شرح نظم اللؤلؤ المكنون (٧)
119 paragraphs · vol. 7, p. 1
Page 3 of 3
- vol. 7, p. 20
ثم ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه شرب قائماً، فدل على أن النهي للكراهة لا للتحريم فهذا صارف، الأصل أن نهيه مع شربه فيه تعارض، فيه تعارض وإلا ما فيه تعارض؟ فيه تعارض في الظاهر، لكن وجه الجمع بينهما أن النهي يحمل على التنزيه لا التحريم، والفعل يدل على الجواز، وقل مثل هذا في الأمر.
-
"واخصص .. "
-
قرأت البيتين؟
-
طالب: إيه قريته قريته.
واخصص بما خص عموماً وردا ... والمطلق احمله على ما قيدا
عندنا عام وخاص، ومطلق ومقيد، "واخصص بما خص" يأتيك نصٌ عام ثم يرد ما يخصصه يرد ما يخصصه، والعام ما يشمل أفراد، والتخصيص إخراج بعض الأفراد بدليل، والمطلق ما يشمل أوصاف والتقييد تقليل لهذه الأوصاف، فعندنا الأمر العام والخاص، فاللفظ العام لفظٌ شائع يشمل أفراد متعددة، ثم إذا جاء نصٌ خاص ببعض الأفراد فلا يخلو إما أن يكون الحكم أعني حكم الخاص موافق لحكم العام، فمثل هذا يخصص به أو لا يخصص إذا كان الحكم موافق؟ إذا قال: أعطِ بني تميم، ثم قال: أعطِ زيداً، هل معنى هذا أننا لا نعطي إلا زيد؟ نعم؟ {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ} [ (١٦٣) سورة النساء] نوح خاص والنبيين عام، فالحكم واحد موافق لحكم العام وهو في مثل هذه الصورة لا يخص به ولا يقصر عليه، وإنما يذكر الخاص للاهتمام بشأنه والعناية به، فإذا قيل: أعطِ بني تميم ثم قيل بعد ذلك: أعطِ زيداً لا يقتضي التخصيص.
- vol. 7, p. 21
يعني لو وجدنا في وصية وصية مثلاً: هذا العقار ريعه على بني تميم مثلاً، ثم بعد ذلك: يعطى طلاب العلم منهم كذا، هل غير طلاب العلم من بني تميم ما يعطون؟ إلا يعطون، لكن التنصيص على طلاب العلم للاهتمام بشأنهم والعناية بهم، لكن لو كان الحكم مخالف لحكم العام قلنا: بحمل العام على الخاص، فلو قيل مثلاً: أعطِ بني تميم، ثم قيل: لا تعطِ العزاب من بني تميم، قلنا: إن هذا الموصي يشجع على الزواج، وحينئذٍ لا يعطى العزاب؛ لأن الحكم يختلف، حكم الخاص يختلف عن حكم العام، وقل مثل هذا في المطلق والمقيد، يأتيك لفظ مطلق ثم يقيد ببعض الأوصاف لبعض الأوصاف.
-
"المطلق احمله على ما قيدا" وهذا من أوجه الجمع، فلا يبطل النص بالكلية وإن كان رفع لبعض أفراده بهذه الطريقة، بعض أفراد العام يرفع بالمخصص، وبعض أوصاف المطلق ترفع بالقيد الذي يذكر في النص المقيد.
-
لكن قد يعترينا أمور تشكل علينا مع هذا، يكون التعارض من أكثر من وجه، إما أن يكون التعارض وجهي بين نصين، يكون التعارض وجهي، بمعنى أن هذا يكون أعم من وجه وأخص من وجه، والثاني أعم من وجه وأخص من وجه كما في مسألة فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وهذه مسألة بسطت كثيراً في مناسبات كثيرة، لكن قد يكون التعارض من وجهٍ آخر، عندك عام وخاص، لكن العام منطوق والخاص مفهوم، هذا له وجه قوة وله وجه ضعف، وهذا له وجه قوة ووجه ضعف.
-
((إن الماء طهور لا ينجسه شيء) ) هذا عام، هذا عام ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء) ) وهو منطوق في أن جميع الماء لا يؤثر فيه شيء مهما وقع فيه من النجاسات إلا بالاستثناء الذي دل عليه الإجماع: إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه، أما الاستثناء في النص فهو ضعيف باتفاق الحفاظ.
