٣ - سورة آل عمران

193 paragraphs · vol. 9, p. 209

Page 4 of 5

  1. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَعْقُوبَ) هُوَ بَغْدَادِيٌّ لَقَّبَهُ لُؤْلُؤٌ، وَيُقَالُ: يُؤْيُؤٌ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَهُوَ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَعَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ ثَلَاثَ سِنِينَ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي طَلْحَةَ فِي النُّعَاسِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ مَعَ شَرْحِهِ.

    vol. 9, p. 228
  2. ١٢ - بَاب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الْقَرْحُ﴾ الْجِرَاحُ، ﴿اسْتَجَابُوا﴾ أَجَابُوا، يَسْتَجِيبُ: يُجِيبُ

    قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ سَاقَ الْآيَةَ إِلَى: (عَظِيمٌ) .

  3. قَوْلُهُ: (الْقَرْحُ: الْجِرَاحُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْحُ بِالضَّمِّ. قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَقْرَأُهَا بِالْفَتْحِ لَا بِالضَّمِّ قَالَ الْأَخْفَشُ: الْقُرْحُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، فَالضَّمُّ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْفَتْحُ لُغَةُ غَيْرِهِمْ كَالضَّعْفِ وَالضُّعْفِ، وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّهُ بِالضَّمِّ الْجُرْحُ وَبِالْفَتْحِ أَلَمُهُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْقَرْحُ بِالْفَتْحِ أَثَرُ الْجِرَاحَةِ وَبِالضَّمِّ أَثَرُهَا مِنْ دَاخِلٍ.

  4. قَوْلُهُ: ﴿اسْتَجَابُوا﴾ أَجَابُوا، ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾ يُجِيبُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ أَيْ: أَجَابَهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: اسْتَجَبْتُكَ أَيْ: أَجَبْتُكَ، قَالَ كَعْبُ الْغَنَوِيُّ:

    وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى … فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ

    وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: يُجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَهَذِهِ فِي سُورَةِ الشُّورَى، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ اسْتِشْهَادًا لِلْآيَةِ الْأُخْرَى.

  5. (تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا، وَكَأَنَّهُ بَيَّضَ لَهُ، وَاللَّائِقُ بِهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمُ: الزُّبَيْرُ، وَأَبُو بَكْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مَعَ شَرْحِهِ. وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ، وَلَا الْكَوَاعِبَ رَدَفْتُمْ، بِئْسَمَا صَنَعْتُمْ، فَرَجَعُوا، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، فَبَلَغَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالُوا: نَرْجِعُ مِنْ قَابِلٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّ الْمَحْفُوظَ إِرْسَالُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ،

    vol. 9, p. 229وَمِنَ الطَّرِيقِ الْمُرْسَلَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ.

  6. ١٣ - بَاب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ الْآيَةَ

    ٤٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ - أُرَاهُ قَالَ: - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عليه السلام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

  7. [الحديث ٤٥٦٣ - طرفه في: ٤٥٦٤]

  8. ٤٥٦٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

  9. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: بَابُ ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ وَزَادَ غَيْرُهُ: الْآيَةَ.

  10. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ - أُرَاهُ قَالَ: - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) كَذَا وَقَعَ، الْقَائِلُ: أُرَاهُ هُوَ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى: أَظُنُّهُ، وَكَأَنَّهُ عَرَضَ لَهُ شَكٌّ فِي اسْمِ شَيْخِ شَيْخِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ بِغَيْرِ شَكٍّ، لَكِنْ وَهِمَ الْحَاكِمُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ.

  11. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ، وَلِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

  12. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الضُّحَى) اسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ، بِالتَّصْغِيرِ.

