مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 2 of 79

  1. ورُوِيَ ذلك عن جماعَةٍ من السَّلفِ، من الصَّحابةِ والتّابِعين، وهُو قولُ الثَّوريِّ (٧) .

    vol. 8, p. 344
  2. وكان إسحاقُ بنُ راهويةَ يقولُ: أمّا من أوتَرَ بثلاثٍ، أو خمسٍ، أو سبع، أو تسع، فإن شاءَ سلَّمَ بينهُنَّ، وإن شاءَ لم يُسلِّم إلّا في آخِرِهِنَّ، وأمّا من أوتَرَ بإحدى عَشْرةَ ركعةً فإنَّهُ يُسلِّمُ في كلِّ ركعتَيْنِ، ويُفرِدُ الوِترَ بركعةٍ (١) .

    vol. 8, p. 345
  3. وحُجَّةُ الثَّوريِّ وأبي حنيفةَ وإسحاقَ، ومن تابَعهُم في هذا البابِ، ما رُوي عن عائشةَ في صلاةِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باللَّيل، منها:

    حديثُ سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت صَلاتُه باللَّيلِ أربعًا، ثمَّ أربعًا، ثمَّ ثلاثًا.

  4. ومنها: حديثُ هشام بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٢) كان يُصلِّي باللَّيل إحْدَى عَشْرةَ ركعةً، لا يُسلِّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ.

  5. وألفاظُ الأحاديثِ عن عائشةَ في ذلك مُضطرِبةٌ جِدًّا، وقد ذكَرْناها في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، وسيأتي منها ذِكرٌ في بابِ سَعيدِ بن أبي سعيدٍ، وبابِ هشام بن عُروةَ، إن شاءَ الله.

  6. وحديثُ ابن عُمرَ هذا يَقْضي على ما اختُلِفَ فيه من حديثِ عائشةَ في هذا البابِ؛ لأنَّ حديثَ ابن عُمرَ لم يُختلَف فيه: أنَّ صلاةَ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، وإنَّما اختُلِفَ في ذِكرِ صَلاةِ النَّهارِ فيه، وقولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى" يَقْتضي التَّسليمَ والجُلُوسَ في كلِّ رَكْعتينِ منها، وهذا هُو الصَّوابُ، إن شاءَ الله، الذي لا يدُلُّ لفظُ مَثْنَى إلّا عليه، ألا تَرى أنَّهُ لا يجُوزُ أن يُقالَ: صلاةُ الظُّهرِ مَثْنَى مَثْنَى، وإن كان يجلسُ في الرَّكعتينِ منها؟

  7. وأجازَ جماعةُ العُلماءِ، أن يكونَ الوِترُ ثلاثَ رَكَعاتٍ، لا زيادةَ، واختلَفُوا هل يُفصَلُ بينَ الرَّكعتينِ والرَّكعةِ بتَسليم أم لا؟

    vol. 8, p. 346فقال منهُم قائلُونَ: الوِترُ ثلاثٌ، لا يُفصَلُ بينهُنَّ بتَسْليم، ولا يُسلَّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ. رُوي ذلك عن عُمرَ بن الخطّابِ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابنِ مسعُودٍ، وأُبيِّ بن كَعْبٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، وأنسِ بن مالكٍ، وأبي أُمامَةَ، وعُمرَ بن عبدِ العزيز (١) . وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والحسنُ بن حيِّ.

    وقال الثَّوريُّ: أحَبُّ إليَّ أن يُوتِرَ بثلاثٍ، لا يُسلِّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ. قال: وإن شِئتَ أوْتَرتَ برَكْعةٍ، وإن شِئتَ بثلاثٍ، وإن شِئتَ (٢) بخَمْسٍ، وإن شِئتَ (٣) بسَبْع، وإن شِئتَ بتِسع، وإن شِئتَ بإحدى عَشْرةَ، لا تُسلِّمُ إلّا في آخِرِهِنَّ (٤) . قال: والذي أُجمِعَ عليه من الوِتر: أنَّهُ بثلاثٍ.

    وقال آخرُونَ: يُفصَلُ بين الشَّفع والوترِ بتَسْليم.