- vol. 7, p. 22
هذا المنطوق بعمومه هو عام، هذا المنطوق بعمومه معارضٌ بمفهومٍ خاص، حديث القلتين: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ) عند من يصححه، منطوقه: أنه إذا بلغ الماء القلتين فأكثر أنه لا يتأثر، فمنطوقه موافق لحديث أبي سعيد أن ((الماء طهور لا ينجسه شيء) ) لكن مفهومه، مفهومه أنه إذا لم يبلغ القلتين أنه يحمل الخبث ولو لم يتغير، وهذا المفهوم مخالف لمنطوق حديث أبي سعيد، وهو وإن كان المفهوم خاصاً والمنطوق عاماً إلا أنه فيه معارضة، فهل يقدم منطوق حديث أبي سعيد على مفهوم حديث ابن عمر في القلتين؟ أو يقدم الخاص وإن كان خصوصه بالمفهوم على عموم حديث أبي سعيد وإن كانت دلالته بالعموم؟ فما الذي يقدم؟ يعني مسألة عام وخاص أمرها سهل ما بتشكل على آحاد الطلاب، العموم والخصوص الوجهي ضربنا له أمثلة، وأظن الإخوان ملوا الكلام فيه في مناسبات كثيرة، لكن يبقى مثل هذا.
-
طالب: . . . . . . . . .
-
نعم، هو يحتج بمفهوم المخالفة، الحنابلة والشافعية يحتجون، ومالك. . . . . . . . . مفهوم المخالفة، لكن عندنا منطوق ومفهوم أيهما أقوى؟ المنطوق أقوى من المفهوم، وعندنا عام وخاص أيهما أقوى؟ الخاص أقوى، فمن رجح حديث المفهوم حديث القلتين قال: لأنه خاص، فيخصص به عموم حديث أبي سعيد، ومن رجح عموم حديث أبي سعيد قال: هو منطوق وحديث القلتين مفهوم، والمنطوق أقوى من المفهوم.
-
يعني شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- .. ، عندكم الشافعية والحنابلة رجحوا مفهوم حديث القلتين، وعملوا به، وخصصوا به حديث أبي سعيد، شيخ الإسلام عمل بمنطوق حديث القلتين ولم يعمل بمفهومه؛ لأنه معارض بمنطوق حديث أبي سعيد، وهو قول المالكية، وهو قول المالكية، لكن هل نستطيع أن نوجد مرجحات لما رآه شيخ الإسلام من إلغاء المفهوم؟ إلغاء المفهوم إذا عورض بمنطوق ولو كان عاماً، نعم؟
-
طالب: . . . . . . . . .
-
كلهم أئمة مجتهدون، أئمة مجتهدون، عندك مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة أئمة كبار، نعم؟
-
طالب: . . . . . . . . .
-
كيف؟
-
طالب: . . . . . . . . .
- vol. 7, p. 23
الأصل أن المفهوم معتبر، المفهوم معتبر، لكن إذا عورض بمنطوق أقوى منه يلغى، مثلاً في قوله -جل وعلا-: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [ (٨٠) سورة التوبة] مفهومه أنك لو استغفرت واحد وسبعين مرة أنه يغفر لهم، أنه يغفر لهم، لكنه معارض بالمنطوق {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ} [ (٤٨) سورة النساء] لو استغفرت ألف مرة الباب مقفل، محسومة المسألة، فألغينا المفهوم لمعارضته بالمنطوق.
-
طيب {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [ (١٣٠) سورة آل عمران] مفهومه إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة ضعف وإلا ضعفين نعم؟ يعني الألف بألف وخمسمائة ما فيها ضعف، مفهوم الآية أنه يجوز، لكنه معارض بمنطوقات كثيرة تدل على أن الربا حرام مهما قلت نسبته، فإذا عورض المفهوم بمنطوق فإنه حينئذٍ يلغى المفهوم، وحينئذٍ يكون الكلام لا مفهوم له، لا مفهوم له.
-
ترون ما بدأنا إلا متأخرين يا الإخوان لا تؤاخذونا، مع أن الليل في الصيف قصير، وكثير من الإخوان يصير عنده ارتباطات في الإجازة، لكن إن رأيتم أن نستمر استمرينا، يعني نقف على النسخ؟ نعم؟
- يقول:
-
وهكذا فاجمع بلا تعسف ... . . . . . . . . .
-
بلا تعسف يعني ابحث عن وجوه الجمع المقنعة الواضحة للتوفيق بين النصوص من أجل اتباع فلان أو علان، لا تتعسف اجمع بوجوهٍ معتبرة بين أهل العلم، ولذا تجدون في أوجه الجمع بين النصوص عند أهل العلم فيها أشياء ضعيفة، تجد بعض الأتباع لا بد أن يوجد وجه للجمع وإن لم يكن وجهاً وجيهاً، ولذا قال:
وهكذا فاجمع بلا تعسفِ ... بل بين مدلوليهما فألفِ
بالمناسبة الأتباع أتباع المذاهب يتعاملون مع نصوص أئمتهم كتعاملهم مع نصوص الكتاب والسنة، يجمعون بين أقوالهم إذا كان للإمام أكثر من قول في المسألة، لا بد أن يوجدوا جمع مخرج، ولو بحمل عام على خاص أو مطلق على مقيد، هذا كلامهم بالنص ما هو بافتئات.
-
فإن لم يوجد وجه للجمع نظرنا المتقدم والمتأخر، وإلا فأقربهم من أصوله وقواعده، يقولون مثل هذا الكلام.
