(٥٦٣) - (حديث: " أن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاءه داوموا على القصر "
37 paragraphs · vol. 3, p. 3
- vol. 3, p. 3
* صحيح المعنى.
-
وأما اللفظ فلم أره فى شىء من دواوين السنة , والظاهر أن المؤلف أخذه من مجموعة من الأحاديث , فأنا أذكر بعضها مما يدل على المعنى:
الأول: عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: " صحبت ابن عمر فى طريق مكة , قال: فصلى لنا الظهر ركعتين , ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله , وجلس وجلسنا معه , فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى , فرأى ناساً قياماً , فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون , قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتى , يا ابن أخى إنى صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر فلم يزد
على ركعتين حتى قبضه الله , وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله , وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله , ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله , وقد قال الله (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة) ".
-
أخرجه البخارى (١/٢٨٠) ومسلم (٢/١٤٤) وأبو عوانة (٢/٣٣٥) وأبو داود (١٢٢٣) والنسائى (١/٢١٣) والترمذى (٢/٥٤٤) وحسنه والبيهقى (٣/١٥٨) وأحمد (٢/٢٤ و٥٦) عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه به ,
والسياق لمسلم.
- ولفظ البخارى:
- vol. 3, p. 4
" صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين , وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك " .
-
وهو رواية لأحمد , وفى أخرى له (٢/٤٤ ـ ٤٥) من طريق خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم به بلفظ: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان يصلى صلاة السفر يعنى ركعتين , ومع أبى بكر , وعمر , وعثمان ست سنين من إمرته , ثم صلى أربعاً " .
-
ثم أخرجه هو (٢/٢١) وأبو عوانة (٢/٣٣٨) من هذا الوجه نحوه.
قلت: ورواية خبيب هذه ـ وهو ثقة ـ تبين خطأ قول عيسى بن حفص فى روايته عن عثمان: " فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله " فقد زاد عليهما فى آخر أمره كما فى هذه الرواية الصحيحة عن حفص , وقد تابعه جماعة , ولذلك أنكر بعض المحققين قول عيسى هذا , ففى " نصب الراية " (٢/١٩٢) : " قال عبد الحق: هكذا فى هذه الرواية , والصحيح أن عثمان أتم فى آخر الأمر ,
كما أخرجاه من رواية نافع عنه , ومن رواية ابنه سالم أنه عليه السلام صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين وأبو بكر وعمر {وصلى عثمان ركعتين صدرا من خلافته ثم أتمها أربعا انتهى} .
-
وله طريق أخرى عن ابن عمر , فقال عوف الأزدى: " كان عمر بن عبيد الله بن معمر أميراً على فارس , فكتب إلى ابن عمر يسأله عن الصلاة؟ فكتب ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إذا خرج من أهله صلى ركعتين حتى يرجع إليهم ".
-
أخرجه أحمد (٢/٤٥) وإسناده حسن فى المتابعات والشواهد , رجاله
vol. 3, p. 5كلهم ثقات غير عوف هذا , أورده ابن أبى حاتم (٣/١/٣٨٥) وسمى أباه عبد الله , ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً , وذكره ابن حبان فى " الثقات " (١/١٧٤) .
-
وله فى المسند طرق أخرى , وسيأتى أحدها فى الحديث (٥٧٧) .
-
الثانى: عن أنس بن مالك قال: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع , قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشراً " .
-
أخرجه البخارى (١/٢٧٦) ومسلم (٢/١٤٥) وأبو عوانة (٢/٣٤٦ ـ ٣٤٧) والنسائى (١/٢١٢) والترمذى (٢/٤٣٣) والدارمى (١/٣٥٥) وابن ماجه (١٠٧٧) والبيهقى (٣/١٣٦) وأحمد (٣/١٨٧ و١٩٠) .
وقال الترمذى: " حديث حسن صحيح " .
-
الثالث: عن ابن عباس , وله عنه طريقان:
- ١ ـ عن سعيد بن شفى قال:
-
" جعل الناس يسألون ابن عباس عن الصلاة؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين حتى يرجع إليهم " .
-
أخرجه الطحاوى (١/٢٤٢) وأحمد (١/٢٤١ و٢٨٥) وابن أبى شيبة (٢/١٠٩/٢) من طريق أبى إسحاق عنه.
قلت: رجاله ثقات غير أن أبا إسحاق ـ وهو السبيعى ـ كان اختلط.
- ٢ ـ عن ابن سيرين عن ابن عباس:
-
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر من المدينة لا يخاف إلا الله عز وجل فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع " .
-
أخرجه أحمد (١/٢١٥ و٢٦٦) وابن أبى شيبة (٢/١١٠/١) وسنده صحيح على شرط الشيخين , وقد أخرجه النسائى أيضاً (١/٢١١) . والترمذى (٢/٤٣١) وقال: " حديث حسن صحيح " .
قلت: ويعارض هذه الأحاديث حديث عائشة قالت: " قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر وأتم " .
-
أخرجه الطحاوى (١/٢٤١) وابن أبى شيبة (٢/١١١/٢) والدارقطنى (٢٤٢) والبيهقى (٣/١٤١ ـ ١٤٢) من طريق مغيرة بن زياد عن عطاء بن أبى رباح عنها.
-
ولكنه لا يصح , فإن المغيرة هذا قال الدارقطنى عقبه: " ليس بالقوى " .
-
وقد سأل عبد الله بن أحمد أباه عن حديثه هذا: يصح؟ فقال: " له أحاديث منكرة , وأنكر هذا الحديث " كما فى مسائله (١٠٧) .