  8. رُوي عن ابن عُمرَ (٥) رحِمهُ الله: أنَّهُ كان يُسلِّمُ بين الرَّكعتينِ والرَّكْعةِ (٦) في الوترِ حتَّى يأمُرَ ببعضِ حاجتِه (٧) .

  9. ورُوي مِثلُ قول ابن عُمرَ في الفَصْلِ بين الشَّفع والوترِ بالتَّسليم: عن عُثمانَ بن عفّانَ، وعبدِ الله بن عبّاس، وسعدِ بن مالكٍ، وزيدِ بن ثابتٍ (٨) ، وأبي موسى

    vol. 8, p. 347الأشْعَريِّ، ومُعاويةَ، وعائشةَ، وابنِ الزُّبيرِ. وفعَلَهُ مُعاذٌ القارئ، مع رِجالٍ من أصحابِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (١) . وهُو قولُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، وعَطاءِ بن أبي رَباح (٢) ، ومالكٍ، والأوزاعيِّ، والشّافِعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثَوْرٍ.

    وقال الأوزاعيُّ: إن فصلَ فحسنٌ، وإن لم يفصِل فحَسنٌ (٣) .

  10. وكلُّ هؤُلاءِ يُجيزُونَ الوترَ برَكْعةٍ، غير أنَّ مالكًا، والأوزاعيَّ، والشّافِعيَّ، وأحمدَ، وإسحاقَ يَسْتحِبُّون أن يُصلِّي رَكْعتينِ قبلها، ثُمَّ يُسلِّمَ، ثُمَّ يُوتِرَ بركعةٍ. وكان مالكٌ من بينِهِم يَكْرهُ أن يكونَ الوترُ رَكْعةً واحِدةً مُنفرِدةً، لا يكونُ قبلَها في شيءٌ، وكان يجِبُ على أصْلهِ - في التَّسليمِ (٤) بين الشَّفع والوترِ - ألّا يَكْرهَ الوترَ بركعةٍ منفردة.

  11. وقد حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا المُفضَّلُ (٥) بن محمدٍ الجَنَديُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن زيادٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو قُرَّةَ، قال: سألتُ مالكًا عن الرَّجُل ينامُ عن الوترِ (٦) حتَّى يُصبِحَ، فقال لي: إن كان صلَّى من اللَّيلِ شيئًا، فليُوتِر برَكْعةٍ واحِدةٍ، وإن كان لم يُصلِّ في ليلتِهِ تلك شيئًا، فليُوتِر بثلاث: يُصلِّي رَكْعتينِ، ثُمَّ يُسلِّمُ، ثُمَّ يُوتِرُ بواحِدةٍ، لقَولِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبحَ صلَّى ركعةً واحِدةً، تُوتِرُ لهُ ما قد صَلَّى".

    vol. 8, p. 348قال أبو عُمر: وممَّن رُوِيَ عنهُ أيضًا، أنَّهُ أجازَ الوترَ برَكْعةٍ ليس قبلها شيءٌ، كأنَّهُ صلَّى العِشاءَ، ثُمَّ أوترَ برَكْعة: عُثمانُ بن عفّان، وسَعْدُ بن أبي وقّاص (١) ، وعبدُ الله بن عُمرَ، وعبدُ الله بن الزُّبيرِ، وأبو موسى الأشعريُّ، وابنُ عبّاس، ومُعاويةُ (٢) .

  12. وقد رُوِيَ عن ابن عبّاس، أنَّهُ قيل لهُ: أوتَرَ مُعاويةُ برَكْعةٍ، ليسَ قبلها صلاةٌ، فقال: أصابَ. ورُوِيَ عنهُ في ذلكَ أيضًا أنَّهُ قال: أصابَ السُّنَّةَ (٣) .

  13. وبه قال سعيدُ بن المُسيِّبِ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وداودُ بن عليٍّ.

  14. ورَوَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: الوترُ ثلاثٌ، يُسلِّمُ في الرَّكعتينِ.

    قال: وقال مالكٌ في الإِمام الذي (٤) يُوتِرُ بالنّاسِ في رَمَضانَ، فلا يُسلِّمُ بين الشَّفع والوتر: أرَى أن يُصلَّى خلفَهُ ولا يُخالَف. قال مالكٌ: وكُنتُ مرَّةً أُصلِّي مَعَهُم (٥) ، فإذا كان الوِترُ انصرفتُ، ولم أُوْتِر معهُم (٦) .

