مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 3 of 79
- vol. 8, p. 356
وفي حديثِ الأعرابيِّ في حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ الله، في الخَمْسِ صَلَوات: هل عليَّ غيرُها يا رسُول الله؟ فقال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا، إلّا أن تطوَّعَ" (٦) دليلٌ على أنْ لا فرضَ إلّا الخَمْسُ، وسنُوضِحُ هذا المعنى بما يجِبُ من القولِ فيه، بعد ذِكرِ الاختِلافِ في ذلكَ، ونُبيِّنُ الصَّحيحَ فيه عندَنا، في بابِ أبي سُهَيل (٧) نافِع، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
-
وقد حَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا
vol. 8, p. 357أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبرنا محمُودُ بن غَيْلانَ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصِم، عن عليٍّ، قال: ليسَ الوِترُ بحَتْم (٢) مِثل المكتُوبةِ، ولكنَّهُ سُنَّةٌ سنَّها رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
ومن حديثِ أبي إسحاقَ أيضًا، عن عاصِم بن ضَمْرَةَ، عن عليٍّ، أنَّ رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أوْتِرُوا يا أهلَ القُرآنِ، فإنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ" (٣) .
-
وفي هذا دليلٌ على أنَّهُ غيرُ واجبٍ، ولو كان واجب، ما خُصَّ به أهلُ القُرآنِ (٤) والذين أوجبُوهُ لم يخُصُّوا بوُجُوبه صاحِبَ القُرآنِ من غيرِهِ، وقد يحتمِلُ أن يكونَ أهلُ القُرآنِ هاهُنا: أهلَ الإسلام، ولكنَّ الظّاهِر غيرُ ذلك.
-
وفي حديثِ طلحةَ، وعُبادةَ بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خمسُ صَلَواتٍ" (٥) مع قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨] ، ما يُغني عن قولِ كلِّ قائل، وباللّه التَّوفيقُ.
- vol. 8, p. 358
حديثٌ ثانٍ لنافِع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن عبد الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأتي قُباءً راكبًا وماشيًا.
-
هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، عن نافِع. وتابَعهُ القَعْنبيُّ (٢) ، وإسحاقُ بن عيسى الطِّباعُ (٣) ، وعبدُ الله بن وَهبٍ، وعبدُ الله بن نافِع.
-
ورواهُ جُلُّ رُواةِ "الموطَّأ" (٤) عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ.
-
والحديثُ صحيحٌ لمالكٍ عن نافِع، وعبدِ الله بن دينارٍ، جميعًا عن ابن عُمرَ. على ما رَوَى القعنبيُّ ومن تابَعهُ، فهُو عندَ مالكٍ عنهُما جميعًا، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّهُ كان يأتي قُباءً راكِبًا وماشيًا.
-
والدَّليلُ على أنَّ هذا الحديث لمالكٍ عن نافِع، وأنَّهُ من حديثِ نافِع، كما هُو من حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ، أنَّ أيُّوبَ السَّختيانيَّ وعُبيدَ الله بن عُمرَ، رَوَياهُ عن نافِع، عن ابن عُمرَ، إلّا أنَّ أيُّوبَ قال فيه: مَسجد قُباءٍ. ولم يقُل مالكٌ، ولا عُبيدُ الله: مسجِد قُباءٍ (٥) ، وإنَّما قالا: قُباءً (٦) .
- vol. 8, p. 359
وقُباءٌ مَوْضِع معرُوفٌ، وهُو مُذكَّرٌ ممدُودٌ، قال عَمرُو بن الوَليدِ بن عُقْبةَ أبو قَطِيفةَ (١) :
ألا ليتَ شِعْري هل تغيَّرَ بعدَنا ... قُباءٌ وهل زالَ العَقيقُ (٢) وحاضِرُهُ
وقال ابنُ الزِّبَعْريِّ (٣) :
ليتَ أشْياخِي ببَدْرٍ شَهِدُوا ... جَزَعَ الخزرج من وَقْع الأسَلْ (٤)
حينَ ألْقَتْ بقُباءٍ رَحْلَها ... واسْتَحرَّ القَتْلُ في عبدِ الأشَلّ (٥)
ساعَةً ثُمَّ اسْتَخفُّوا رُقَّصًا ... رقصَ الخيفانِ في سَفْحِ الجَبَلْ
الخيفانُ: اسمُ الجَرادِ أبدانًا.