وهكذا فاجمع بلا تعسفِ ... بل بين مدلوليهما فألفِ
vol. 7, p. 24بعض الناس يريد أن يجمع فيكون له ملحظ لا يوافق عليه، ملحظ لا يدل عليه الخبر، وهو يريد بذلك أن يوجد مبرر لالتزامه بمذهبه، وقد يند الفهم، قد يكون قصده الحق لكن يخطئ، ما كل من أراد الحق وقصده يصيبه.
ولا يجوز ردك المعارضا ... ما أمكن الجمع بوجهٍ يرتضى
"ولا يجوز ردك المعارضا" النص المعارض لا يجوز أن ترده "ما أمكن الجمع" يعني إذا أمكن الجمع وجب المصير إليه، "ما أمكن الجمع بوجهٍ يرتضى" بغير تعسف كما أشار الشيخ -رحمه الله-، فإذا أمكن الجمع بوجهٍ ظاهر يدل عليه الخبر فيتعين حينئذٍ، ويجب المصير إليه؛ لأن في الجمع عملاً بالنصين؛ لأن في الجمع عملاً بالنصين، وأما حمل العام على الخاص فيه إخراج لبعض الأفراد، حمل المطلق على المقيد فيه إخراج لبعض الأوصاف، القول بالنسخ، ترك .. ، التخصيص والتقييد نسخ جزئي، والنسخ رفع كلي للحكم، فعلى كل حال الجمع إذا أمكن من غير تعسف وجب المصير إليه.
-
أنت وقفت على هذا؟
-
طالب: إيه نعم.
-
لعلنا نقف عليه.
-
الدرس المقرر ساعة ونصف، بحيث لا نمل الإخوان ولا .. ، والليل مثل ما ذكرنا قصير، والمسافات بعيدة، ونقف على هذا -إن شاء الله-.
-
طالب: . . . . . . . . .
-
إيه، المفهوم ضعيف والمنطوق أقوى منه بلا شك، يبقى أن عندنا مسألة العام والخاص، لا شك أن الخاص أقوى من العام، لكن النصوص التي أوردناها من المسائل التي يتفق أهل العلم على عدم التخصيص بالمفهوم مثل {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [ (٨٠) سورة التوبة] مثل: {الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [ (١٣٠) سورة آل عمران] يدل على أن التخصيص بالمفهوم فيه ضعف.
-
طالب: . . . . . . . . .
-
إيه نعم، يقول: المفهوم ملغى، ما يعمل بمفهوم حديث القلتين.
-
طالب: . . . . . . . . .
-
لهذا الأمر؛ لأن المفهوم ضعيف ومعارضٌ بمنطوق، فإذا عورض المفهوم بمنطوق يلغى المفهوم، ويكون الكلام لا مفهوم له.
-
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك.
-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-
يقول: ما أهمية علم المصطلح في هذا الزمان؟ هل له فائدة أم لا؟
- vol. 7, p. 25
أولاً: هذا الزمان كغيره من الأزمان التي يتناولها الحث على طلب العلم، ومن خير ما تصرف فيه الأعمار طلب العلم، ومن أهم العلوم علم السنة بعد علم الكتاب علم السنة، والسنة لا يعرف صحيحها من ضعيفها إلا بواسطة علوم الحديث وعلم المصطلح، فهو من الأهمية بحيث لا يخفى على آحاد المتعلمين، إذا كان موضوع علم المصطلح معرفة الصحيح من الضعيف، المقبول من المردود مما يضاف إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- الأسوة والقدوة، فكيف يتجه مثل هذا السؤال؟ نعم، قد يقول قائل: إن كثير ممن درس هذا العلم استمروا يقلدون في أحكامهم على الرواة، وفي أحكامهم على الأحاديث، فإذا كان التقليد لازماً لطالب العلم فلماذا يدرس هذه الوسائل التي بها يدرك الصحيح والضعيف؟ أقول: إذا رضي لنفسه بالتقليد فليرضى لنفسه أيضاً بتقليد الأئمة في الأحكام أيضاً، ولماذا يدرس علم الأصول؟ ثم بعد ذلك يتسلسل الأمر إلى أن يقول: أكتفي بسؤال أهل العلم، وبهذا يكون عامياً.
-
وكلامي موجهٌ لمن يريد طلب العلم، يريد طلب العلم، بعد أن سمع من النصوص ما يحثه على ذلك ويرغبه فيه، فلا مندوحة لطالب العلم الذي عنده العزيمة على طلب العلم الشرعي لا مندوحة له من دراسة المصطلح وأصول الفقه، وعلوم العربية، وعلوم القرآن، كل هذه مما لا بد لطالب العلم من معرفته، وهي تعين على فهم الكتاب والسنة، وهي وإن لم تكن مقاصد إلا أنها وسائل لفهم الكتاب والسنة.