  15. وقد ردَّ هذا على مالكٍ بعضُ المُتأخِّرينَ، قال: الوترُ معهُم أفضلُ على كلِّ حال؛ لأنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إنَّ الرَّجُلَ إذا قامَ مع الإِمام حتَّى ينصرِفَ، كُتِبَ (٧) لهُ بقيَّةُ ليلتِهِ" (٨) .

    vol. 8, p. 349وقال الشّافِعيُّ: الذي أختارُ للمُصلِّي أن يُصلِّيَ إحْدَى عَشْرةَ ركعةً، يُوتِرُ منها بواحِدةٍ، فإن صلَّى دُونَ ذلك ركعتَيْنِ، ركعتينِ، وأوترَ بواحِدةٍ، وسلَّم من كلِّ ركعتَيْنِ، وسلَّم بين الرَّكعتَيْنِ وركعةِ الوِترِ فحَسَنٌ، وإن أوترَ بواحِدةٍ ليسَ قبلها شيءٌ، فلا حرجَ. قال: وأحبُّ الوترِ إليَّ: إحْدَى عَشْرةَ ركعةً، يُوتِرُ منها بواحِدةٍ، ويُسلِّمُ في كلِّ ركعتَيْنِ منها، ويفصلُ بين الوترِ وبين ما قبلهُ بسَلام.

    قال أبو عُمر: قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى" يُوجِبُ أن يجلسَ المُصلِّي في كلِّ ركعتينِ منها ويُسلِّم، لا يجُوزُ غيرُ ذلك، لأنَّهُ لا يجُوزُ أن يُقال: صَلاةُ الظُّهرِ مَثْنَى مَثْنَى، ولا صَلاةُ العصرِ مَثْنَى مَثْنَى.

  16. وقولُهُ: "فإذا خِفتَ الصُّبحَ، أوتَرْتَ بواحِدةٍ، تُوتِرُ به ما صلَّيتَ" . يُوجِبُ أن يكونَ الوترُ واحِدةً مُنفرِدةً، وإذا جازتِ الرَّكعةُ بعد صَلاةٍ جازت دُونها؛ لأنَّها مُنْفصِلة بالسَّلام منها. وقد ذَكْرنا من أجازَ ذلك، وفعلَهُ، من الصحابةِ رضي الله عنهُم وسائرِ العُلماءِ.

  17. وأمّا كَراهيةُ مالكٍ وأصحابِهِ للوترِ بركعةٍ ليس قبلَها في شيءٌ، فلقَولهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث: "تُوتِرُ لهُ ما قد صلَّى" . ومن لم يُصلِّ قبلَ الرَّكعةِ شيئًا، فأيُّ شيءٍ تُوتِرُ لهُ، والوترُ عندَهُم إنَّما يكونُ لصلاةٍ تقدَّمتهُ، ألا تَرى إلى قول ابن عُمر (١) رحِمهُ الله: صَلاةُ المَغْرِبِ وتْرُ صَلاةِ النَّهار (٢) ؟

  18. وقد رُوِيَ عن ابن مسعُودٍ في هذا المعنى: ما أجزأت رَكْعةٌ قطُّ، سمّاها البُتَيراءَ (١) .

    vol. 8, p. 350
  19. وأمّا الشّافِعيُّ فقال: لو تنفَّلَ أحدٌ برَكْعةٍ، لم أُعنِّفهُ، ولو دخَلَ المسجد فحيّاهُ برَكْعةٍ، لم أعِبْ عليه ذلك، ورَكْعةٌ أحبُّ إليَّ من أن لا يُصلِّي شيئًا، ولستُ آمرُ أحدًا ابتِداءً أن يُصلِّي رَكْعةً واحِدةً يتنفَّلُ بها في غيرِ الوِترِ، فإن فعَلَ لم (٢) أُعنِّفهُ، لأنَّ جَماعةً من الصَّحابةِ رضي الله عثهُم أوترُوا برَكْعةٍ واحدةٍ ليسَ قبلها شيءٌ، والوترُ نافِلةٌ، فكذلك التَّنفُّلُ (٣) .

    وقال مالكٌ وأصحابُهُ: أقلُّ النّافِلةِ رَكْعتانِ، ولا يتنفَّلُ أحَدٌ برَكْعةٍ، لا في تحيَّةِ المسجدِ ولا في الوترِ أيضًا، حتَّى يكون قبلَ ذلك شَفْعٌ أقلُّهُ رَكْعتانِ. وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، والثَّوريِّ.

  20. أخبرنا (٤) عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ بن الفَرَج، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بن سُليمانَ قبيطة (٥) ، قال: حَدَّثَنَا عُثمانُ بن محمدِ (٦) بن ربيعَةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراورديُّ، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعيد الخُدْريِّ: أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عن البُتَيراءِ، أن يُصلِّي الرَّجُلُ رَكْعةً واحِدةً، يُوتِرُ بها (٧) .

  21. هُو عُثمانُ بن محمدِ بن ربيعَةَ بن أبي (١) عبدِ الرَّحمنِ. قال العُقيليُّ: الغالبُ على حديثهِ الوَهمُ (٢) .

    vol. 8, p. 351
  22. واختلَفَ العُلماءُ أيضًا في الوترِ بعد الفَجْرِ، ما لم يُصلَّ الصُّبحُ.

    فقال منهُم قائلُونَ: إذا انفجرَ الصُّبحُ، فقد خرجَ وقتُ الوترِ، ولا يُصلَّى الوترُ بعد انفِجارِ الصُّبح. رُوِيَ ذلك عن ابن عُمر، وعَطاءٍ، والنَّخعيِّ، وسعيدِ بن جُبير (٣) . وبه قال الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأصحابُهُ، وإسحاقُ ابنُ راهوية، إلّا أنَّ أبا حَنِيفةَ كان يقولُ: إذا طلَعَ الفجرُ، فقد خرجَ وقتُ الوترِ، وعليه قَضاؤُهُ؛ لأَنَّهُ واجِبٌ عِنَدهُ.

  23. ومن حُجَّةِ من جعَلَ وقتَ الوترِ آخرهُ طُلُوع الفجر: قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثِ ابن عُمر هذا: "فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحِدةٍ" . وحُجَّتُهُم أيضًا ما ذكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٤) وغيرُهُ، عن ابن جُرَيج، عن سُليمان بن موسى، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ كان يقولُ: من صَلَّى مِنَ (٥) اللَّيلِ فليجعل آخِرَ صَلاتِهِ وترًا، فإنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرَ بذلك، فإذا كان الفجرُ، فقد ذَهَبت صلاةُ اللَّيلِ والوترِ، فإنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أوْتِرُوا قبلَ الفَجْرِ" .

    وقال آخرُونَ: وقتُ الوترِ ما بينَ صَلاةِ العِشاءِ، إلى أن تُصلَّى الصُّبحُ.

  24. ومِمَّن أوتَرَ بعد الفَجْر: عُبادةُ (١) ، وابنُ عبّاس (٢) ، وأبو الدَّرداء (٣) ، وحُذَيفةُ (٤) ، وابنُ مسعُود (٥) ، وعائشةُ (٦) ، وقد رُوِيَ ذلك عن ابن عُمرَ (٧) أيضًا. وبه قال مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، كلُّهُم يقولُ: يُوتِرُ ما لم يُصلِّ الصُّبح (٨) .

    vol. 8, p. 352
  25. واختُلف في هذه المسألةِ عن الأوزاعيِّ وأبي ثورٍ، وكذلك اختُلِفَ فيها عن الشَّعبيِّ، والحسنِ، والنَّخعيِّ (٩) . فرُوِي عنهُمُ القولانِ جميعًا.

    وقال أيُّوبُ السَّخْتيانيُّ، وحُميدٌ: إنَّ أكثرَ وترِنا لَبعْدَ الفَجْرِ.

  26. ومن أهلِ العِلم طائفةٌ رأتِ الوِترَ بعد طُلُوع الشَّمسِ، وبعد صَلاةِ الصُّبح.

  27. وهُو قولٌ ليسَ عليه العملُ عندَ الفُقهاءِ، إلّا ما ذكَرْنا عن أبي حَنِيفةَ، ومن قال بقَولهِ في إيجابِ الوترِ. وقد أوَضْحنا خَطأهُ في ذلكَ في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، وباللّه التَّوفيقُ (١٠) .

