعْمَر) هُوَ عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَةَ.