مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 22 of 79

  1. وقد تابَعهُ أيضًا على هذا جماعةٌ من رُواةِ مالكٍ.

    vol. 9, p. 71
  2. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكٌ وعَبدُ الله (٤) بن عُمرَ واللَّيثُ بن سعدٍ وأُسامةُ بن زيدٍ وابنُ سمعان، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ رَكْعتينِ، وبعدها رَكْعتينِ،

    vol. 9, p. 72وبعدَ المغرِبِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، وبعدَ صلاةِ العِشاءِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، وكان لا يُصلِّي بعدَ الجُمعةِ في المسجدِ شيئًا، حتَّى ينصرِفَ فيسجُدَ سَجْدتَين (١) .

  3. وقد اختلَفَ في ذلك أيضًا أصحابُ (٢) نافع، واختُلِفَ في ذلكَ أيضًا عن ابنِ عُمر، وسنذكُرُ ما حَضَرنا من ذلك بحولِ الله إن شاءَ الله.

  4. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ صَلاةَ النَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى، كصلاةِ اللَّيلِ سواءً، وقد مَضى القولُ في هذا المعنى بما فيه كِفايةٌ، والحمدُ للّه.

  5. وفيه: إباحَةُ صَلاةِ النّافِلةِ في المسجدِ، والأصلُ في النّافِلةِ: أنَّها صلاةُ البُيُوتِ.

  6. ولم يُختلَفْ من هذا الحديثِ في الرَّكعتينِ قبلَ الظُّهرِ وبَعْدها، أنَّ ذلكَ كان منهُ - صلى الله عليه وسلم - في المسجدِ، واختُلِفَ في صَلاتِهِ بعدَ المغرِبِ، والعِشاءِ، والجُمُعةِ، على ما نُورِدُهُ إن شاءَ الله هاهُنا.

  7. وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير (٣) . وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤) ، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي الأسْوَدِ، قال: حدَّثنا أبو المُطرِّفِ (٥)

  8. محمدُ بن أبي الوَزيرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن موسى الفِطْريُّ، عن سَعْدِ بن إسحاقَ بن كَعْبِ بن عُجْرةَ، عن أبيهِ، عن جِدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتاهُم في مَسْجِدِ بني عَبدِ الأشْهَلِ، فصلَّى فيه (١) المغرِبَ، فلمّا قَضَوْا صلاتهُم، رآهُم يُسبِّحُونَ بعدها، فقال: "هذه صَلاةُ البُيُوتِ" .

    vol. 9, p. 73
  9. فَكرِه قومٌ التَّطوُّعَ في المسجدِ بعد صَلاةِ المغرِبِ لهذا الحديثِ، ولا حُجَّةَ فيه لهم؛ لأنَّهُ لو كَرِههُ، لنَهَى عنهُ، واللّهُ أعلمُ.

  10. وقد عارَضَ قومٌ هذا الحديثَ، بما رواهُ جعفرُ بن أبي المُغيرةِ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُطيلُ القِراءةَ في الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ، حتَّى يتفرَّقَ أهلُ المسجدِ؛ ذَكرهُ أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا حُسينُ بن عبدِ الرَّحمنِ الجَرْجَرائيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا طَلْقُ بن غنّام، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن عبدِ الله القُمِّيُّ، عن جَعْفرِ بن أبي المُغيرةِ. قال أبو داود: تابَعَ طلقَ بنَ غنّام على إسنادِ هذا الحديثِ نصرٌ المُجدَّر، عن يعقُوبَ القُمِّيِّ.

  11. ورواهُ أحمدُ بن يونُس وسُليمانُ بن داودَ، عن يعقُوبَ، عن جعفرٍ، عن سَعيدٍ، مُرسلًا. وقد كان يعقُوبُ القُمِّيُّ يقولُ: كلُّ شيءٍ حدَّثتُكُم عن جَعْفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، فهُو عن ابنِ عبّاسٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٤) .

  12. والذي اجتمَعَ عليه العُلماءُ: أنَّهُ لا بأسَ بالتَّطوُّع في المسجدِ لمن شاءَ، على أنَّ صلاةَ النّافِلةِ في البُيُوتِ أفضَلُ، إلّا العشرَ رَكَعاتِ المذكُوراتِ (٥) في حَديثِ

    vol. 9, p. 74ابنِ عُمرَ في هذا البابِ، والاثْنتَيْ عشْرةَ رَكْعةً المذكُورةَ في حَديثِ أُمِّ حَبِيبةَ (١) ، فإنَّها عندَ جَماعةٍ منهُم سُنَّةٌ مسنُونةٌ، ويُسمُّونها صَلاةَ السُّنَّةِ، يرونَ صَلاتَها في المسجدِ، دُونَ سائرِ التَّطوُّع، وما عَداها من التَّطوُّع كلِّه (٢) فهُو في البَيْتِ أفَضلُ، ولا بأسَ به في المسجدِ. هذا كلُّهُ قولُ جُمهُورِ العُلماءِ.

  13. وأمّا قولُهُ: وبعدَ الجُمُعةِ رَكْعتينِ. فإنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في التَّطوُّع بعدَ الجُمُعةِ خاصَّةً (٣) .

    فقال مالكٌ: يَنْبغي للإمام إذا سلَّمَ من الجُمُعةِ، أن يدخُلَ مَنْزِلَهُ، ولا يركَعَ في المسجدِ، لما رُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّهُ كان ينصرِفُ بعدَ الجُمُعةِ ولم يَركَعْ في المسجدِ، وإنَّما كان يركعُ الرَّكعتينِ في بيتِهِ. قال مالكٌ: ومَن خَلْفَ الإمام أيضًا إذا سلَّمُوا، فأحَبُّ إليَّ أن ينصرِفُوا ولا يركعُوا في المسجدِ، فإن ركعُوا فإنَّ ذلك واسِعٌ (٤) .

    وقال الشّافِعيُّ: ما أكثرَ المُصلِّي من التَّطوُّع بعدَ الجُمُعةِ، فهُو أحبُّ إليَّ.

    وقال أبو حَنِيفةَ: يُصلِّي بعد الجُمُعةِ أربعًا. وقال في موضِع آخر: سِتًّا.

    وقال الثَّوريُّ: إن صلَّيتَ أربعًا، أو سِتًّا (٥) فحسُنٌ.

    وقال الحسنُ بن حيٍّ: يُصلِّي أربعًا.

    وقال أحمدُ بن حَنْبل: يُصلِّي سِتًّا بعدَ الجُمُعةِ أحَبُّ إليَّ (٦) ، وإن شاءَ أربعًا.

  14. وكان ابنُ عُمر يُصلِّي بعدَها رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، ويقولُ: هكذا فعلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وكانت طائفةٌ من العُلَماءِ تُصلِّي بعدَها ركعتينِ أيضًا.

    vol. 9, p. 75
  15. وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمرَ يُطيلُ الصَّلاةَ قبلَ الجُمُعةِ، ويُصلِّي بعدَها رَكْعتينِ في بيتِهِ، ويُحدِّثُ أنَّ رسُولَ الله كان يفعلُ ذلكَ.

    قال أبو داودَ (٢) : وحدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ وسُليمانُ بن داودَ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ رأى رَجُلًا يُصلِّي رَكْعتينِ يومَ (٣) الجُمُعةِ في مَقامِهِ، فدَفَعهُ وقال: أتُصلِّي الجُمُعةَ أربعًا؟ قال: وكان عبدُ الله يُصلِّي يومَ الجُمُعةِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، ويقولُ: هكذا فعلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

  16. وحُجَّةُ من قال: يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ أربعًا: ما رواهُ سُهَيلُ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان مِنكُم مُصلِّيًا بعدَ الجُمُعةِ، فليُصلِّ أربعًا" . وبعضُهُم يقولُ فيه: عن سُهَيلٍ بإسنادِهِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلَّيتُمُ الجُمُعةَ، فصلُّوا بعدَها أربعًا" . قال سُهَيلٌ: وقال لي أبي: يا بُنيَّ، إذا صلَّيتَ في المسجدِ رَكْعتينِ، ثُمَّ أتيتَ المنزِلَ، فصلِّ رَكْعتينِ. ذكَرَ ذلك كلَّهُ أبو داود (٤) .

  17. وقد رُوي عن جَماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم كانوا يُصلُّونَ بعد الجُمُعةِ رَكْعتينِ، ثُمَّ أربعًا.

    vol. 9, p. 76
  18. ومِمَّن رُوِيَ ذلك عنهُ: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعبدُ الله بن عُمرَ، وأبو موسى، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ.

  19. ورُوي أنَّ ابنَ مسعُودٍ كان يُصلِّي بعدَها أربعًا (١) . وإليه ذهَبَ إسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.

  20. وجاءَ عن النَّخَعيِّ في الصَّلاةِ بعد الجُمُعةِ: إن شِئتَ رَكْعتينِ، وإن شِئتَ أربعًا (٢) .

  21. ورَوَى حجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ: أنَّهُ أخبَر أَنَّهُ رأى ابنَ عُمرَ يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ، فيَنْأى عن مُصلّاهُ الذي صلَّى فيه قليلًا ويُصلِّي ركعتينِ، ثُمَّ يَمْشي أكثرَ من ذلك قليلًا، ويَرْكعُ أربع رَكَعاتٍ. قلتُ لعطاءٍ: كم رأيتَ ابنَ عُمرَ يفعلُ ذلك؟ قال: مِرارًا (٣) .

  22. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤) ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عُمرُ بن عَطاءِ بن أبي الخُوار (٥) ، أنَّ نافعَ بن جُبيرٍ أرسَلهُ إلى السّائبِ بن يزيد ابن أُختِ نَمِرٍ: فيسألهُ (٦) عن شيءٍ رآهُ منهُ مُعاويةُ في الصَّلاةِ، فقال: صلَّيتُ مَعهُ في المقصُورةِ، فلمّا سلَّمنا

    vol. 9, p. 77قُمتُ في مَقامي فصلَّيتُ، فلمّا دخلَ أرسل إليَّ فقال: لا تَعُدْ لما صنَعتَ، إذا صلَّيتَ الجُمُعةَ فلا تَصِلها بصَلاةٍ حتَّى تَكلَّم، أو تخرُجَ، فإنَّ نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَ بذلك، أن لا تُوصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ، حتَّى تكلَّمَ أو تخرُجَ.

  23. وذكَرَهُ أبو داودَ (١) ، عن الحسنِ بن عليٍّ الحُلوانيِّ، عن عبدِ الرَّزّاقِ.

  24. وذكَرَ الطَّحاويُّ (٢) في هذا الخبرِ، فقال: انصرفَ ابنُ عُمر إلى ذلكَ لمّا بَلَغهُ حديثُ مُعاويةَ هذا. وذكَرَ حديثَ ابنِ جُريج، عن عَطاءٍ، أَنَّهُ رأى ابنَ عُمرَ. على حسَبِ ما ذكرنا (٣) .

  25. ثُمَّ ذكَرَ (٤) حديثَ يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ (٥) كان إذا كان بمكَّةَ فصلَّى الجُمُعةَ، تقدَّمَ فصلَّى ركعتينِ، ثُمَّ تقدَّمَ فصلَّى أربعًا، فإذا كان بالمدينةِ صلَّى الجُمُعةَ، ثُمَّ رجعَ إلى بَيْتِهِ فصلَّى رَكْعتينِ، ولم يُصلِّ في المسجدِ. فقيل لهُ، فقال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ ذلك.

  26. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عليِّ بن أحمد الحنّانيُّ البَصْريُّ ومحمدُ بن عبدِ الله بن أحمد القاضي، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ (٦) ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان لا يُصلِّي بعد الجُمُعةِ شيئًا في المسجدِ، حتَّى ينصرِفَ فيُصلِّي رَكْعتينِ في بَيْتِهِ.

  27. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُسينِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدِ بن موسى، خالُ البزّارِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسُفَ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ موسى بن طارِقٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أَنَّهُ قال في حديثِهِ: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يُصلِّي بعد الجُمعةِ حتَّى ينصرِفَ، ثمَّ يَرْكع رَكْعتينِ.

    قال أبو عُمرَ: الاختِلافُ عن السَّلفِ في هذا البابِ، اختِلافُ إباحَةٍ واسْتِحسانٍ، لا اختِلاف مَنعْ وحَظْرٍ، وكلُّ ذلكَ حَسَنٌ إن شاءَ الله.

    vol. 9, p. 78
  28. رَوَى إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ، قال: قدِمَ علينا عبدُ الله، فكان يُصلِّي بعدَ الجُمُعةِ أربعًا، وقَدِمَ بعدهُ عليٌّ، فكان يُصلِّي بعد الجُمُعةِ رَكْعتينِ وأربعًا (١) .

  29. وكذلكَ من لم يرَ الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في المسجدِ، ورآهُما في البَيْتِ، إنَّما هُو على الاختيارِ، لا على أنَّ ذلك لا يجُوزُ، واللّه أعلمُ.

  30. وقد تعارَضَتْ في ذلك الآثارُ المرفُوعةُ، منها: حديثُ كَعْب بن عُجرةَ: "هذه صَلاةُ البُيُوتِ" (٢) .

  31. وحديثُ ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُطيلُ القِراءةَ في الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ، حتَّى يتفرَّقَ أهلُ المسجدِ.

  32. وقد رُوِيَ من حديثِ محمودِ بن لبيدٍ، مُرسلًا، نحو حديثِ كعبِ بن عُجرةَ؛ أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله، يعني أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن ابنِ إسحاق، عن عاصِم بن

    vol. 9, p. 79عُمرَ بن قَتادةَ، عن محمودِ بن لَبيدٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى المغرِب، ثُمَّ قال: "صلُّوا هاتَيْنِ الرَّكعتينِ في بُيُوتِكُم" (١) .

    قال أبو بكرٍ: وسُئلَ أبو عبدِ الله عن الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ، فقال: يُصلِّيها في مَنْزِلِهِ أعجبُ إليَّ. قيل لهُ: فإن بَعُدَ منزِلُهُ؟ قال: لا أدري. قال: ورأيتُ أبا عبدِ الله ما لا أُحصي، إذا صلَّى المغرِبَ، دخلَ قبلَ أن يتطوَّع.

    قال: وسألتُ (٢) أبا عبدِ الله عن تفسيرِ قولِهِ: "لا يُصلَّى بعدَ صلاةٍ مِثلُها" (٣) .

    قال: هُو أن يُصلِّي الظُّهر، فيُصلِّي أربعًا بعدَها لا يُسلِّمُ.

    ثُمَّ قال: أليسَ قد قال سعيدُ بن جُبيرٍ: إذا سلَّمَ في اثنتَيْنِ، فليس مِثلها؟

    ثُمَّ قال: أمّا أنا فأذهَبُ في الأربع قبلَ الظُّهرِ، إلى أن أُسلِّمَ في اثْنَتينِ منها.

    ثُمَّ قال: أمّا الرَّكعتانِ قبلَ الفجرِ ففي بيتِهِ، وبعدَ المَغْرِبِ في بَيْتِهِ.

    ثُمَّ قال: ليس هاهُنا أوكَدُ من الرَّكعتينِ بعد المغرِبِ في بَيْتِهِ.

  33. ثُمَّ ذكرَ حديثَ ابنِ إسحاقَ: "صلُّوا هاتينِ الرَّكعتينِ في بُيُوتِكُم" .

    قال أبو بكرٍ: حدَّثنا أبو بكر بن أبي الأسْوَدِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي الوَزيرِ أبو مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن موسى الفِطْريُّ، عن سَعْدِ (٤) بن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجْرَةَ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتاهُمْ في بَني عبدِ الأشْهَل، فصلَّى المغرِب، فرآهُم يَتَطوَّعُون بعدَها، فقال: "هذه صَلاةُ البُيُوتِ" (٥) .

  34. وهذا يحتمِلُ أن يكونَ على الاختيارِ في التَّطوُّع أكثرَ من الرَّكعتينِ، ويحتمِلُ أن يكونَ في الرَّكعتينِ.

    قال أبو بكر الأثرمُ: حدَّثنا سليمانُ بن بلالٍ، عن رَبِيعةَ، أَنَّهُ سمِعَ السّائبَ بنَ يزيدَ يقولُ: لقد رأيتُ النّاس في زَمنِ عُمرَ بن الخطّابِ إذا انصرَفُوا من المغرِبِ، انصرَفُوا جميعًا، حتَّى ما يبقَى في المسجدِ أحدٌ، كانوا لا يُصلُّونَ بعد المغرِبِ حتَّى يَصِيرُوا إلى أهليهِم.

    قال: وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن العبّاسِ بن سَهْل (١) : أنَّ النّاسَ كانوا على عَهدِ عُثمانَ يُصلُّونَ الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في بُيُوتِهِم (٢) .

    قال: وحدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، عن الأعْمَشِ، عن ثابِتِ بن عُبيدٍ، قال: رأيتُ زيدَ بنَ ثابِتٍ صلَّى الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في بَيْتِهِ.

    قال: وحدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن عبدِ الله بن يزيد، قال: كان إبراهيمُ إذا صلَّى المغرِبَ في المسجدِ، رجعَ فصلَّى رَكْعتينِ في بَيْتِهِ.

    vol. 9, p. 80
  35. وذكَرَ الحسُنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، أنَّ أباهُ سعدَ بن إبراهيمَ، كان لا يُصلِّي الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ إلّا في بَيْتِهِ. وقال إبراهيمُ: رُبَّما قرأتُ على أبي جُزءًا في الحمّام، وقرأتُهُ عليه مرَّةً في الحمّام ومعَهُ عبدُ الله بن الفَضْلِ. قال يعقُوبُ: ولم أعقِلْ أبي قطُّ إلّا وهُو يُصلِّي الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في بَيْتِهِ.

  36. فهذه الآثارُ كلُّها تُبيِّنُ لكَ أنَّ صلاةَ الرَّكعتينِ بعدَ المغرِبِ في البيتِ أفضلُ،

    vol. 9, p. 81وأنَّهُ الأمرُ القديمُ، وعَملُ صَدرِ السَّلفِ. وهُو الثّابِتُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ كان يُصليهما (١) في بَيْتِهِ، من حديثِ ابنِ عُمر، ومن حديثِ غير: أنَّها صَلاةُ البُيُوتِ.

  37. وأمّا حديثُ (٢) جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، فليسَ تقومُ به حُجَّةٌ، ولكِنَّهُ أمرٌ لا حرجَ على من فَعلهُ؛ لأنَّ الأصلَ فيه: أنَّهُ فِعلُ برٍّ وخيرٍ، فحيثُ فُعِلَ فحسُنٌ، إلّا أنَّ الأفضلَ من ذلك ما كان رسُولُ الله يُواظِبُ عليه، ومالَ اختيار (٣) صَدْرِ السَّلفِ إليه، وباللّه التَّوفيقُ.

  38. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسُف، قال: أخبرنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يعقُوب، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: حَفِظتُ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عشْرَ رَكَعاتٍ: ركعتَينِ قبلَ الظُّهرِ، ورَكْعتينِ بعدها، ورَكْعتينِ بعد المغرِب في بَيْتِهِ، ورَكْعتينِ بعد العِشاءِ في بَيْتِهِ، ورَكْعتينِ قبلَ الغداةِ في بَيْتِهِ. وحدَّثتني حَفْصةُ، وكانت ساعَةً لا يُدخَلُ (٤) عليه فيها، أَنَّهُ كان إذا طلَعَ الفَجْرُ، وأذَّنَ المُؤَذِّنُ، صلَّى في بيتِهِ رَكْعتين (٥) .

  39. هكذا وقع في أصلي: ورَكْعتينِ قبلَ الغَداةِ (٦) ، والصَّوابُ فيه: بعد الجُمُعةِ، إلّا أن يكونَ اختلَطَ على أيُّوبَ حديثُهُ هذا عن نافع، بحديثهِ عن المُغيرةِ بن سُليمانَ،

    vol. 9, p. 82وأمّا حديثُ نافع، فمَحفُوظٌ فيه: رَكْعتانِ بعدَ الجُمُعةِ. وليسَ فيه: رَكْعتانِ قبل الصُّبح، إلّا في رِوايتِهِ عن حَفْصةَ، وليس ذلكَ عندَ مالك (١) .

  40. وقد أخبرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيز، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يُصلِّي بعد الجُمُعةِ رَكْعتينِ في بَيْتِهِ، ويقولُ: هكذا فعلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. هكذا حدَّث به مُختصرًا.