  28. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا حامِدُ بن يحيى. وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بن نَصْرٍ، وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ،

    vol. 8, p. 353قال: حَدَّثَنَا الحُميديُّ (١) ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيَينةَ، قال (٢) حامِدٌ: عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ. وقال الحُميديُّ: سمِعتُ الزُّهريَّ وحَدَّثَنَا (٣) عن سالم، عن أبيهِ. ثمَّ اتَّفقا، قال: سمِعتُ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "صَلاةُ اللَّيل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحِدةٍ، ورُبَّما قال: بركعة" .

  29. حَدَّثَنِي خَلَفُ بن قاسم، قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ أبا طالبٍ محمد بن زكرّيا المَقْدِسيَّ، حدَّثهُ ببيتِ المقدِسِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن أحمد بن بُرْدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن المُباركِ الصُّوريُّ (٤) ، قال: حَدَّثَنَا مُعاويةُ بن سلّام، قال: حَدَّثَنِي يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: حَدَّثَنِي أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ ونافِغ مولى ابن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "صَلاةُ اللَّيل رَكْعتان رَكْعتان فإذا خِفتَ الصُّبحَ، فأوْتِرْ بواحدةٍ" (٥) .

  30. ومِمّا يُحتجُّ به أيضًا في أنَّ الرَّكعةَ في الوترِ، لا تكونُ مُنْفرِدةً، لا شيءَ قبلَها: ما أخبرنا به محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب،

    vol. 8, p. 354قال (١) : أخبرنا قُتَيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا الفُضَيلُ (٢) بن عِياضٍ، عن هشام، عن ابن سِيرينَ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: "صَلاةُ المغرِبِ وِترُ صَلاةِ النَّهار" .

  31. أرسَلَهُ أشعَثُ، عن ابن سِيرينَ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (٣) .

  32. ووقَفَهُ (٤) مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قولَهُ (٥) .

  33. ومن حُجَّةِ من أجازَ الوترَ بواحِدةٍ، ليسَ قبلها (٦) شيءٌ: ما رواهُ همّامٌ، عن قَتادةَ، عن عبدِ الله بن شَقيقٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا من أهلِ البادلة سألَ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صَلاةِ اللَّيل، فقال بإصْبَعيهِ هكذا: "مَثْنَى مَثْنَى، والوترُ ركعة من آخِرِ اللَّيل " (٧) .

  34. ورَوَى وَهْبُ بن جريرٍ، عن شُعبَة (٨) ، عن أبي التَّيّاح، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الوترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل" (٩) .

  35. ورَوى (١) القطّانُ، عن شُعبةَ، عن قَتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الوترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل" (٢) .

    vol. 8, p. 355
  36. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكير، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣) : حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُباركِ، قال: حَدَّثَنَا قُرَيشُ بن حيّانَ العِجليُّ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بن وائل، عن الزُّهريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، قال: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الوترُ حقٌّ على كلِّ مُسلم، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخَمْس فليَفْعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بثلاثٍ، فليَفْعَلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِرَ بواحِدةٍ فليَفْعَلْ" .

  37. وتابعهُ الأوزاعيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبرنا العبّاسُ بن الوَليدِ بن مَزْيَد (٥) ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي الزُّهريُّ، قال: حَدَّثَنِي

    vol. 8, p. 356عَطاءُ بن يزيدَ، عن أبي أيُّوبَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الوترُ حقٌّ، فمن شاءَ أوتَرَ بخَمْسٍ (١) ، ومن شاءَ أوتَرَ بثلاثٍ، ومن شاءَ أوتَرَ بواحِدة" .

  38. ورواهُ (٢) ابنُ عُيَينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ، عن أبي أيُّوبَ (٣) موقُوفًا من قولهِ، وزاد: ومن غُلِبَ عليه فليُومِئ إيماءً (٤) .

  39. وذهَبَ النَّسائيُّ إلى أنَّ الصَّحيح عندَهُ موقُوفٌ، وخرَّجهُ أبو داود مرفُوعًا كما ذكَرْنا عنهُ، وهُو أولى إن شاءَ الله.

  40. وقد شُبِّه على قوم من مُتقدِّمي الفُقهاءِ بمِثلِ (٥) هذا الحديثِ وشِبهِه، فقالوا: الوترُ واجِبٌ.