-
واختُلِفَ في معنى هذا الحديثِ، فقيلَ: كان يأتي قُباءً زائرًا للأنصارِ، وهُم بنُو عَمرٍو. وقيل: كان يأتي قُباءً يتَفرَّجُ في حِيطانِها، ويَسْتريحُ عندَهُم. وقيل: كان يأتي قُباءً للصَّلاةِ في مَسجدِها، تبرُّكًا (٦) ، لمّا نزلَ فيه: أنَّهُ أُسِّس على التَّقوى.
قال أبو عُمر: ليسَ على شيءٍ من هذه الأقاويل دليلٌ لا مدفَعَ لهُ، ومُمكِنٌ أن تكونَ كلُّها، أو بعضُها، واللّه أعلمُ.
-
والأولى في ذلكَ، حملُ الحديثِ مُجملهِ على مُفسَّرِهِ، فيكونُ قولُ من قال: مَسجِدُ قُباءٍ مُفسِّرًا لما أجمَلَ غيرُهُ.
- vol. 8, p. 360
وقد جاءَت آثارٌ تُصحِّحُ ذلك، والحمدُ لله.
-
وقد قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تُعمَلُ المطِيُّ إلّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ، مَسجدي هذا، والمَسجدِ الحرام، ومسجِدِ بيتِ المَقْدِسِ" (١) . ولم يذكُر مسجِد قُباءٍ، وجائزٌ أن يكونَ معنَى (٢) إعمالُ المطيِّ إلى الثَّلاثةِ مَساجِد إعمالُ مَشَقَّةٍ وكُلْفةٍ، فلا يلزمُ ذلك في غيرِها والرِّحلَةُ غيرُ إعمالُ المطيِّ، والله أعلمُ.
قال أبو عُمر: وأشْبَهُ ما قيلَ في ذلك بأُصُول سُنَّتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّهُ كان يأتي مَسجد قُباءٍ للصَّلاةِ فيه، واللّهُ أعلمُ، وأكثرُ ما رُوِيَ في ذلك، وأعلى ما قيلَ فيهِ.
-
وقدِ اختُلِفَ (٣) في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوي، فقيل: مَسجدُ قُباءٍ، وقيل: مسجِدُ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وقدِ اسْتَدلَّ من قال: إنَّ مَسجدَ قُباءٍ، هُو المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، يقول من قال من أهلِ العِلم: إنَّ هذه (٤) الآيةَ نَزَلت في أهلِ (٥) قُباء: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: ١٠٨] .
-
ذكر وكيعٌ، عن طَلْحةَ بن عَمرٍو، عن (٦) عطاءٍ، قال: أحدث قومٌ من أهل قُباءٍ الوُضُوءَ وضوءَ الاستِنجاءِ، فأنزل الله فيهم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (٧) .
- vol. 8, p. 361
ورَوَى أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي مَسجدَ قُباءٍ.
-
حدَّثنا خلفُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عُمرُ بن حَفْصِ بن أبي تمّام، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مرزُوق (١) ، قالا: حدَّثنا عارِمٌ أبو النُّعمانِ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، قال: كان عبدُ الله بن عُمرَ يأتي مَسجدَ قُباءٍ في كلِّ سَبْتٍ إذا صَلَّى الغَداةَ، وكان يَكْرَهُ أن يخرُجَ منهُ، حتَّى (٢) يُصلِّي فيه، وقال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيهِ راكِبًا وماشيًا (٣) .
-
ففي هذا الحديث: أنَّهُ كان يأتي قُباءً يُصلِّي في مَسجدِها، وهُو أصحُّ ما رُوِيَ في ذلك، وأوضَحُهُ، فعَلَى هذا يكونُ إعمالُ المطيِّ إلى الثَّلاثةِ مَساجِدَ، يعني: الرِّحلةَ، والكُلْفةَ، والمئُونةَ، والمشَقَّةَ، لئلّا تتعارضَ الأحاديثُ.
-
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ قَصْدَ مسجِدِ قُباءٍ، والصَّلاةَ فيه، يَعدِلُ عُمرَةً. بإسنادٍ فيه لينٌ، من حديثِ أهل المدينةِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثني مُطرِّفٌ، قال: حدَّثني ابنُ أبي المُوالي، عن شَيخ قديم من الأنْصارِ، عن أبي أُمامةَ بن سَهْل (٤) بن حُنَيفٍ، عن سَهْل بن
vol. 8, p. 362حُنَيف (١) ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من تَوضَّأ فأحسَنَ وضوءَهُ، ثُمَّ خرَجَ عامِدًا إلى مَسجدِ قُباءٍ، لا يُخرِجُهُ إلّا الصَّلاةُ فيه، كان بمَنْزِلةِ عُمرَةٍ" (٢) .
قال أبو عُمر: الشَّيخُ من الأنصارِ المذكُورُ في هذا الإسنادِ، هُو: محمدُ بن سليمان الكِرمانيُّ، سمِعهُ من أبي أُمامةَ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي الأسودِ، قال: حدَّثنا حُمَيد (٣) بن الأسْوَدِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ الكِرمانيُّ، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ بن سَهْل بن حُنَيفٍ يقولُ: قال أبي (٤) : قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من تَطهَّر في بيتِهِ، ثُمَّ جاءَ مسجِدَ قُباءٍ فصلَّى فيه، فلهُ أجْرُ عُمرَةٍ" (٥) .
-
وقد رُوِيَ من حديثِ أُسيدِ بن ظُهير: "صلاةٌ في مسجِدِ قُباءٍ، تعدِلُ عُمرةً" من حديثِ عبدِ الحميدِ بن جَعْفرٍ، عن أبي الأبْرَد (٦) مولى بني خَطْمَةَ، عن أُسيدِ بن ظُهَير (٧) .
- vol. 8, p. 363
ورُوِيَ من حديثِ أهل المدينةِ، وهُو حديثٌ لا تقومُ به حُجَّةٌ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرُمة، سمِعَ عُمرَ بن الخطّابِ يقولُ: الحمدُ لله الذي قرَّبَ مِنّا مسجِدَ قُباءٍ، ولو كان بأُفُقٍ من الآفاقِ، لضرَبْنا إليه أكبادَ الإبِل (١) .
-
ورَوَى ابنُ نافِع، عن مالك: أنَّهُ سُئلَ عن إتيانِ قُباء راكِبًا: أحبُّ إليكَ أو ماشيًا، وفي أيِّ يوم يُؤتَى (٢) ؟ قال مالكٌ: لا أُبالي في أيِّ يوم جِئتُهُ (٣) ، ولا أُبالي مَشَيتُ إليه أو ركِبتُ، وليسَ إتيانُهُ بواجِبٍ، ولا أرى به بأسًا.
قال أبو عُمر: وقد جاءَ عن طائفةٍ من العُلماء: أنَّهُم كانوا يستحِبُّون إتيانهُ وقَصْدهُ في كلِّ (٤) سَبْتٍ، للصَّلاةِ فيه، على ما جاءَ في ذلك.
قال أبو عُمر: اختُلِفَ في الفِئَةِ الذين بَنَوا مسجِدَ الضِّرارِ بقُباءٍ، وفي الذينَ بَنَوا المسجدَ الذي أُسِّسَ على التَّقوى فيه، إن كان هُو ذلك.
-
فذكَرَ معمرٌ، عن أيُّوبَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} الآيةَ [التوبة: ١٠٧] ، قال: هُم حَيٌّ من الأنصارِ يُقالُ لهم: بنُو غَنم (٥) .
قال: والذين بَنَوا المسجدَ الذي أُسِّسَ على التَّقوَى، بنُو عَمرِو بن عَوْف (٦) .
vol. 8, p. 364وقال ابنُ جُرَيج: بنُو عَمرِو بن عَوْفٍ اسْتَأذنُوا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في بُنيانِهِ، فأذِنَ لهم، ففرَغُوا منهُ يومَ الجُمُعةِ، فصَّلَوا فيه يومَ الجُمُعةِ، ويومَ السَّبتِ، ويومَ الأحدِ، وانهارَ يومَ الاثْنَينِ في نارِ جَهنَّمَ (١) .
قال أبو عُمر: كلامُ ابن جُرَيج لا أدري ما هُو؟ والذي انهارَ في نارِ جهنَّم مسجِدُ المُنافِقينَ، لا يختلفُ العُلماءُ في ذلك، ولستُ أدري أبنُو عَمرِو بن عَوْفٍ، هُم، أم بنُو غَنْم؟
-
وقولُ سعيدِ بن جُبيرٍ في هذا مُخالفٌ لما قال ابنُ جُريج، وسعيدُ بن جُبيرٍ أجلُّ، ومعلُومٌ أنَّ المسجدَ الذي كان يأتيهِ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقُباء، ليسَ بالمسجدِ الذي انهارَ في نارِ جهنَّمَ.
-
وأمّا قولُهُ عزَ وجلَّ: {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فإنَّ أهل التَّفسيرِ قالوا: إنَّهُ كان يُحفَرُ ذلك الموضِعُ الذي انهارَ، فيخرُجُ منهُ دُخانٌ. وقال بعضُهُم: كان الرَّجُلُ يُدخِلُ فيه سَعْفةً من سَعْفِ النَّخل، فيُخرِجُها سوداءَ مُحرَّقةً.
-
ورَوَى عاصِمُ بن أبي النَّجُودِ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن ابن مسعُودٍ، أنَّهُ قال: جهنَّمُ في الأرضِ، ثُمَّ تلا: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} (٢) .
قال أبو عُمر: لا يختلفُونَ أنَّ مسجِدَ الضِّرارِ بقُباءٍ، واختلَفُوا في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى.
-
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى: أنَّهُ مَسجدُهُ - صلى الله عليه وسلم -، وهُو أثبتُ من جِهَةِ الإِسنادِ عنهُ، من قولِ من قال: إنَّهُ مَسجدُ قُباءٍ، وجائزٌ أن يكونا جميعًا أُسِّسا على تَقْوَى الله، بل معلُومٌ أنَّ ذلكَ كذلك إن شاءَ الله.
- vol. 8, p. 365
رَوَى أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ (١) ، قال: حدَّثنا صالحُ بن حيّانَ (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بُرَيدةَ في قول الله عزَّ وجلَّ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} النور: ٣٦] قال: إنَّما هي أربعةُ مساجِد لم يَبْنِهِنَّ إلّا نبيٌّ: الكَعْبةُ، بناها إبراهيمُ وإسماعيلُ، وبيتُ أريحا ببيتِ المقدِسِ بناهُ داودُ وسُليمانُ، ومَسجدُ المدينةِ، ومَسجدُ قُباءٍ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، بناهُما رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ بن المُعلَّى. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبرنا قُتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: أخبرنا اللَّيثُ، عن عُمرَ بن أبي أنسٍ، عن ابن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ قال: تَمارَى رجُلانِ في المَسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوى من أوَّل يوم، فقال رجُلٌ: هُو مَسجدُ قُباءٍ، وقال الآخرُ: هُو مَسجدُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هُو مَسجدي" .
-
أخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا حَمْزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥) : أخبرني زكَريّا بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن خارِجةَ بن زيدٍ، عن أبيهِ، قال: المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقوَى، مَسجدُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 8, p. 366
حديثٌ ثالثٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، أنَّ عبد الله بن عُمرَ أذَّنَ بالصَّلاةِ في لَيلةٍ ذاتِ بَرْدٍ وريح، فقال: ألا صَلُّوا في الرِّحال. ثُمَّ قال: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمُرُ المُؤَذِّنَ إذا كانت ليلةٌ بارِدةٌ (٢) ذاتُ مَطَرٍ، يقولُ: "ألا صلُّوا في الرِّحال" .
قال أبو عُمر (٣) : لم يُختلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ولا في لفظِهِ (٤) .
-
وقد حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ (٥) العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (٦) ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافِع، عن ابن عُمر: أنَّهُ أذَّنَ بالصَّلاةِ في ليلةٍ قِرَّةٍ وريح، فقال: ألا صلُّوا في الرِّحال. ثُمَّ قال: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمُرُ المُؤَذِّنَ إذا كانت ليلةٌ بارِدةٌ ذاتُ مَطَرٍ، يقولُ: "ألا صَلُّوا في الرِّحالِ" .
- vol. 8, p. 367
في هذا الحديثِ من الفِقه: الرُّخصةُ في التَّخلُّفِ عن الجَماعةِ في ليلةِ المطرِ والرِّيح الشَّديدةِ، وقيلَ: إنَّ هذا إنَّما كان في السَّفَرِ. وعلى ذلكَ تدُلُّ تَرْجمةُ مالكٍ للبابِ الذي ذُكِرَ فيه هذا الحديثُ.
-
وقيل: إنَّ ذلكَ كان يومَ جُمُعةٍ. وإذا كان في السَّفرِ، فلا معنَى فيهِ (١) لذِكرِ يوم الجُمُعةِ، وجائزٌ أن يكون (٢) ذلكَ الوَقْتَ كانوا يُصلُّونَ بصلاةِ الإمام في رِحالهم (٣) ، وجائزٌ أن تكونَ لهم رُخصةٌ في سَفَرِهِم يتخلَّفُونَ عن الجماعةِ، لشِدَّةِ المؤْنةِ (٤) في السَّفرِ.
-
وفي ذِكرِ الرِّحالِ دليلٌ، على أنَّهُ كان في سَفَرٍ، والله أعلمُ.