٣٧ - باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام
61 paragraphs · vol. 13, p. 166
Page 2 of 2
- vol. 13, p. 169
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أُحْيِي أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ أَيْضًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا.
-
قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَعَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بِجِيمٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّهُ الرَّاجِحُ فِي الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: يُجَانِئُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَجِيمٍ مَهْمُوزٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كَالسَّرَخْسِيِّ وَالصَّوَابُ: يَحْنِي أَيْ يَمِيلُ.
-
وَجُمْلَةُ مَا حَصَلَ لَنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلَانِ وَالثَّالِثُ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَبِالْهَمْزَةِ. الرَّابِعُ: كَالْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ. الْخَامِسُ: كَالثَّانِي إِلَّا أَنَّهُ بِوَاوٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ. السَّادِسُ: كَالْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ بِالْجِيمِ. السَّابِعُ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ. الثَّامِنُ: يُجَانِي بِالنُّونِ. التَّاسِعُ: مِثْلُهُ لَكِنْ بِالْحَاءِ. الْعَاشِرُ: مِثْلُهُ لَكِنَّهُ بِالْفَاءِ بَدَلَ النُّونِ وَبِالْجِيمِ أَيْضًا.
-
وَرَأَيْتُ فِي الزُّهْرِيَّاتِ الذُّهْلِيِّ بِخَطِّ الضِّيَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: يُجَافِي بِجِيمٍ وَفَاءٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَعَلَى الْفَاءِ صح صح.
-
قَوْلُهُ: (يَقِيهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ قَافٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَحْنِي، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: يَسْتُرُهَا، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ قَامَ عَلَى صَاحِبَتِهِ يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَةَ
vol. 13, p. 170حَتَّى قُتِلَا جَمِيعًا، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي تَحْقِيقِ الزِّنَا مِنْهُمَا.
-
وَفِي هَذَا الْحَديثِ مِنَ الْفَوَائِدِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ إِذَا زَنَى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ ذَهِلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ الْمُوجِبَ لِلرَّجْمِ الْإِسْلَامُ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَأَحْمَدَ لَا يَشْتَرِطَانِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُمَا وُقُوعُ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُجِمَا كَانَا قَدْ أُحْصِنَا كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ وَرَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ: شَرْطُ الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامُ.
-
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ؛ فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ، قَالُوا: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ وَالْعَمَلِ بِهَا حَتَّى يُنْسَخَ ذَلِكَ فِي شَرْعِهِ، فَرَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ أُحْصِنَ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ كَمَا تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
-
وَفِي دَعْوَى الرَّجْمِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحْصَنْ نَظَرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ لِأَنَّ الْيَهُودَ يَوْمئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَا فَعَلَهُ، قَالَ: وَإِذَا أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ فَلَأَنْ يُقِيمَهُ عَلَى مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ أَوْلَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يُعْتَرَضُ عَلَى جَوَابِ مَالِكٍ بِكَوْنِهِ رَجَمَ الْمَرْأَةَ وَهُوَ يَقُولُ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ، إِلَّا إِنْ أَجَابَ: ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَأَيَّدَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُمَا كَانَا حَرْبِيَّيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنْ مَجِيئَهُمْ سَائِلِينَ يُوجِبُ لَهُمْ عَهْدًا كَمَا لَوْ دَخَلُوا لِغَرَضٍ كَتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ فِي أَمَانٍ إِلَى أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ هَذَا إِلَّا أَنْ يَقُولَ: إِنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: دَعْوَى أَنَّهُمَا كَانَ حَرْبِيَّيْنِ بَاطِلَةٌ بَلْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، كَذَا قَالَ: وَسَلَّمَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحَاكِمَ مُخَيَّرٌ إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، فَاخْتَارَ ﷺ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ عِنْدَهُ الْإِسْلَامُ وَهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ، وَانْفَصَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا كَانَا مُحَكِّمَيْنِ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَمُخْتَبِرَيْنِ مَا عِنْدَهُ فِي الْبَاطِنِ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ حَقٌّ أَوْ مُسَامِحٌ فِي الْحَقِّ، وَهَذَا لَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَلَا يَخْلُصُ عَنِ الْإِيرَادِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي الْحَدِيثِ أنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْيَهُودِ فِيمَا حَكَّمُوهُ فِيهِ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ كَيْفَ يُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَرَاهُ فِي شَرْعِهِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَدْعَى شُهُودَهُمْ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، وَلَوْ جَاءُونِي لَحَكَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ، وَلَمْ أَعْتَبِرِ الْإِسْلَامَ فِي الْإِحْصَانِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدُّ الزَّانِي حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَعَلَى الْحَاكِمِ إِقَامَتُهُ، وَقَدْ كَانَ لِلْيَهُودِ حَاكِمٌ وَهُوَ الَّذِي حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الزَّانِيَيْنِ حَكَّمَاهُ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّحْكِيمَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِغَيْرِ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَحُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ لَا بِطَرِيقِ التَّحْكِيمِ، وَأَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَرَدَّهُ الْخَطَّابِيُّ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْقَوْمُ سَائِلِينَ عَنِ الْحُكْمِ عِنْدَهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمَنْسُوخِ، فَدَلَّ
vol. 13, p. 171عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالنَّاسِخِ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مَعْنَاهُ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِشَرِيعَتِهِ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الرَّجْمَ جَاءَ نَاسِخًا لِلْجَلْدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ الرَّجْمَ شُرِعَ ثُمَّ نُسِخَ بِالْجَلْدِ ثُمَّ نُسِخَ الْجَلْدُ بِالرَّجْمِ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الرَّجْمِ بَاقِيًا مُنْذُ شُرِعَ، فَمَا حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالرَّجْمِ بِمُجَرَّدِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ بِشَرْعِهِ الَّذِي اسْتَمَرَّ حُكْمُ التَّوْرَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَدَّرْ أَنَّهُمْ بَدَّلُوهُ فِيمَا بَدَّلُوا.