  13. قَوْلُهُ: (قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عليه السلام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: أَنَّ ذَلِكَ آخِرُ مَا قَالَ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّهَا أَوَّلُ مَا قَالَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ شَيْءٍ وَآخِرُ شَيْءٍ قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  14. قَوْلُهُ: (حِينَ قَالُوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجَعَ بِقُرَيْشٍ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ مِنْ أُحُدٍ فَلَقِيَهُ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ أُحُدٍ وَنَدِمُوا، فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ فَرَجَعُوا، وَأَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ نَاسًا فَأَخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ يَقْصِدُونَهُمْ، فَقَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ وَلَمْ يُسَمِّ مَعْبَدًا، قَالَ: أَعْرَابِيًّا وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْصُولًا لَكِنْ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ قَالَ: اسْتَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ عِيرًا وَارِدَةً الْمَدِينَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ بَعْدَ أُحُدٍ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْمَوْعِدِ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ. وَيُقَالُ: إِنَّ الرَّسُولَ بِذَلِكَ كَانَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ نُعَيْمٌ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. قِيلَ: إِطْلَاقُ النَّاسِ عَلَى الْوَاحِدِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ جِنْسِهِمْ، كَمَا قَالَ: فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ، وَلَيْسَ لَهُ إِذْ ذَاكَ إِلَّا فَرَسٌ وَاحِدٌ. قُلْتُ: وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْمِثَالِ نَظَرٌ.

  15. ١٤ - بَاب ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية

    سَيُطَوَّقُونَ كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ

    ٤٥٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

    vol. 9, p. 230
  16. قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: (خَبِيرٌ) قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفِي صِحَّةِ هَذَا النَّقْلِ نَظَرٌ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ: وَقِيلَ: فِيمَنْ يَبْخَلُ بِالنَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعِيَالِ وَذِي الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ، نَعَمِ الْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ.

  17. قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يُلْزَمُونَ، كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِالطَّوْقِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَيُطَوَّقُونَ، قَالَ: بِطَوْقٍ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي التَّطْوِيقِ الْمَذْكُورِ، هَلْ يَكُونُ حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: لَا يَمْنَعُ عَبْدٌ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ يُطَوَّقُ فِي عُنُقِهِ. ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ سُئِلُوا أَنْ يُخْبِرُوا بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَهُمْ فَبَخِلُوا بِذَلِكَ وَكَتَمُوهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا﴾ أَيْ: بِإِثْمِهِ.

  18. ١٥ - بَاب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾

  19. ٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ؛ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَيِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ

    vol. 9, p. 231فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا؛ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : يَا سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ، وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُونهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ، وَيَصْطبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ عز وجل : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا.

  20. قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فِيمَا كَانَ يَهْجُو بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الشِّعْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي خَبَرُهُ، وَفِيهِ شَرْحُ حَدِيثِ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَلَتْ.

  21. قَوْلُهُ: (عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ) أَيْ: كِسَاءٍ غَلِيظٍ، مَنْسُوبٍ إِلَى فَدَكَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ، وَهِيَ بَلَدٌ مَشْهُورٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ.

  22. قَوْلُهُ: (يَعُودُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) فِيهِ عِيَادَةُ الْكَبِيرِ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ فِي دَارِهِ. وَقَوْلُهُ: (فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) أَيْ: فِي مَنَازِلِ بَنِي الْحَارِثِ، وَهُمْ قَوْمُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

  23. قَوْلُهُ: (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَقِيعَةِ.

  24. قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) أَيْ: قَبْلَ الْإِسْلَامِ.

  25. قَوْلُهُ: (فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ) كَذَا فِيهِ تَكْرَارُ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ آخِرًا بَعْدَ الْبُدَاءَةِ بِهِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ أَحَدِهِمَا، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَعَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُ: الْيَهُودِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْبَدَلِ أَوْ عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ مُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ، نَعَمْ مِنْ لَازِمِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ - تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمُ - الْإِشْرَاكُ، وَعَطْفُهُمْ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ تَنْوِيهًا بِهِمْ فِي الشَّرِّ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي رُجْحَانُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ، كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِعبدةِ الْأَوْثَانِ وَبِالْيَهُودِ، وَمِنْهُ يَظْهَرُ تَوْجِيهُ إِعَادَةِ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ

    vol. 9, p. 232كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْأَخْلَاطَ بِشَيْئَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمَّا فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِشَيْئَيْنِ رَأَى إِعَادَةَ ذِكْرِ الْمُسْلِمِينَ تَأْكِيدًا، وَلَوْ كَانَ قَالَ: لَا هُنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ مَا احْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ، وَإِطْلَاقُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْيَهُودِ؛ لِكَوْنِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَهُمْ وَيُرَجِّحُونَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُوَافِقُونَهُمْ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام وَمُعَادَاتِهِ وَقِتَالِهِ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَعَطَفَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

  26. قَوْلُهُ: (عَجَاجَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَجِيمَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، أَيْ: غُبَارُهَا، وَقَوْلُهُ: خَمَّرَ أَيْ: غَطَّى، وَقَوْلُهُ: أَنْفَهُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَجْهَهُ.