-
وقد تابعه طلحة بن عمرو , عند الدارقطنى والبيهقى , ولكنها متابعة واهية لا تقوم بها حجة.
-
فإن طلحة هذا , قد قال الدارقطنى فيه: " ضعيف " وقد ألان الدارقطنى القول فيه فإن حاله أشد مما ذكر , فقد قال أحمد والنسائى: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: " كان ممن يروى عن الثقات ما ليس من أحاديثهم , لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب " .
-
وفى " التقريب " : أنه متروك.
-
وقد خالفهما عمر بن ذر المرهبى , فقال: أخبرنا عطاء بن أبى رباح " أن عائشة كانت تصلى فى السفر المكتوبة أربعاً " .
- vol. 3, p. 7
أخرجه البيهقى وقال: " عمربن ذر كوفى ثقة " .
قلت: فروايته أولى , وهى تدل على أن الإتمام إنما هو عن عائشة موقوفا عليها , وهذا ثابت عنها من غير طريق , فى الصحيحين وغيرهما كما يأتى , وأما الرفع فلم يثبت عنها من وجه يصح.
-
وقد رواه الدارقطنى ومن طريقه البيهقى (٣/١٤١) وابن الجوزى فى " التحقيق " (١/١٥٣/١) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم حدثنا عمرو بن سعيد عن عطاء بن أبى رباح عنها: " أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقصر فى السفر
ويتم , ويفطر ويصوم ".
وقال: " هذا إسناد صحيح " .
قلت: ورجاله كلهم ثقات غير ابن ثواب , فإنى لم أجد له ترجمة فى غير " تاريخ بغداد " ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو مجهول الحال كما سبق بيانه فى حديث " لا يمس القرآن إلا طاهر " رقم (١٢٢) فلا تطمئن النفس لصحة هذا الحديث , وهذا إذا كانت الرواية بلفظ: " يتم " و " يصوم " أى النبى صلى الله عليه وسلم , كما وقع ذلك فى السنن المطبوعة , أما إذا كانت بلفظ " وتتم " " وتصوم " كما أورده الحافظ فى " التلخيص " (ص ١٢٨) مصرحاً ومقيداً له بأنه بالمثناة من فوق , فلا إشكال حينئذ , لأن المعنى أن عائشة هى التى كانت تتم , وهذا عنها صحيح كما سبق. ولكن فيما أورده الحافظ نظر عندى , لأن الرواية فى السنن كما ذكرنا بالمثناة التحتية , وكذلك فى " تحقيق ابن الجوزى " و " نصب الراية " للزيلعى (٢/١٩٢) من طريق الدارقطنى.
-
ومن الغريب أن الحافظ مع إيراده ما سبق قال عقب ذلك: " وقد استنكره أحمد , وصحته بعيدة , فإن عائشة كانت تتم , وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان , كما فى الصحيح , فلو كان عندها عن النبى صلى الله عليه وسلم رواية لم يقل عروة عنها أنها تأولت , وقد ثبت فى الصحيحين خلاف ذلك " .
- vol. 3, p. 8
ووجه الغرابة , أن الذى استنكره أحمد إنما هو رفع الحديث إلى النبى صلى الله عليه وسلم , وهو الذى يتوجه إليه قول الحافظ (وصحته بعيدة ... " وما بعده من التعليل , لا الموقوف , فلعل ضمير " استنكره " فى كلامه راجع إلى الحديث الذى ساقه الحافظ قبل هذا وهو عن عائشة قالت: " سافرت مع النبى صلى الله عليه وسلم فلما رجعت قال: ما صنعت فى سفرك؟ قلت: أتممت الذى قصرت , وصمت الذى أفطرت , قال: أحسنت ".
-
هذا لفظ الحديث فى شرح الرافعى.
فقال الحافظ فى تخريجه: " النسائى والدارقطنى والبيهقى من حديث العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة: " أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى , أتممتُ وقصرتَ , وأفطرتَ وصمت , فقال: أحسنت يا عائشة , وما عاب على " .
-
وفى رواية الدارقطنى: " عمرة فى رمضان " واستنكر ذلك , فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر فى رمضان , وفيه اختلاف فى اتصاله.
قال الدارقطنى: عبد الرحمن أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق , وهو كما قال ففى " تاريخ البخارى " وغيره ما يشهد لذلك , وقال أبو حاتم: دخل عليها وهو صغير , ولم يسمع منها.
قلت: وفى ابن أبى شيبة والطحاوى ثبوت سماعه منها.
-
وفى رواية للدارقطنى: عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة.
قال أبو بكر النيسابورى: من قال فيه عن أبيه أخطأ.
-
واختلف قول الدارقطنى فيه , فقال فى السنن: إسناده حسن.
وقال فى العلل: " المرسل أشبه " .
قلت: ولعل الإرسال هو علة الحديث , وقد تعلق بعضهم فى إعلاله بالعلاء بن زهير لقول ابن حبان فيه: " يروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات , فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات " .
-
فقد رد الذهبى ثم العسقلانى هذا القول بأن العبرة بتوثيق يحيى ـ يعنى أن ابن معين قد وثقه ـ , فلا يعتد بتضعيف ابن حبان إياه , لاسيما وهو قد أورده
vol. 3, p. 9فى " الثقات " أيضاً , فتناقض.
-
وقد ذكر العلامة ابن القيم فى " زاد المعاد " أن الحديث لا يصح , ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمة أنه قال: " هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
-
فليراجع كلامه فى ذلك من شاء (١/١٨١ ـ ١٨٢) .