-
وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَهُمَا أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْقِصَّةِ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْيَهُودُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْفَوْرُ، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَالْمَسْجِدُ لَمْ يَكْمُلْ بِنَاؤُهُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ دُخُولِهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَبَطَلَ الْفَوْرُ.
-
وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ، وَعَبْدُ اللَّهِ إِنَّمَا قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ مُسْلِمًا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ.
-
وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ تَكُونُ قَاعِدَةً، هَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ.
-
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومَةِ، فَمَنْ يَرَى أَنَّهُ يُحْفَرُ لَهَا تَكُونُ فِي الْغَالِبِ قَاعِدَةً فِي الْحُفْرَةِ. وَاخْتِلَافُهُمْ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا قَاعِدَةً أَوْ قَائِمَةً إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَلْدِ، فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِصُورَةِ الْجَلْدِ عَلَى صُورَةِ الرَّجْمِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
-
وَفِيهِ قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَدَعَا بِالشُّهُودِ أَيْ شُهُودِ الْإِسْلَامِ عَلَى اعْتِرَافِهِمَا، وَقَوْلُهُ: فَرَجَمَهُمَا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ أَيِ الْبَيِّنَةِ عَلَى اعْتِرَافِهِمَا، وَرُدَّ هَذَا التَّأْوِيلُ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِالِاعْتِرَافِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ، لَا فِي حَدٍّ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي ذَلِكَ. وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ حَالَةَ السَّفَرِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ عَنْ وَاقِعَةِ الْيَهُودِ بِأَنَّهُ ﷺ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَ أَنَّهُ حُكْمُ التَّوْرَاةِ وَأَلْزَمَهُمُ الْعَمَلَ بِهِ إِظْهَارًا لِتَحْرِيفِهِمْ كِتَابَهُمْ وَتَغْيِيرِهِمْ حُكْمَهُ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَذَا قَالَ، وَالثَّانِي مَرْدُودٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَجَمَهُمَا بِالِاعْتِرَافِ، فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَعَلَّ الشُّهُودَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالزِّنَا.
قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَيَحْتَمِلَ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ لِسُؤَالِ بَقِيَّةِ الْيَهُودِ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ كَلَامَهُمْ وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِمْ إِلَّا مُسْتَنِدًا لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِالْوَحْيِ وَأَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ بَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وَأَنَّ شُهُودَهُمْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ عِنْدَ أَحْبَارِهِمْ بِمَا ذُكِرَ فَلَمَّا رَفَعُوا الْأَمْرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ اسْتَعْلَمَ الْقِصَّةَ عَلَى وَجْهِهَا فَذَكَرَ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الرُّوَاةِ مَا حَفِظَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
-
وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَجْلُودَ يُجْلَدُ قَائِمًا إِنْ كَانَ رَجُلًا وَالْمَرْأَةُ قَاعِدَةً؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَهِيَ قَاعِدَةٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ قِيَامَ الرَّجُلِ كَانَ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مُسْتَوْفًى، وَعَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّجْمِ وَلَا يُضَمُّ إِلَيْهِ الْجَلْدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَكَذَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَلَوِ احْتُجَّ بِهِ لِعَكْسِهِ لَكَانَ أَقْرَبَ لِأَنَّهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الزَّانِيَ جُلِدَ أَوَّلًا ثُمَّ رُجِمَ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ بِأَنَّ الْجَلْدَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ لَمْ يَكُنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ.
-
وَفِيهِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِحْصَانِ فَرْعُ ثُبُوتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ.
-
وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَفِي أَخْذِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ
vol. 13, p. 172بُعْدٌ.
-
وَفِيهِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَنْسُبُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ مَا لَيْسَ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا أَقْدَمُوا عَلَى تَبْدِيلِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْجَوَابِ حَيْدَةٌ عَنِ السُّؤَالِ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَمَّا يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فَعَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِمَا يَفْعَلُونَهُ وَأَوْهَمُوا أَنَّ فِعْلَهُمْ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، فَأَكْذَبَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.
-
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُسْقِطُوا شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِهَا كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِذَلِكَ غَيْرُ وَاضِحٍ لِاحْتِمَالِ خُصُوصِ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ، وَكَذَا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي أُحْضِرَتْ حِينَئِذٍ كَانَتْ كُلُّهَا صَحِيحَةً سَالِمَةً مِنَ التَّبْدِيلِ لِأَنَّهُ يَطْرُقُهُ هَذَا الِاحْتِمَالَ بِعَيْنِهِ وَلَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: آمَنْتُ بِكَ وَبِمَنْ أَنْزَلَكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَصْلُ التَّوْرَاةُ.
-
وَفِيهِ اكْتِفَاءُ الْحَاكِمِ بِتُرْجُمَانٍ وَاحِدٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.
-
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَنَا بِدَلِيلِ قُرْآنٍ أَوْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا أَوْ نَبِيِّهِمْ أَوْ شَرِيعَتِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَمْ يُنْسَخْ مِنَ التَّوْرَاةِ أَصْلًا.