  27. قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ كُفَّارٌ، وَيَنْوِي حِينَئِذٍ بِالسَّلَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي سَلَّمَ بِهِ عَلَيْهِمْ صِيغَةُ عُمُومٍ فِيهَا تَخْصِيصٌ، كَقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.

  28. قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ) عَبَّرَ عَنِ انْتِهَاءِ مَسِيرِهِ بِالْوُقُوفِ.

  29. قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بِنَصْبِ أَحْسَنَ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَيَجُوزُ فِي أَحْسَنَ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَا وَالِاسْمُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَأَحْسَنُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ لَكِنْ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ عَلَى أَنَّهَا لَامُ الْقَسَمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ تَقْعُدَ فِي بَيْتِكِ، حَكَاهُ عِيَاضٌ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ، وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَشْدِيدَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ نُونٍ مِنَ الْحِسِّ، أَيْ: لَا أَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا.

  30. قَوْلُهُ: (يَتَثَاوَرُونَ) بِمُثَلَّثَةٍ، أَيْ: يَتَوَاثَبُونَ، أَيْ: قَارَبُوا أَنْ يَثِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَقْتَتِلُوا، يُقَالُ: ثَارَ إِذَا قَامَ بِسُرْعَةٍ وَانْزِعَاجٍ.

  31. قَوْلُهُ: (حَتَّى سَكَنُوا) بِالنُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُثَنَّاةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ نَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَجَوَابَهُ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

  32. قَوْلُهُ: (أَيَا سَعْدُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَيْ سَعْدُ.

  33. قَوْلُهُ: (أَبُو حُبَابٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَكَنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ مَشْهُورًا بِهَا أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّفِ.

  34. قَوْلُهُ: (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ) بِثُبُوتِ الْوَاوِ لِلْأَكْثَرِ، وَبِحَذْفِهَا لِبَعْضِهِمْ.

  35. قَوْلُهُ: (أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ الْبُحَيْرَةِ بِالتَّصْغِيرِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَرْيَةِ وَعَلَى الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَنَقَلَ يَاقُوتٌ أَنَّ الْبَحْرَةَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.

  36. قَوْلُهُ: (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ) يَعْنِي: يُرَئِّسُوهُ عَلَيْهِمْ وَيُسَوِّدُوهُ، وَسُمِّيَ الرَّئِيسُ مُعَصَّبًا؛ لِمَا يَعْصِبُ بِرَأْسِهِ مِنَ الْأُمُورِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يُعَصِّبُونَ رُءُوسَهُمْ بِعِصَابَةٍ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ، يَمْتَازُونَ بِهَا، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ: فَيُعَصِّبُونَهُ وَالتَّقْدِيرُ فَهُمْ يُعَصِّبُونَهُ، أَوْ فَإِذَا هُمْ يُعَصِّبُونَهُ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الْخَرَزَ لِنُتَوِّجَهُ، فَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ.

  37. قَوْلُهُ: (شَرِقَ بِذَلِكَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: غُصَّ بِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَسَدِ، يُقَالُ: غُصَّ بِالطَّعَامِ وَشَجِيَ بِالْعَظْمِ وَشَرِقَ بِالْمَاءِ إِذَا اعْتَرَضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَلْقِ فَمَنَعَهُ الْإِسَاغَةَ.

  38. قَوْلُهُ: (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ) هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ ابْنُ حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ مُتَّحِدًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُخَرِّجْ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ.

  39. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الْآيَةَ، وَبِمَا بَعْدَ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا تَتَبَيَّنُ الْمُنَاسَبَةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾

  40. قَوْلُهُ: (حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ) أَيْ: فِي قِتَالِهِمْ، أَيْ: فَتَرَكَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَرَكَهُ أَصْلًا بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَرْكِ الْقِتَالِ أَوَّلًا وَوُقُوعِهِ آخِرًا، وَإِلَّا فَعَفْوُهُ ﷺ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ

    vol. 9, p. 233بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَصَفْحُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ مَشْهُورٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَالسِّيَرِ.