مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 28 of 79

  1. وحُجَّتُهُم: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشْعَثِ، قال (١) : حدَّثنا ابنُ نُفيل، قال: حدَّثنا زُهيرٌ، قال: حدَّثنا خُصيفٌ (٢) ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: إنَّما نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثَّوبِ المُصمَتِ من الحَريرِ، فأمّا العَلَمُ من الحَريرِ وَسَدَى (٣) الثَّوبِ، فلا بأسَ.

    vol. 9, p. 144
  2. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسحاقَ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن يحيى الغسّانيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ، عن خُصيفٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: إنَّما كرِهَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الثَّوبَ المُصْمَتَ من الحريرِ، فأمّا العَلَمُ من الحريرِ، وَسَدَى الثَّوبِ، فليسَ به بأسٌ (٥) .

    vol. 9, p. 145قال أبو عُمر: في هذا أيضًا حُجَّةٌ لمن ذهَبَ إلى (١) أنَّ الحُلَّةَ السِّيراءَ المَذْكُورةَ في هذا البابِ كانت حَرِيرًا كلُّها، ولهذا قال فيها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال، واللّه أعلمُ.

  3. وقد ذهَبَ قومٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ ما كان سَداهُ حريرًا من الثِّيابِ، لا يجُوزُ لِباسُهُ للرِّجالِ بحالٍ، وذَكَرُوا أنَّ الحُلَّةَ السِّيَراءَ هذه صِفتُها، على ما قال أهلُ اللُّغةِ.

  4. واحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهَبَ، بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسحاقَ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن عُيَينةَ أخُو سُفيانَ بن عُيَينةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، عن أبي فاخِتةَ، عن جَعْدةَ بن هُبيرَةَ (٢) ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: أهْدَى أميرُ أذْرِعاتٍ (٣) إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حُلَّةً مُسيَّرةً بحريرٍ، إمّا سداها، وإمّا لُحمتُها، فبعَثَ بها إليَّ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: ما أصنعُ بها، ألْبَسُها؟ فقال: "إنِّي لا أرْضَى لكَ ما أكرهُ لنَفْسي، فاجعَلْها خُمُرًا بين الفَواطِم" . فشَقَقتُ منها أربعةَ أخمِرة: خِمارًا لفاطمةَ بنتِ أسَدِ بن هاشِم، وهي أُمُّ عليٍّ، وخِمارًا لفاطمةَ ابنةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وخِمارًا لفاطمةَ بنتِ حَمْزةَ بن عبدِ المُطَّلِبِ. قال يزيدُ بن أبي زيادٍ: وذكَرَ فاطِمةً أُخرى، فنسيتُها (٤) .

  5. وأرْخَصَتْ هذه الطّائفةُ وغيرُها من أهلِ العِلم، من الحَريرِ في الأعْلام نحوَ الإصْبَعَينِ والثَّلاثِ لا غيرَ، ولم يُجِيزُوا أكثرَ من ذلك، ولم يُجيزُوا السَّدَى، ولا اللُّحمةَ. وهذا كلُّهُ للرِّجالِ على ما وصَفْنا.

    vol. 9, p. 146
  6. وأمّا النِّساءُ، فقليلُهُ وكثيرُهُ جائزٌ لهنَّ.

  7. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهَبَ: ما حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (١) : حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرني قَتادةُ، قال: سمِعتُ أبا عُثمانَ النَّهديَّ يقولُ: أتانا كِتابُ عُمرَ بن الخطّابِ ونَحْنُ بأذْرَبِيْجانَ معَ عُتْبةَ بن فَرْقدٍ: أمّا بَعْدُ، فاتَّزِرُوا، وارْتَدُوا، وانتعِلُوا، وألقُوا الخِفافَ، وألقُوا السَّراويلاتِ، وعليكُم بلِباسِ أبيكُم إسماعيلَ، وإيّاكُم والتَّنعُّمَ، وزِيَّ العَجَم، وعليكُم بالشَّمسِ، فإنَّها (٢) حمّامُ العَرَبِ، واخشوشِنُوا، واخْشَوشِبوا (٣) ، واخْلَولِقُوا (٤) ،

    vol. 9, p. 147واقطعُوا الرُّكُبَ (١) ، وانْزُوا (٢) ، وارمُوا الأغْراضَ (٣) ، وإنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الحريرِ، إلّا هكذا وهكذا، وأشارَ بإصْبَعيهِ: السَّبّابةِ والوُسْطَى. يعني: الأعلامَ.

  8. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال (٤) : حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن عاصِم (٥) ، عن أبي عُثمانَ، عن عُمرَ نحوهُ، وزادَ فيه: وتعلَّمُوا العَربيّةَ.

  9. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سَوّارٍ الفَزاريُّ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ بن الحجّاج، عن قَتادةَ، قال: سمِعتُ أبا عُثمان النَّهديَّ (٦) يقولُ: إنَّ كِتابَ عُمرَ بن الخطّابِ أتاهُم وهُم بأذْرَبِيْجانَ: أمّا بعدُ، فاتَّزِرُوا، وانتعِلُوا، وارتدُوا، وألقُوا الخِفافَ والسَّراويلاتِ، وإيّاكُم وزِيَّ العَجَم، وعليكُم بالشَّمسِ، فإنَّها حمّامُ العربِ، واخْشَوشِنُوا، واخْشَوشِبُوا، واقطعُوا الرُّكُب، وانزُوا على الخَيْلِ، وارمُوا الأغراضَ، وإنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الحريرِ، إلّا هكذا، وضمَّ إصْبَعيهِ السَّبّابةَ والإبهامَ. فعَلِمنا أنَّها الأعلامُ (٧) .

    vol. 9, p. 148قال أبو عُمر: قولُهُ: اخْشَوشِنُوا، واخْشَوشِبُوا بمعنًى واحدٍ، من الخُشُونةِ في المَلْبسِ، والمَطْعم، وكلُّ شيءٍ غليظٍ خَشِنٍ، فهُو أخْشَبُ وخَشِبٌ، وهُو من الغِلَظِ، وابتِذالِ النَّفسِ في العَملِ وامْتِهانِها، ليَغْلُظ الجسدُ ويَجْسو (١) . هذا قولُ أبي عُبيد (٢) ، وأنشَدَ قولَ ذي الرُّمَّةِ يَصفُ الظَّليم (٣) :

    شَخْتُ الجُزارةِ (٤) مِثلُ البيتِ سائرُهُ ... من المُسُوح خدبٌ شَوْقبٌ خَشِبُ

    وقال صاحِبُ "العين" (٥) : اخْلَولق السَّحابُ: إذا استوى.

  10. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٦) : حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عاصِم، عن أبي عُثمانَ النَّهديِّ، قال: قال عُمرُ بن الخطّاب: إيّاكُم والحريرَ، فإنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنهُ، وقال: "لا تَلْبسُوا من الحَريرِ إلّا ما كان هكذا" . وأشار رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بإصْبَعَيْهِ.

  11. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ (٧) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

    vol. 9, p. 149قال (١) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: حدَّثنا عاصِمٌ الأحْوَلُ، عن أبي عُثمانَ النَّهديِّ، قال: كتَبَ عُمرُ إلى عُتْبَةَ بن فَرْقدٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الحَريرِ إلّا ما كان هكذا وهكذا إصْبَعْينِ، وثَلاثةً، وأربعةً.

  12. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي اسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا عاصِم الأحولُ، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، قال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: إيّاكُم والحَريرَ، فإنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد نَهَى عنهُ، وقال: "لا تَلْبسُوا الحريرَ، إلّا ما كان هكذا" ، وأشارَ بإصْبَعيهِ الوُسْطَى والسَّبّابة (٢) .

  13. ومِمَّن رخَّصَ في العَلَم أيضًا: عائشةُ، وأسماءُ.

    وقال آخرُون من أهلِ العِلم: لا يجُوزُ للرَّجُلِ لِباسُ شيءٍ من الحَريرِ، لا قليل ولا كثير. ومِمَّن ذهَبَ هذا المذهَبَ: عبدُ الله بن عُمرَ، وهُو مِمَّن رَوَى حديثَ الحُلَّةِ السِّيَراءِ.

  14. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا وكيعٌ، عن المُغيرةِ بن زيادٍ، عن أبي عُمرَ مولى أسماءَ (٤) ، قال: رأيتُ ابنَ

    vol. 9, p. 150عُمرَ اشْتَرى عِمامةً لها عَلَمٌ، فدَعا بالجَلَمينِ (١) فقَصَّه، فدَخَلتُ على أسماءَ، فذكرتُ لها ذلكَ، فقالت: بُؤسًا لعَبدِ الله يا جاريةُ، هاتي جُبَّةَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فجاءَت بجُبَّةٍ مَكْفُوفةِ الكُمَّينِ والجَيْبِ والفرج بالدِّيباج.

  15. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُس، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله أبو (٣) عُمرَ مولى أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ في السُّوقِ اشْتَرى ثوبًا شاميًّا، فرأى فيه خَيْطًا أحمرَ، فردَّهُ، فأتيتُ أسماءَ، وذكر الحديثَ.

  16. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عَرْعَرةَ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عونٍ، عن الحسنِ، قال: دَخلنا على ابن عُمرَ وهُو بالبَطْحاءِ، فقال رجُلٌ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ثيابُنا هذه قد خالَطَها الحريرُ، وهُو قليلٌ. فقال: اترُكُوهُ، قليلَهُ وكثيرَهُ (٤) .

  17. وأمّا حِكايةُ أقاويلِ الفُقهاءِ في هذا البابِ (٥) ، فذكَرَ ابنُ وَهْب وابنُ القاسم، عن مالكٍ قال: أكْرَهُ لُبسَ الخزِّ؛ لأنَّ سَداهُ حريرٌ (٦) .

  18. وأباح الشّافِعيُّ لُبسَ قَباءٍ محشُوٍّ بقزٍّ، لأنَّ القزَّ: باطنٌ (٧) .

    vol. 9, p. 151وقال أبو حنيفةَ: لا بأسَ بلُبسِ ما كان سَداهُ حريرًا، ولُحمتُهُ غيرَ ذلك.

    قال: وأكرهُ ما كان لُحمتُهُ حَرِيرًا، وسَداهُ غيرَ حرير.

    وقال محمدُ بن الحسنِ: لا بأسَ بلُبسِ الحريرِ، ما لم تَكُن فيه شُهْرةٌ، فإن كانت فيه شُهْرةٌ، فلا خيرَ فيه.

    وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (١) : قد أجمعُوا على نَهْيِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن لُبسِ الحريرِ، وفي حديثِ ابن عبّاسٍ: إنَّما نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثَّوبِ المُصمَتِ (٢) . فأمّا السَّدى والعَلَمُ فلا. يعني الحرير. وهذا يُبيِّنُ المُرادَ في النَّهيِ عن ذلك.

    وقال بُسرُ بن سعيدٍ: رأيتُ على سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ جُبَّةً شاميَّةً قيامُها خَزٌّ، ورأيتُ على زَيْدِ بن ثابِتٍ خمائصَ (٣) مُعلَّمةً (٤) .

  19. واختلفَ العُلماءُ في لِباسِ الحريرِ للرِّجالِ في الحَرْبِ، أو من جَرَبٍ وحَكَّةٍ تكونُ بهم، فرخَّصَ فيه قومٌ، وكَرِههُ آخرُونَ، ومِمَّن كرِههُ: مالكُ بن أنس (٥) ، وابنُ القاسم، وجماعةٌ من أهلِ العِلم على كلِّ حالٍ، ورخَّصت فيه جماعةٌ منهُم، وإليه ذهَبَ ابنُ حبيب.

  20. ومِن حُجَّتِهِم: ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن

    vol. 9, p. 152أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحيم، عن حجّاج، عن أبي عُمرَ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، أنَّها أخرجت جُبَّةً مُزرَّرةً بالدِّيباج، فقالت: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَلْبسُ هذه إذا لَقِيَ العَدُوَّ (١) .

  21. وحدَّثنا سعيدٌ (٢) وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن شُعبَةَ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، قال: رخَّصَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - - أو رُخِّصَ - للزُّبيرِ بن العوّام وعبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ في لُبْسِ الحَريرِ، لحكَّةٍ كانت فيهما (٣) .

  22. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا عيسى بن يونُسَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: رخَّصَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لعَبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ والزُّبيرِ بن العوّام في قُمُصِ الحريرِ في السَّفرِ، من حكَّةٍ كانت بهما.

  23. وقد رُوي عن مالكٍ الرُّخصةُ في ذلك أيضًا.

  24. ورَوَى سَلَمةُ بن علقمةَ، عن ابن سيرينَ، قال: نُبِّئتُ أنَّ الوليدَ بن عُقبةَ دخلَ على عُمرَ بن الخطّابِ وعليه قميصُ حريرٍ، فقال: ما هذا لا أُمَّ لكَ؟ فقال: أليسَ

    vol. 9, p. 153عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ يلبسُهُ؟ قال: وأنتَ مِثلُ عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ لا أُمَّ لكَ؟ ثُمَّ أمرَ به فمُزِّق عليه. يعني: وأنتَ مِثلُ عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ فيما نزلَ به من الجَرَبِ والحكَّةِ؟

  25. وأمّا كَراهةُ لِباسِ الحَريرِ في الحربِ، فذكر أبو بكرٍ، قال (١) : حدَّثنا ابنُ إدريس، عن حُصَينٍ، عن الشَّعبيِّ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، قال: شَهِدتُ اليرمُوكَ (٢) ، فاسْتَقبلَنا عُمرُ وعَلينا الدِّيباجُ والحريرُ، فأنْزَلَنا، فرُمينا بالحِجارةِ، فقُلنا: ما بَلَغهُ عنّا؟ وقُلنا: كَرِهَ زِّينا، فنَزَعْنا، فلمّا اسْتَقبلنا رحَّب بنا، وقال: إنَّكُم جِئتُمُوني في زيِّ الشِّركِ، إنَّ اللهَ لم يَرْضَ لمن قبلكُمُ الدِّيباجَ ولا الحَريرَ.

    قال (٣) : وحدَّثنا محمدُ بن أبي عديٍّ، عن ابن عَوْن (٤) ، قال: سألتُ محمدَ بنَ سيرينَ عن لُبْسِ الدِّيباج في الحربِ، فقال: من أينَ كانوا يجُدونَ الدِّيباج!

    قال (٥) : وحدَّثنا وكيعٌ، عن أبي مَكِين (٦) ، عن عِكرِمةَ: أنَّهُ كرَّههُ في الحربِ، وقال: أرْجَى ما يكونُ للشَّهادةِ.

  26. وذكَرَ الأوزاعيُّ، عن الوليدِ بن هشام، عن ابن مُحَيريزٍ، مِثلَهُ بمعناهُ (٧) .

  27. ومِمّا يُبيِّنُ لكَ أنَّ النِّساءَ ليسَ مِمَّن قُصِدَ بتحريم الحريرِ، ولا بالرُّخصةِ لعِلَّةٍ، وأنَّ ذلكَ مُباح لهنَّ على كلِّ حالٍ، مع ما تقدَّم ذِكر:

    vol. 9, p. 154ما أخبرناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ وكثيرُ بن عُبيدٍ الحِمْصيّانِ، قالا: حدَّثنا بقيَّةُ، عن الزُّبيديِّ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ، أنَّهُ حدَّثهُ: أنَّهُ رأى على أُمِّ كُلثُوم ابْنَةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بُرْدًا سِيَراءَ. والسِّيراءُ: المُضلَّعُ بالقَزِّ.

  28. هكذا وردَ هذا التَّفسيرُ في هذا الحديثِ، وهُو مُوافِقٌ لِما ذَكْرنا، عن أهلِ اللُّغةِ في تفسيرِ السِّيَراءِ.

  29. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ بن بلال، عن يحيى بن سَعيدٍ ومحمدِ بن أبي عَتيق، أنَّ ابنَ شِهاب سُئلَ عن الحريرِ: هل يَلْبسُهُ النِّساءُ؟ فزعَمَ أنَّ أنسَ بن مالكٍ أخبَرهُ: أنَّهُ رأى على أُمِّ كُلثُوم ابنَةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بُرْدَ حَريرٍ سِيَراءَ (٢) .

  30. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا مِسْعَر،

    vol. 9, p. 155عن عبدِ الملِكِ بن مَيْسرةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: كُنّا نَنْزِعُهُ عن الغِلْمانِ، ونترُكُهُ على الجَواري. يعني: الحَريرَ. قال مِسْعر: فسألتُ عَمرو بن دينارٍ عنهُ، فلم يَعْرِفْهُ.

  31. وقد (١) رُوي - في أنَّ التَّحلِّيَ بالذَّهبِ مكرُوهٌ أيضًا - خَبَرانِ مَعلُولانِ لا حُجَّةَ فيهما، لضَعْفِهِما عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ، وقد ذكَرْناهُما في بابِ نافع، عن إبراهيمَ بن حُسينٍ، والحمدُ للّه.

    قال أبو عُمر: فهذا ما جاءَ في الحريرِ. وأمّا الخزُّ، فقد لَبِسهُ جماعةٌ من العُلماءِ، وقدِ اختُلِف علينا في سَدَى ذلك الخزِّ، فقال قومٌ: كان سَداهُ نظمًا. وقال آخرُون: حَريرًا، والمعرُوفُ من خزِّنا اليومَ، أنَّ سَداهُ حريرٌ.

  32. وذكر مالكٌ في "المُوطَّأِ" (٢) عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها كَسَت عبدَ الله بن الزُّبيرِ مِطْرَفَ خزٍّ كانت عائشَةُ تلبسُهُ.

  33. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا أفْلَحُ بن حُميدٍ، قال: كان القاسمُ بن محمدٍ يلبسُ جُبَّةَ خَزٍّ، وكان ابنُهُ عبدُ الرَّحمنِ يَلْبسُ كِساءَ خَزٍّ (٣) .

  34. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا عيسى بن دينارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ القاسم، عن مالكٍ، قال: كان رَبِيعةُ يلبسُ القَلَنسُوةَ بِطانتُها وظِهارِتها خزٌّ، وكان إمامًا.

    vol. 9, p. 156وقال في موضِع آخرَ من سماع ابن القاسم: قال مالكٌ، وذُكِر لُبْسُ الخزِّ، فقال: قَوْمٌ يَكْرهُونَ لِباسَ الخزِّ، ويَلْبسُونَ القَلانِسَ بالخزِّ، فعَجِبنا من اختِلافِ رأيِهِم (١) .

    قال مالكٌ: وإنَّما كُرِهَ لِباسُ الخزِّ بأنّ سَداهُ حريرٌ.

    وقال أبو نُعَيم وَهْبُ بن كَيْسانَ: رأيتُ سَعْدَ بن أبي وقّاصٍ، وجابرَ بن عبدِ الله، وأبا هُريرةَ، وأنسَ بن مالكٍ يَلْبسُونَ الخزَّ (٢) .

  35. وفي حَديثِ صَفْوانَ بن عبدِ الله بن صَفْوانَ: أنَّ سعدًا اسْتَأذنَ على ابن عبّاسٍ (٣) وعليه مِطْرفُ خزٍّ شطرُهُ (٤) حَرِيرٌ، فقيل لهُ في ذلك، فقال: إنَّما يَلي جِلدي منهُ الخَزُّ (٥) .

  36. واحتجَّ الطَّحاويُّ (٦) بخبَرِ سَعْدٍ هذا في أنَّ خَزَّ القَوم كان فيه حَريرٌ، وأرْدَفهُ بحديثِ عمّارِ بن أبي عمّارٍ: أنَّ مروانَ قَدِمت عليه مَطارِفُ خزٍّ، فكَساها أصحابَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فكأنِّي أنظُرُ إلى أبي هُريرةَ عليه منها مِطْرفٌ أغبَرُ، وكأنِّي أنظُرُ إلى طُرُقِ الإبْرَيسِم فيه. قال: فدَلَّ (٧) هذا على أنَّ الخزَّ الذي لبِسُوهُ، هُو الذي فيه الحَريرُ.

    قال أبو عُمر: لبِسَ الخزَّ جَماعةٌ من جِلَّةِ العُلماءِ، لو ذكَرْناهُم، لأطَلْنا وأمْلَلْنا وخَرَجنا عمّا لهُ قَصَدْنا، ولكِنَّهُمُ اختلفُوا هل كان فيه حريرٌ أم لا؟ واجتِنابُ ذلك لمن يُقْتَدَى به أوْلى، ولا يُقطَعُ على تحريم شيءٍ إلّا بيقينٍ، لكِنَّهُ مِمّا سُكِتَ عنهُ، وعُفِيَ عنهُ.

  37. وفي حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ، حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمر: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ رأى حُلَّةً سِيَراءَ تُباعُ عندَ بابِ المسجدِ، الحديثَ: فيه البيعُ والشِّراءُ على أبوابِ المساجِدِ.

    vol. 9, p. 157
  38. وفيه: مُباشرةُ الصّالحِين والفُضَلاءِ للبيع والشِّراءِ.

  39. وفيه: أنَّ الجُمُعةَ يُلبَسُ فيها من أحْسَنِ الثِّيابِ، وكذلكَ يُتَجمَّلُ بالثِّيابِ الحِسانِ في الأعيادِ؛ لأنَّ الجُمُعةَ عيدٌ، ويُتَجمَّلُ بها أيضًا على وَجْهِ التَّرهيبِ للعدُوِّ، والتَّغليظِ عليهم.

  40. وهذا كلُّهُ في معنى حديثنا المذكُورِ، ولا أعلمُ بين العُلماءِ اختِلافًا في اسْتِحبابِ التَّجمُّلِ بأحسنِ الثِّيابِ يومَ الجُمُعةِ لمن قَدَرَ.